المشهد السياسي

قرشي عوض

  • سخانة في الجيب

احتفت الانقاذ وصحافتها بالمنحة الصينية،  وكأنهم يردون على شامتٍ، مع أن الحكاية وما فيها (عطاء) لا يسد الرمق، ناهيك من حل الأزمات. 88 مليون دولار، تحدث الرئيس الصيني وهو يقدمها عن وقوف الصين مع السودان في أزماته الاقتصادية ومساعدته على تجاوز الصعوبات التي يواجهها.

(حليل زمن الودائع المليارية) من الخليج والسعودية. فإن كانت حكومتنا تحتفي مثل هذا الإحتفاء بمبلغ لم يصل إلى100 مليون دولار فأنها بذلك تكشف عن حالة بؤس اقتصادي.

  • الإختشوا ماتوا

 لن يستطيع أحد أن ينكر الفساد وفشل الدولة في محاكمته كما إدعت، وإلا اتهم في قواه العقلية، وقد تحولت مفردات مثل(القطط السمان) التي أرادتها الدولة "شماعة" تعلق عليها فشلها إلى  نكتة في الشارع.

ومع ذلك لابد من تسويد صفحات الصحف صباح كل يوم بما يرضي السلطان ويغضب الله والشعب.  في وقت أصبحت الأسطوانة القديمة عن استهداف العقيدة والحرب ضد الإسلام مشروخة، ولا يرددها غير كاتب واحد لا يحفل  بأن لا يحترمه القارئ، ولم يتخلص بعد من ترديد الأكاذيب التي كانت تقال في الزمان الذي لم تختبر فيه الانقاذ ولم تعد صالحة اليوم، بعد أن انقطع لسان الإسلام السياسي في السودان وتحول كل إدعاء إلى نقيضه، والأمثلة "على قفا من يشيل".

والمعالجات الجديدة للأزمة الشاملة التي يمر بها النظام تتراوح ما بين تحميل المعارضة بعض جرائم الانقاذ مثل فصل الجنوب التي ينشط فيها الكرنكي، وكأنه يقدم تنوير لطلاب الحزب الحاكم في قاعة مغلقة ومظلمة، وبين التهديد بمستقبل دول الربيع العربي التي يقدمها اسحاق فضل الله مقلية بزيت الدين، لكن فات على الأول أن تاريخ المعارضة في مناهضة الانقاذ  موثق من خلال سجلات متداولة وليس شفاهياً، ويقول بصريح العبارة: إن أول جهة سياسية اعترفت بحق تقرير المصير عام 1992 هي حكومة السودان في مفاوضات أبوجا1 وذلك قبل مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية وقبل مؤتمر مصوع والقاهرة، لكن الرجل لا يحترم عقل القارئ ولا يجادل بالمنطق، ومطالبة أمثاله بهذا الضرب من الحوار مثل أن نتوقع من الحمار أن يضحك أو يبتسم على أقل تقدير، وبعيد عن الوثائق التاريخية ، فهل تتحمل المعارضة وزر صياغة الحياة العامة في السودان بطريقة تجعل ثلث شعبه يختار الانفصال، ولم تترك أمام الآخرين من سبيل غير الحرب والهجرة؟.

أما السيد اسحاق نقول له" ارفق بنفسك، وأنظر جيِّداً في عاقبة مشروع فكري و أن تهديدك بمصير الشعوب التي سبقتنا في الانتفاض على حكامها يعكس بجلاءٍ أن دولتكم لم تعد لها مشروعية سياسية وأخلاقية غير مساومة الناس على حياتهم، لكن أبشروا، سوف نقدمها مثل قطعة الشوكلاتة التي يقدمها المترفون لأطفالهم، وأن نظامكم سوف يسقط طال الزمن أم قصر، وحينها حتى الذين أعلنوا توبتهم وقفزوا من المركب في منتصف النهر، لن يفسح لهم في المجالس أو حتى  تقبل شهادتهم. أم الذين مضوا مع الانقاذ حتى نهاية الشوط سوف يخجل من ينتسبون لهم من هذه الصلة، وربما ذهب بعضهم إلى المحاكم لتغيير اسمائهم، وسوف يصدق فيهم قول صناجة الشعب محجوب شريف،وهو يخاطب السفاح نميري( حا تخجل من عناوينك).

قبل عام تقريباً لعب فريق نسائي ألماني في كرة المضرب أمام مضيفه الامريكي، وقام إتحاد كرة المضرب الامريكي بعزف النشيد النازي، حينها انسحبت لاعبات الفريق الألماني من الملعب واعتبرن الخطوة إهانة مقصودة الهدف منها تذكيرهن بماضي النازية، وطالبن باعتذار رسمي. وبالفعل اعتذر الإتحاد على صفحته بتطبيق تويتر. فأنظروا أيها النازيون الجدد أي مصير حاق بهتلر ورجاله بعد اقتلعهم شعب ألمانيا بمساندة الشعوب الحرة، أصبح مجرد ذكرهم يثير الخجل عند شعبهم ، وهذا ما ينتظركم. أما نحن يكفينا أن يكون الآتي بما يحمل من خيرٍ وجمالٍ وحريةٍ لشعب السودان بعضاً من صنع أيدينا، حتى وأن لم نراه.

  • إصابة في مقتل

محاكمة الانقاذ الحقيقية ليست في الحقول التي لم تتدعي أن لها فيها ميِّزة مقارنة على الآخرين.  لأنها حينما جاءت إلى الحكم لم تكن تهتم بمعاش الناس ، وقد أعلن الاكاديميون منهم أمثال حسن مكي وتيجاني عبد القادر بأن دولتهم مشروع ديني يهتم بعمارة السماء  لا الأرض، رغم أنهم يملأون الارض ضجيجاً الآن حول فشل الانقاذ، كعادة أهل الإسلام السياسي الذين لا يحترمون الشعب و يعتقدون أنه بلا ذاكرة. وإلا كيف ينسى حسن مكي في سنين الانقاذ الأولى بأن واجب السلطة لا يتمثل في معالجة معاش الناس، أوهل ينسى تجاني عبد القادر رؤيته التأصيلية لقضية الفقر، ومطالبته بإلغاء مصرف الفقراء والمساكين من مصارف الزكاة وضمه إلى الجهاد أو المجهود الحربي. لكن إصابة الإسلام السياسي في مقتل تأتي من خلال الفشل في المجال الذي دخلوا معترك السياسي من أجله، وهو الأخلاق. فالآن أكثر المؤسسات فساداً هي التي ترتبط بالدعوة بحسب تقرير المراجع العام، الى جانب ما ينفث من خبث الخلاوي وهيئة الحج والعمرة.

  • شعبنا مدرستنا

تجربتنا السياسية في السودان تختلف عن كل الشعوب، وهذا أمر طبيعي مع احترامنا لتجارب الشعوب الأخرى، ونعتقد لديها الكثير الذي نحتاج أن نتعلمه، لكن هذا يختلف عن أن نلقي تجربتنا ونستعير منها ما ثبت أننا نجحنا فيه استناداً إلى إرثنا النضالي والجماهيري. ومن أهم معالم الخلاف بيننا وبين جيراننا العرب والأفارقة، أننا الدولة الوحيدة التي نالت استقلالها عبر التدرج الدستوري الذي نضج تحت ضغط الحركة الجماهيرية. فكان إعلان الاستقلال من داخل البرلمان. وهذا وضع جعل الأحزاب السياسية مؤسسة للدولة السودانية. ولم تفلح أجهزة القمع المختلفة عبر التجارب الشمولية الثلاث في جعلها ديكوراً للسلطة مثل أحزاب بعض الدولة التي اعتادت الاستخبارات إعادة إنتاجها كأداة من أدوات السلطة مع الاحتفاظ باللافتة والإرث التاريخي لها. فالسلطة في السودان لم تستطع تصفية الأحزاب، خاصة التي ناضلت من أجل استقلال السودان وكان لها وجود في أول جمعية تأسيسية، فراحت تصنع لها أحزابا على شاكلتها لم تلبس أن تبخرت معها.

ومن ضمن الإرث الجماهيري الذي زخرت به تجربتنا، التنظيم النقابي والفئوي وما صاحبه من ترسيخ للديمقراطية النقابية السودانية، فقد ظل الحزب الشيوعي السوداني يفرق بين العمل النقابي و السياسي، وأخذ يخوض انتخابات النقابات في ظل القوانين النقابية المتعاقبة، رغم عيوبها الكثيرة واحتمالات التزوير. كما ساهمت المعارضة، مع الجماهير في ظروف صعبة في  تنمية وتطوير أشكال مختلفة  من ابتداعها. فكانت جبهة الهيئات في اكتوبر، والتجمع النقابي والسياسي في ابريل، والآن لجان المقاومة ، التي سوف تقوي ويشتد ساعدها. وهى تجارب أثبتت نجاحها ، ولن نتركها في هذا المنعطف لنستعين بتجارب شعوب نالت استقلالها بتحركات عسكرية، وتوقفت حركتها الجماهيرية عن النمو منذ عام 1919 ، ما قامت به خاصة في الربيع العربي كان عبارة عن محاولات جديدة بعد انقطاع طويل، وأن اعتمادها على وسائط التواصل الاجتماعي، رغم أنه يثبت الدور الاجتماعي والسياسي الذي تلعبه في هذا الظرف إلا أن الاعتماد عليها يعكس غياب الحركة الجماهيري المنظمة منذ زمن طويل ، بل أن أجيال كثيرة لم تسمع بماضي النضال الجماهيري لتلك الشعوب ، والذي جيره الجنرالات في تثبيت دعائم حكمهم. ولذلك لن نترك تجربتنا التي اعطيناها عمرنا وقدمنا تحت راياتها الشهداء والمعتقلين والمفصولين من العمل والأسر التي تشردت.   

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+