تطبيقات النقل وسائقو التاكسي.. (منافسة آم فجوة رقمية)

حاتم الياس

لا أحد يرغب في إنكار تطور الزمن ولا الوقوف في وجه هذه الحقيقة، بل أنه من المستحيل أن تكون هنالك لذلك، ولو على نحو هزلي ، لا في التقانة ولا في الفكر ولا حتى في الثقافة ، على الرغم من أن أشكال التطور ووتيرته تختلف من حقل إلى آخر ففي حقل التطور المادي والعلمي، يبدو أثرها ظاهرا، لكن في حقول المجتمع والسياسة والأيدلوجيا مازال صراع القديم والجديد الاصالة والمعاصرة حالة جدلية وصراعية مستمرة بين من يرغب في إغلاق باب التاريخ ويحبسنا في ماضويته، وبين من يقول بأن نقفز في الحداثة بشكل أعمى دون أن نلتفت إلى الوراء، لكنه في الغالب يعني (حداثة رأس المال) لاحداثة تهدف إلى تفكيك بنية الاستغلال عن فكر وجهد الإنسان، الليبرالي عاشق التقدم والعصر!

يقصد  الحداثة ببعدها المركزي الاوروبي الذي يخفي التناقضات المريعة داخله ويقدم نموذجه على طبق التسليع والتشيئِّ ، مقسما  العالم بين منتجين ومستهلكين مُعليِّا  من شأن القيم الليبرالية إلى حد إضفاء القداسة عليها ومطلق بشكل أحادي لايقبل التفكير في نقيض اشتراكي إنساني؛ وذلك  للتضليل على طبيعة النظام الرأسمالي نفسه وطبيعته المناقضة للحداثة نفسها إن كانت الحداثة تعني تحرر الإنسان .

ففي دول جنوب العالم(الدول الفقيرة) حيث تم تكريسنا منذ عشية التدخل الاستعماري  كـ"مستهلكين"  لامنتجين،  عبر حقبة طويلة  من التاريخ  ، ثم في الحقبة التى نعيشها الآن ظهرت ما أطلق عليه بثورة المعلومات في التعريف العلمي، لعكس الطفرة الكبرى في الاتصال وانتشار وسائل الملتميديا،  فكان لابد لعلاقة العرض والطلب أن تتهندم هي أيضا وتدخل علاقاتها السلعية عبر نافذة التطبيقات، وانتشرت هنا في السودان في عدة قطاعات ومن ثم دخلت تطبيقات النقل، وقام العديد من أصحاب السيارات من فئات التى تصنف كبرجوازية صغيرة من مهندسين وأطباء وصحفيين وموظفين وتجار بإدخال سياراتهم ضمن شبكة هذه التطبيقات يعرضون خدمات التوصيل كنوع من الدخل الإضافي مع حالة التدهور الاقتصادي في البلاد ، لكن  السؤال هنا: ما مصير أصحاب المهنة الحقيقة من سائقي تاكسي الخرطوم القدامى ذلك الملمح المديني العاصمي ذو اللون الأصفر الفريد والذي شبهه الرباطابي الفصيح في الطرفة  للتو في ستينات الخرطوم وهو يهبط إليها  من محطة السكة حديد بأن تكاسي الخرطوم الصفراء وهي تتهادى في الطريق"(زي بلحات المشرق الجاريه في سطح جدول الماء) هؤلاء هم من سيتضرر من هذه التطبيقات، لسبب بسيط وهو أن تطبيقات الترحيل لم تحقق ميزتها في الطلب الواسع إلا بالاستناد إلى خلل اجتماعي واقتصادي  اسمه(الفجوة التقنية) حيث تنعدم مساواة القدرة على امتلاك والتعاطى مع التقانة لأسبابٍ كثيرةٍ هنا عند أصحاب التاكسي تتعلق بالعمر والتكيف الطويل مع طريقة عمل تقليدية في طلب عربة الأجرة ، لذا اندفعت البرجوازية الصغيرة من الفئات السابقة لتكون جاهزة عند ضفة الطلب، معتمدة على تكوين تعليمي سابق وتعامل عارف بأسباب التقانة(للتكويش) على حقوق سائقي عربات التاكسي، بذريعة الدخل الإضافي وهو بلاشك أمر قد يضر  بآخرين هذه هي مهنتهم الأصلية، وقضوا سنوات عديدة خلف (دركسون) التاكسي ينقلون الركاب من مكان لمكان، ويحافظون على الأمانات دون حوجة للرجوع إلى رقم تلفونه أو إلى الجهة التى وظفته ولا إلى استبيان  حول تقدير قيمة الخدمة.

 نحن مع العصر وتطوره ولايمكن أبدا على أي حال الوقوف ضد منجزاته، فهذا ضرب من الجهل، لكن هذا التطور هو في حقيقته تطور في أليات العرض والطلب، تطور في مسار السلعة في جهة التقانة،  وهذا يعني أننا ننظر لأن يكون التنافس فيه الحد المعقول من المساواة ولايغيب لعدم توفر الاستيعاب التقني والموبايل الحديث. بجانب أن زيادة الدخل وهو أمر جيد في ظل الظروف الراهنة لا يعني التغول على اصحاب المهنة الحقيقيين دون حمايتهم  من الجوانب السلبية للتطور ومن (هواة) الدخل الإضافي،  لذلك لابد من أن تنهض مؤسسات خاصة ومتطوعين من تشكيليين ومبدعين وأصحاب الورش وشركات السيارات  لتقديم الدعم لسائقي تاكسي الخرطوم  وتمويلهم لتحسين شروط الخدمة داخل سياراتهم وتزيينها  والحفاظ على التاكسي الأصفر كمظهر سياحي وتاريخي للخرطوم  وهذا ماتقوم به كل دول العالم وعواصمها المحترمة، للحفاظ على ذاكرتها ومظهرها ولا تقول بالتطور الأعمى الذي يرفع قيمة السلعة فوق الإنسان.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+