السودان..استمرار الأزمة

الاوضاع الاقتصادية بالبلاد وصلت مرحلة اللاعودة ولامست قطاعات حيوية واستراتيجية للناس الذين سخر غالبيتهم من تصريحات الحكومة الرامية لاصلاح الحال، وقلل المواطنون من تلك التصريحات ووصفوها بأنها(جعجعة بلا طحين ووعود لا تقنع أصحابها) هذه الوضعية تدفع المحلل الفاحص للمشهد السياسي  والاقتصادي ومساراته،لإجراء مقاربات حسابية دقيقة لها دلالاتها، وحتى لا يكون حديثنا انطباعيا سنتحدث بلغة الأرقام الحقيقية،ونسلط الضوء سريعا على خبر أوردته صحيفة (الجريدة) تحت عنوان(دراسة تكشف عن زيادات في أسعار السلع تجاوزت نسبة300%خلال عشرة أشهر).

 شكا مواطنون بولاية الخرطوم من زيادات في أسعار السلع الاستهلاكية وشددوا على أنها ضاعفت من معاناتهم الحياتية، في وقت كشفت دراسة حديثة عن حجم الزيادات التي وصلت لنسبة فاقت نسبة (300%) لبعض السلع خلال عشرة أشهر،ولفتت الدراسة إلى ان عبوة الزيت سعة (9) أرطال كانت في نوفمبر من العام المنصرم بسعر (95) جنيهاً ووصل سعر ذات العبوة إلى (290) جنيهاً في الشهر الحالي بواقع زيادة (305%) وارتفع سعر علبة الصلصة سعة (400) جرام في نوفمبر العام الماضي من (15) جنيهاً الى (34) جنيهاً الشهر الجاري بزيادة قدرت بنسبة  227 في المائة،وطبقاً لذات الدراسة فقد كان سعر رطل الشاي في نوفمبر الماضي(40)جنيهاً ووصل في أغسطس الجاري (120)جنيهاً بزيادة وصلت (200%) وارتفع سعر كيلو العدس من (28) جنيهاً إلى (57) جنيهاً بزيادة (204%)، وكان سعر كيلو الأرز في نوفمبر الماضي (20) جنيهاً وبلغ في أغسطس 2018م (48) جنيهاً بزيادة (240%) عن العام الماضي، وبلغ سعر لبن البدرة (2500) جرام في نوفمبر من العام الماضي (190) جنيهاً وارتفع في أغسطس الجاري إلى (500) جنيها بواقع زيادة وصلت إلى (263%)وزاد سعر كيلو اللحمة العجالي من (55) جنيهاً في نوفمبر الماضي إلى (160) جنيهاً في أغسطس الجاري بزيادة (291%)بينما وصل سعر الكيلو من الضأن (250) جنيهاً في أغسطس بدلاً عن (120) جنيهاً في نوفمبر الماضي لتصل نسبة الزيادة  208% في ، وأشارت الدراسة الى أن تكلفة (10) أكياس من المكرونة كانت (65) جنيهاً ووصل سعرها حالياً (135) جنيهاً بنسبة زيادة (208%)، ووصل سعر كرتونة صابون الغسيل سعة (27) قطعة (215) جنيهاً، بنسبة زيادة بلغت 269%، وزاد سعر عبوة صابون البدرة سعة 3 كيلو جرامات من 30 جنيها ليبلغ في اغسطس الماضي (115) جنيها بنسبة زيادة 383%.

  هذه الارقام هي لغة السوق دعونا نرى خطوات الحكومة التي تبنت سياسات التحرير الاقتصادى وازالة كافة المعوقات امام حرية اليات السوق، مما أدى الى  تصاعد معدلات استيراد المواد الغذائية باضطراد وتحول السودان من دولة تنتج نسبة عالية من الغذاء إلى دولة مستهلكة تستورد أغلبه , فقد ارتفع استيراد المواد الغذائية إلى 800 مليون دولار في عام 2008م مقابل 72 مليون دولار في عام 1990م وعند أستيلاء سلطة الانقاذ على الحكم ليرتفع الاستيراد إلى ما يقارب 3 مليارات دولار في عام 2015م ، وتشكل مادة القمح وحدها أكثر من مليار دولار ويعاني السودان حالياً نقصاً في الدقيق وندرة في الخبز لشح العملة الصعبة للاستيراد. حسنا دعونا نتابع ما أوردته دراسة مقدمة من جامعة الجزيرة قبل نحو عامين حول مشكلات القطاع الصناعي بالسودان تبين أن أعلى إنتاج للقطن بلغ فى السودان تم خلال العقود الأربع الأخيرة وكان في موسم1970/1971م حيث شكل  حوالي 1.3 مليون بالة ووصل أدنى معدل له في الموسم 2009/2010م حيث حقق 54.6 ألف بالة ... كما كشفت الدراسة عن توقف 13 مصنع للغزل والنسيج بالسودان من جملة 16 مصنعاً كان عاملاً , وتراجع إنتاج السودان من القماش من 168 مليون ياردة في نهايات القرن الماضي إلى أقل من 8 مليون ياردة منذ بداية القرن الحالي، في وقت ارتفع فيه استهلاك البلاد من منتجات النسيج من 50 مليون ياردة إلى 400 مليون ياردة وأشارت الدراسة إلى أن السبب الاساسى هو عدم توجيه النظام لعائدات النفط المكتشف في الجنوب للنهوض بالمحاور الانتاجية وتبديدها في مجالات غير إنتاجية مثل الحرب وحماية النظام والصرف البذخي والفساد ( أكثر من 60 مليار دولار).وفي مجال النقل انخفض نصيب السكة حديد من المنقولات من نسبة 80% إلى 6% فقط حالياً , وانخفض عدد عاملي السكة حديد من 39 ألف قبل انقلاب الانقاذ إلى 4500 الف حالياً،ويقول مراقبون إن كل المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لم تعد تسمح للنظام كما كان له الحال في الماضي، بربح مزيد من الوقت او طرح وعود جديدة لحل الازمة السياسية والاقتصادية.

 ورجح المراقبون بأن يقول الشعب كلمته ويدشن لحظة تاريخية تكون فيها المصلحة الأولى للوطن، وطن للجميع، وطن يحقق التنمية والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعي، واشار المراقبون الي ان الجماهير كسرت حاجز الخوف وانها استفادة من الدروس السابقة، وأنها ستصل الي غاياتها لاسيما في ظل استمرار الازمة الاقتصادية التي استحكمت تماما، فضلًا عن تفشي عدد من الظواهر الاجتماعية كالتشرد والفقر واشتداد الضغوط على الأسر،وعدم المساواة،والتفاوت الطبقي بين الأغنياء والفقراءوتمدد البطالة،وانغلاق الأفق، واستفحال مظاهر الظلم والاستبداد، ووصول المواطن إلى حالة من الاستياء والإحباط،.كما تسود في ذات الوقت حالة من عدم الثقة في الوقت الحالي بين المواطنين، حيث يرى العديد منهم أن التصريحات الحكومية لاصلاح الحال كام ساكت لا سيما وأن العديد من التوجهات التي أُعلن عنها سابقًا فيما يخص محاربة الفساد (القطط السمان)ظلت مجرد شعارات أكثر من كونها سياسات قابلة للتنفيذ، وانها-اي-محاربة الفساد صراع تيارات داخل الحزب الحاكم وتصفية حسابات. وقالوا ان الفاسدين معروفين  وتقارير المراجع العام على قفا من يشيل، لكن المراقبون يشيروا الي ان تحرك الجماهير يحتاج الي سند،ودعم سياسي من المعارضة التي بات الطريق أمامها للتغيير معبدا ،فهل ستنجح المعارضة في استغلال تداعيات الوضع الاقتصادي، بكل تبعاته الاجتماعية والسياسية،لتحقيق التغيير المتوقع حدوثه في أي وقت،وللاجابة علي هذا السؤال لابد من اعطاء خارطة لوضعية المعارضة ورسم سيناريوهات لمستقبلها ،ونري ان وحدة المعارضة السودانية ممكنة ،ويتمثل السيناريو الأول في تزايد إصطفاف المعارضة داخل المشهد السياسي كما حدث في خلاص الوطن في يناير الماضي، ونري ان المعارضة ستكسب معها شخصيات وطنية مستقلة ،وتيارات عريضة،وحركات شبابية واسعة؛ فضلا عن المنظومات النسوية بجانب انضمام أحزاب سياسية أخرى متزمته من الأوضاع وخانقة علي الحكومة، خاصة أحزاب حوار الوثبة،ويَفترض هذا السيناريو أن تكسر هذه النخب السياسية حاجز التردد وتذهب نحو قواعد شعبية أوسع، ليس داخل العاصمة والمدن الكبرى فقط، بل في الهامش والارياف بجانب الكيانات الفئوية مثلا تجمع المهنيين والاطباء وتحالف المزارعين والسدود والطلاب (هذا سيناريو متفائل وواقعي) لن يصعب تحقيقه فإدخال المجتمع من خلال فئات شعبية أوسع في اللعبة السياسية وعلى رأسهم الشباب، من شأنه تغيير موازين القوى فهو سيناريو يزاوج بين الضغط الشعبي المنظَّم والدور السياسي للأحزاب والنخب السياسية الفاعلة للوصول إلى تغيير عميق للنظام السياسي.

السيناريو الثاني هو تقدم الشارع، وعدم انتظار الجماهير كما حدث في سبتمبر، هذه الفرضية واقعية وممكنة حال فشل وحدة المعارضة في هذا الظرف السياسي والاقتصادي المأزوم الذي تمر به البلاد ، إستمرار الأزمة الحالية سيؤدي الي تطور المظاهرات إلى فعل شعبي أكثر حدة يكون بمنزلة إنتفاضة عامة تقود إلي إسقاط النظام.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+