متاعب التفكير الإبداعي الأدبي علي البصري: عثمان سامبين نموذجاً(2/2)

د. وجدي كامل صالح عبد السيد

تعد تجربة الروائي والمخرج السينمائي السنغالي عثمان سامبين في توظيف العلاقة بين الرواية والفيلم تجربة غير مسبوقة في المحصلة العامة  لتاريخ الفيلم. فالفيلم السينمائي كان قد عرف قبل سامبين نزوعا خاصا في كتابة المخرجين لنصوص أفلامهم ، حيث مثل ذلك جريفت وإيزنشتين ثم شابلن وفون ستروهايم وويلز وفيليني وآخرون مثل كيروساوا وأنطونيوني وبرجمان زافاتينى ولكن فإن مساهمة سامبين قد عملت في درجة أعلي من ذلك بأن قام الروائي والقصصي السنغالي  بتحويل أعماله الادبية إلي أفلام سينمائية.

فيلم "الحوالة البريدية"  1968 والذي كان في الأصل عبارة عن قصة أدبية  طويلة شكل الفيلم الأكثر نيلا للضربات النقدية  في إطار العلاقات المتداخلة بين التعبير الروائي الأدبي وخاصة في جانب البناء الحواري وجانب استقلالية اللغة السينمائية.  فذات العلل في الأفلام السابقة له قد تكررت وبنحو أشد، خاصة في بناء المشاهد وترسيم حركة الممثلين أو ما يعرف بالميزانسين وكذلك البطء الإيقاعي.

ففي نطاق التعبير بأحجام اللقطات مال الفيلم إلي استخدام اللقطات العامة واللقطات الثابتة دون إهتمام بالتفاصيل واللقطات المتحركة مما دفع  باتهام نقدي نوعي جديد من قبل الناقدة مارغريت تاريت التي قالت عنه ( عندما نشاهد هذا الفيلم يتضح وبنحو جلي أن مهمته الرئيسية كانت مهمة إجتماعية وليست سينمائية.... هذا الفيلم يظل مغلفا بالروح المسرحية.)5.

ما الأسباب في عدم استقرار الشكل الفني البصري  للفيلم عند سامبين وقتها:

من المعلوم والمفهوم تماما أن ثمة روابط عميقة تربط بين كافة الأنواع الإبداعية الفنية. وكذلك من المعلوم والمفهوم تماما استقلالية كل نوع بلغة خاصة وقوانين فنية ذاتية لا يجوز تحويلها أو إسقاطها من نوع علي نوع آخر. ولكن أكثر من ذلك فإن ميكانيزم الإبداع الكتابي من شعر وقصة ورواية ومقال وغيره وبالمقارنة مع ميكانيزم الإبداع البصري نجده يختلف تماما من لحظة عمل الدماغ علي الفكرة حتي لحظة إخراجها والتعبير عنها في قالب فني مختص. فميكانيزم الإبداع الكتابي يعمل علي صور الحروف والكلمات ذهنيا، ويلعب علي ذخيرتها والطاقات التي تحملها وتجيز انطلاقها عمليات تكوين الجمل وتوليف تتابعاتها. ومن ثم تأتي الأحكام الفنية والقواعد التعبيرية والمستويات البلاغية . إنها نوع من العمل الذهني المختلف المؤدي لا محالة الي وضع حالة من التفكير الممكن تسميته بالتفكير الأدبي وليس التفكير اللغوي – (ذاك خطا شائع كثيرا ما نقع فيه إذ أن التعبير البصري هو أيضا تعبير لغوي ولكنه غير محكي أو مكتوب علي الأنساق الأدبية.).

عثمان سامبين مثله مثل أدباء روائيين راكم خبرة هائلة من التفكير الذهني الأدبي والذي يجيز التصوير بواسطة الكلمات والوصف الأدبي الروائي والقصصي والتي وعندما تتحول إلي فن القص الفيلمي السينمائي تتطلب ومنذ البداية إلي تحويل نظام الوصف المقروء أو المسموع إلي نظام المشاهدة، أي تحويل الموصوف والمرسل من الأفكار بلغة مكتوبة أو محكية إلي مشاهدة مادية، إلي حياة تسمع وتري وتتحرك في آن واحد. ولذلك ظهر السيناريو كنوع فني وسيط لتحقيق الأفلام وكذلك المونتاج كنظام للتوليف له ذات قوانين المشاهد في الحياة ومحاولة تجسيد تفاصيلها مرئيا.

ولكن تظل عملية كتابة السيناريو في حد ذاتها رحلة شاقة من هضبة الأدب إلي هضبة الصورة والحياة المرئية الناطقة. تعد شريحة الأدباء أو الممارسين لأنواعها من الشرائح التي تواجه صراعا قاسيا ومضنيا بهدف إحداث الإنتقال من الهضبة الأولي إلي الثانية لما تتطلبه من عتاد مختلف. ولكن قد يحدث ذلك تدريجيا.

في الأفلام التي تلت مثل "خالا" 1971  و"أميتاي" و "سيدو"  حيث يبدأ سامبين في الإفصاح عن مواقع التميز والإستفادة من خبرة الكتابة الروائية والقصصية لصالح التعبير البصري وبمسافات بائنة عندما يبدأ في السيطرة علي الشكل الفني واللغوي للفيلم نسبيا بالمقارنة لفيلميه الاخيرين "المعسكر" و "مولادى".

كيف حدث ذلك؟

حدث ذلك عندما بدأ سامبين يعي أن السيناريو كجنس إبداعي سينمائي لا يمت بصلة أبدا إلي الرواية إلا في بنائه الحواري. فالسيناريو لا يكتب لأجل القراءة وجني المتعة الأدبية منه بإنفصال عن الغرض منه وهو تحويله إلي فيلم مشاهد، إلي عمل بصري يترجم أفعال ووصفات الحركة عبر تكوين الشخوص الذين يتحولون الي مؤدين، ممثلين. إنه جنس غائي غايته الفيلم، يسعي إلي الفيلم في متنه وكافة هندسته، إنه الفيلم مكتوب علي الورق وهو بالتالي يتطلب فقط الإيفاء بمتطلبات التعبير و البلاغة الفيلميين. إستطاع سامبين الروائي أن يعبر إلي سامبين السينمائي بصفة فارقة منذ فيلم "سيدو". ففي هذا الفيلم يبدأ في الظهور تدريجيا التنوع التعبيري في إدارة سامبين لإستخدام اللقطات والتقنية التصويرية الداعمة لديناميكية الأحداث والمزج بينها وبين الإستخدام الذكي للمؤثرات الموسيقية والطبيعية. علي أن فيلم "سيدو" وبرغم تقدمه النسبي في التعبير البصري لم ينج من الملاحظات النقدية في جانب التعبير السينمائي البصري من بعض النقاد وخاصة الناقد الأميركي كولا والذي كتب (أسلوب الفيلم قصصي خال من الرمزية المصقولة  المتصلة بطرق القص البصري ).

لقد أفلح سامبين وعبر فيلمه هذا والأفلام التي سبقته، كما فيلم "خالا" الذي تلاه في خلق دراماتورغيا تعمل لصالح الرؤية الوصفية الأدبية للأحداث وبناء الشخصيات  متفوقا بنحو خاص في صياغاته الحوارية بينها.

فيما بعد تنضج أدوات التعبير البصري لدي سامبين ويتمكن من إحداث الزواج الخلاق بين القدرات السردية الأدبية وبين القدرات السردية البصرية عندما ينتج فيلم "المعسكر"   وفيلم "مولادى".

خاتمة:

السؤال النظري الهام والذي يتطلب منا جميعا الإجابة عليه هو سؤال العلاقة بين الرواية والفيلم.. هل هي علاقة رفد تاريخي من الرواية لفن الفيلم في لحظة حرجة من تطور الفرجة السينمائية كاد فيها أن يفقد الفيلم جمهوره بعد إنقضاء مرحلة المشاهدة برأسمال الدهشة من الآلة الجديدة للعرض والصور المتدفقة في حيز من الظلام،  ورفد لاحق لفن الفيلم لفن الرواية في أساليب السرد والإيقاع والإنتقالات الزمنية  كما يجمع عدد من المنظرين والنقاد والمختصين، أم هي علاقة طبيعية بين نوعين إبداعيين مثلها ومثل علاقة الفيلم بالمسرح بالموسيقي والمعمار واللون والتمثيل وغيره؟

في التجربة  المتنوعة ،الخصبة لمسار بعض النقاد كما الروائيين المتحولين إلي كتابة النص السينمائي ( السيناريو) نكاد نعثر علي آراء متباينة، فالناقد الفرنسي مارسيل مارتن والذي إشتهر برأيه عن عدم توفر الخاصية التسجيلية في الفيلم التسجيلي طالما كان هنالك مونتاج يتم، يري أن الفن الأقرب للسينما هو المسرح، وخاصة المسرح القديم مستندا إلي أن كلا الفنين يعتمدان علي ذات الجمهور الضخم والواقع الإجتماعي العظيم، كما أسطورية العرض. ولكن، فعلي المستوي السايكولوجي يقترب الفيلم والعرض السينمائي إلي الرواية مبينا أن كل منهما ينزع إلي خلق الإنصهار العاطفي بين الشخصية والجمهور.

في وجهة نظري أن هذه العلاقة علاقة خاصة، معقدة تكتنفها جملة من العلاقات و الإشتباكات المتبادلة.  السينما تبدو كفضاء مستقل تماما عن فضاء الرواية، ولكن كلاهما  ينطق بفنيات سردية عامة متشابهة وتقاسيم تعمل علي توظيف الوصف والأحداث بلغته وأدواته. فالحديث الشائع والرائج أن الفيلم الفلاني أو ذاك الفيلم مقتبس من الرواية الفلانية هو حديث في رأيي تعوزه الدقة بسبب عدم وجود إقتباس البتة. فتجارب الإقتباس بمعني النقل الحرفي للروايات للأفلام منيت بسمعة سيئة عبر التاريخ السينمائي كرواية سكوت فتزجرالد ورواية افرانس نورس ( الشبح ) التي حولها المخرج فون ستروهايم إلي فيلم إستغرق عرضه عشر ساعات، كما في النسخة الإنتاجية الأميركية لرواية تولستوي (الحرب والسلام ) والتي عاكستها تماما معالجة المخرج السوفياتي بندر شوك. ذاك التيار من الأفلام عمل علي قاعدة خاطئة وهي الإبقاء علي البناء والمبني الروائي الأصل والعمل علي إيجاد المعادلات البصرية لكل جملة او فقرة منه.

الإقتباس يعني النقل الحرفي والترحيل الفيزيائي لجزء من كل يشكل المرجعية والأصل مع الإحتفاظ بالملكية والبصمة الخاصة، بينما الذي يجري في ( الإقتباسات ) السينمائية هي معالجات تكاد تستقل في الكثير من التجارب عن روح وشكل الرواية المرجع  الإفتراضي، أي ما يعني أن الفيلم في معالجاته للرواية يجنح ويذهب صوب إحداث إستقلاليته الفنية، أو إقامة مبناه الفني المغاير لمبني الرواية. فعناصر مبني الرواية وموادها هنا يتم الإستغناء عنها تماما وتعويضها بعناصر جديدة مادية أخري، أي وفي كلمة واحدة إخضاع المادة الروائية لقوانين الإحياء والحياة الفيلمية في كافة تفاصيل البناء وكذلك الوصف. ولا غرابة أن نجد مخرجا فذا كأندريه تاركوفسكي لا يري علاقة للسيناريو بالأدب. ولا غرابة أن يرفض عدد من الروائيين العظام الإعتراف بأفلام عالجت رواياتهم كنجيب محفوظ وماركيز ومارجريت دورا والن روب جريبة الذين لم يبقوا ككتاب روائيين بل تحركوا إلي موقع كتابة النصوص السينمائية أي السيناريو بحثا عن عالم أشد تدفقا بالحياة وإمتثالا إلي قوانين فنية مختلفة من الكتابة الغائية للفيلم وليس للأدب عندما يتعرض المؤلف السينمائي للدخول في مغامرة إبداعية  تتطلب مغايرة نظام المعالجات في مستويات كالسرد وتسلسل الأحداث والشخصيات والزمن والإيقاع. ولقد شهدت تجارب الإنتاج الفيلمي للعديد من المخرجين الحضور القوي لخبرات إبداعية سابقة في أعمالهم السينمائية كالرسم والشعر والمعمار والتمثيل والمسرح والرواية كما في تجارب ماثلة. وأخيرا دعونا نتامل في المقولة الثاقبة العميقة للمخرج الفرنسي جان لوك غودار والتي تصلح كوصف جازم علي وضع حل للعلاقة بين الفيلم والرواية حين يقول: (الفيلم ينمو في لغة مرئية ويجب أن نتعلم قراءة الصور.). نعم يجب أن نتعلم قراءة الصور في مظانها ومرجعياتها البصرية لا تأويلها وخيانتها بالأدب ونظم التفكير الأدبي العتيقة المؤلمة النتائج في معظم الإنتاج العقلي الشرقي ومنه السوداني علي وجه الخصوص. ودمتم.

 

المراجع:

1- سيمن شيرتوك- بدايات السينما الأفريقية -1975 ص73

2- مجلة الفن الأفريقي – باريس- 1972 –ص 64

3- مجلة السينما الأفريقية – 1975 ص 161

4-نفس المصدر ص 121

5- مجلة الفن الإفريقي – شتاء 1973–ص 52

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+