مباحثات سلام الجنوب اقتسام للسلطة بين متصارعين

وتهميش لقضايا الشعب يعيد انتاج الازمة ويعمقها (1-2)

سليمان حامد الحاج

ما حدث من مباحثات حول سلام الجنوب- انهى الحرب بين الطرفين المتصارعين على السلطة ومغانمها- يعتبر خطوة ايجابية حقنت دماء الآلاف من ابناء شعب الجنوب، واوقفت الدمار البالغ في البنية التحتية الضعيفة اصلا والمتآكلة على ضعفها. إلا أن وقف الحرب وحده- حتى لو صار مستداماً- لن يجلب الاستقرار ولن يحل ما حاق بشعب الجنوب من فقر مطلق وتشرد وبطالة وانهيار اقتصادي.

فمباحثات السلام التي جرت في الخرطوم باشراف حكومة السودان ومنظمة الايقاد وحضرتها وفود عالية المستوى من معظم البلدان الافريقية والمنظمات الدولية وغيرها، لا تختلف كثيرا عن اتفاقية اديس ابابا المبرمة في 1972 في ظل السفاح نميري وما افضت اليه من نتائج، بل تحمل المباحثات العديد من اوجه الشبه لتلك الاتفاقية.

فمباحثات سلام الجنوب توصلت الى وقف لإطلاق النار بين الطرفين المتصارعين – المعارضة الجنوبية وحكومة الجنوب، واعادت تقسيم السلطة بينهما ليكون البرلمان 550 نائبا نصيب المعارضة بقيادة رياك مشار يبلغ 45% ونصيب جماعة سلفاكير 55% وزيادة عدد الوزارات بخمسة تقسم بذات النسبة . اما تقسيم الولايات البالغ عددها 32 ولاية، نصيب جماعة رياك مشار 14 ولاية و 18 من نصيب مجموعة سلفاكير.

هذه هي اهم معالم الاتفاق التي توصلت اليها المباحثات.

هذا الاتفاق لم يشارك فيه شعب الجنوب، بل ولم يستشار في القضايا التي تقرر مصريه ومستقبله القريب. رغم أنه هو الوقود للحرب التي اندلعت منذ العام 1955م، وحتى تلك التي دارت بين حكومة سلفاكير ورياك مشار قائد القوى المعارضة والتي انشقت وخرجت من رحم الحركة الشعبية بقيادة د.جون قرنق. وهناك قوى سياسية واسعة من الأحزاب الجنوبية ذات الرؤية الوطنية المخلصة والبعيدة عن المصلحة الذاتية والمنحازة تاريخيا لقضايا الشعب في الجنوب. هذه القوى لم تشرك في هذه المباحثات وما يجب ان تفضي اليها.

فما اشبه هذه المباحثات في العديد من قسماتها وما افضت اليه من نتائج، بما تم في اتفاقية اديس ابابا في العام 1972 في ظل نظام السفاح نميري وتحت اشرافه المباشر.

فرغم ان نظام نميري الديكتاتوري تبنى طرح الحزب الشيوعي حول مشكلة الجنوب(الحكم الذاتي الاقليمي) والذي كان الشرط الاساسي لنجاحه وفق ما صاغه القائد الشيوعي جوزيف قرنق، هو استنهاض حركة جماهيرية ديمقراطية في الجنوب بمساعدة القوى الديمقراطية في الشمال باعتبار ذلك هو الضمان الوحيد ليصبح الحكم الذاتي الاقليمي حكماً ديمقراطياً يمثل رغبة جماهير شعب الجنوب لحكم أنفسهم وتحقيق مصالحهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والنهوض الثقافي.

كذلك جاء في التقرير السياسي للحزب الشيوعي المقر في مؤتمره السادس ان تجربة اتفاقية اديس ابابا 1972 أكدت خطل حل المسألة القومية في السودان في ظل نظام ديكتاتوري شمولي، وأن تبنى برنامج تقدمي ديمقراطي من قبل الانظمة الديكتاتورية سيفرغه من محتواه ويصبح اداة في يد الديكتاتورية لقهر الجماهير.

مصداقاً لذلك، نقلت اتفاقية اديس ابابا عند التطبيق والتنفيذ في اطار النظام المايوي الحكم في الجنوب لعناصر غير منسجمة من العسكريين والمتعلمين الجنوبيين الذين لم يستنهضوا حركة جماهيرية ولم يلجأوا لتنظيم الجماهير او اشراكها في حل مشاكلها. ولهذا تنبأ الحزب الشيوعي بفشل التجربة الذي حدث بعد شهرين فقط من توقيع تلك الاتفاقية. وذكر ان هذه الاتفاقية لن تؤدي الى الاستقرار بل تحمل في طياتها أزمات ومشاكل ساخنة سرعان ما تنفجر في الصراع على السلطة وفي مواجهة المواطنين. وصدق ما قاله الحزب الشيوعي.

لا نرجم بالغيب، بل نقرأ الواقع المعاش برؤية علمية بعيدة عن الغرض او الكسب الحزبي والمصالح الذاتية، لنقول ان ذات الدافع المأساوي بعد مباحثات سلام الجنوب سيتكرر اذا تم الاصرار على ذات السياسات التي قصرت المباحثات على الفريقين المتصارعين لتقسيم السلطة بينهما من وراء ظهر الشعب والعديد من قياداته واحزابه الوطنية الديمقراطية ومن بينها الحزب الشيوعي في دولة جنوب السودان. واذا قصرت على ما تمخضت عنه المباحثات واهملت المطالب الحيوية والاساسية لشعب الجنوب في التنمية والتطور والاصلاح السياسي والاجتماعي والديمقراطية وترسيخ ودولة المواطنة ورفع المعاناة التي وصلت حد الكارثة المأساوية للمواطنين.

الصراع في الجنوب تواصل منذ الانفصال وصيرورة الجنوب دولة مستقلة، دار حول الاستيلاء على السلطة ليحل كل طرف في الصراع مكان الصدارة ونهب موارد وخيرات الجنوب. صراع لم يدر حول الديمقراطية والتنمية وتطوير المجتمع الجنوبي لاخراجه من براثن الولاء القبيلة للولاء للوطن. وهذا لن يتم الا عبر برنامج للتنمية الزراعية والصناعية في ظل دستور ديمقراطي يشرك الشعب في وضع السياسات ويضعه في مكان قرار تنفيذها باعتبار ان الديمقراطية والتنمية هما عصب الاستقرار والتطور ورفع المعاناة عن شعب الجنوب.

كان الحزب الشيوعي صادقا ايضا عندما أكد بعد التوقيع على اتفاقية السلام الشامل، ان المجتمع الجنوبي بدأ يتشكل وبرزت ملامح الانقسام والتمايز الطبقى بصورة اكثر وضوحا عندما تشكلت النواة الصلبة للبيروقراطية الرأسمالية الطفيلية النامية من المتعلمين الجنوبيين"ساسة وعسكريين وموظفين كبار في اجهزة السلطة والخدمة المدنية" نواة الرأسمالية الطفيلية في الجنوب. واصبح جهاز الدولة الاقليمي وادارته مصدرا اساسيا لتراكم رأس المال في يدها بالمرتبات العالية والرشوة والامتيازات واقتسام العمولات والارباح مع رجال الاعمال والتعامل مع الشركات الاجنبية العاملة في الجنوب والاستحواذ على الرخص والمشاريع افرادا وجماعات تتراكم في ايديها الملايين والمليارات من الجنيهات. وتتنافس في تشييد الفنادق وتأسيس الشركات ووكالات السياحة وامتلاك الاراضي والعقارات وتهريب الدولار عبر الحدود. وهي تستهدف جهاز الدولة كاحد مراتع ومراعي الاعتداء على المال العام والفساد. تماما كما يحدث في دولة شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة في دولة شمال السودان، وقع الحافر على الحافر.

في الجانب الآخر من المتاريس يصطف الملايين من الفقراء الكادحين الجنوبيين يعانون من الفقر والجوع والمرض والبطالة والتشرد. فالفقر المطلق كان ولا يزال يشكل الهاجس الرئيسي لمواطني الجنوب. فحكومة الجنوب بدلا من مواجهة القضايا والمشاكل التي يعانون منها مثل الغلاء والارتفاع الجنوني في قيمة الخدمات الضرورية لحياة البشر مثل الماء والكهرباء والعلاج والتعليم وغيرها مثل عدم سداد المرتبات التي تراكمت وقادت للعديد من الاعتصامات والاضرابات، وتعويض المتضررين من الآثار السالبة للتنقيب عن البترول في مناطقهم وبسبب الحروب الطويلة.. كل ذلك لم يرد في اسبقيات حكومة الجنوب حتى بالنسبة لدرء والوقاية من الامراض التي عادت وانتشرت كالوباء مثل الكوليرا والايدز والسحائي والملاريا والبلهارسيا.. بدلا من مواجهة هذه القضايا كرست الحكومة اول ميزانية للاشهر الثلاثة الاولى لها وتبلغ 87 مليار دولار لتغطية احتياجات مكتب الرئيس ومجلس الوزراء والوزارات المختلفة والمجلس التشريعي وجلبت افخر الاثاثات والعربات باهظة الثمن.. وفي سفر موظفي الحكومة داخل البلاد وخارجها وامتص ذلك نسبة كبيرة من الميزانية العامة. كذلك تم رفع ميزانية الجيش الشعبي بنسبة 40% أي حوالي 536 مليون دولار بحجة حماية اتفاقية السلام.

نواصل..

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+