الإعلام والسياسة في السودان - غياب الاستقلالية وحضور الإيدولوجيا

ندى أمين

بصفة عامة يمكن توصيف الإعلام السوداني في غالبه، ومع بعض الإستثناءات لأصوات مستقلة، بأنه إعلام يتبنى خطاب السلطة، لذلك فهو إعلام أحادي شمولي يخضع لرقابة حكومية صارمة. حيث ألقت البيئة السياسية والاقتصادية المتأزمة بظلالها على الحركة الإعلامية. لاسيما أن المشروع السياسي للحزب الحاكم حاليا لم يحمل في ثناياه هموما تنموية واجتماعية واقتصادية صادقة وحقيقية، حيث أن الهاجس السياسي والتمكين هو المسيطر على السلطة الحاكمة لأنها مهتمة بالسبل التي تبقيها على السلطة أكثر من إهتمامها بماذا تحقق للشعب السوداني من وجودها في السلطة.

يهدف هذا المقال إلى رصد الكيفيات التي أثرت فيها السلطة الحاكمة الحالية بقيادة حزب المؤتمر الوطني (1989-2018 ) على الأداء الإعلامي مع تسليط الضوء على سيطرة الإيدولوجية الإسلامية على الخطاب الإعلامي. سوف يتناول هذا المقال السمات الأساسية للأداء الإعلامي في ظل الحكم الحالي من خلال ثلاثة محاور: غياب الاستقلالية وحضور الإيدولوجيا وشيوع التفكير الخرافي وصناعة الأوهام وأزمة الثقة بين الجمهور والسلطة.

  • غياب الاستقلالية وحضور الإيدولوجيا:

الشاهد أن النظم السلطوية تتعامل مع وسائل الإعلام بطريقة واحدة لا تختلف فيها دولة عن أخرى، لذلك بالضرورة أن إعلام كل دولة يعبر عن فكر وفلسفة النظام السياسي القائم والايدولوجية السائدة فيه. وقد لجأ الحزب الحاكم منذ مجيئه إلى السلطة وكبقية جميع حركات الإسلام السياسي في بلدان أخرى إلى مفردات الإسلام كدين للتعبيرعن مشروع سياسي، وقد أشار الدكتور عبد الله تركماني في مقاله "إشكالية الدولة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر" إلى "أن النقطة المحورية في الإسلام السياسي هي سعيه للوصول إلى السلطة، باعتبار أن ذلك هو الشرط الضروري لإقامة مشروعه. حيث يكون الهدف هو تحويل إطار المرجعية في الحياة العامة إلى مرجعية يكون فيها الإسلام، بتفسيراته المختلفة، قوة رئيسية في تشكيل هذه الحياة".

وهذا ما حدث فعليا في السودان حيث أنه منذ مجيء الحزب الحاكم إلى السلطة عمل على فرض ايدولوجيته وأطروحاته وشعاراته وتعميمها على المشهد الإعلامي بصورة استبدادية منظمة ،مما أدى إلى الإعلاء من شأن الولاء الحزبي الضيق على حساب الولاء الوطني الواسع. وبذلك أثر النظام السياسي للدولة على الخطاب الإعلامي ولم يتأثر به ولم يستجب للدعوات الإعلامية المتكررة لإتاحة مساحة معقولة من الحرية حتى تتمكن من القيام بدورها كسلطة رابعة فعلا وليس قولا. فالخطاب الإعلامي للحزب الحاكم يعتمد مثل غيره من حركات الإسلام السياسي على التوظيف السياسي للدين والتعبئة السياسية للرأي العام تحت غطاء ديني وذلك بتبني شعارات عامة قريبة من وجدان وثقافة أي مسلم مثل بناء الدولة الإسلامية ومجتمع الفضيلة والحكم بالشريعة الإسلامية ومقولة أنهم يعتبرون "الحكم تكليف وأمانة وليس تشريف". وتعد فترة التسعينات من أكثر الفترات التي شهدت اكتنازا بالأدبيات التي تلخص فكر الحركة الإسلامية أبان عهدها الأول حيث كان التركيز على أطروحات تشي بالزهد والابتعاد عن متع الحياة مثل "لا للسلطة ولا للجاه هي لله هي لله" أوالتحريض على العنف والكراهية لكل من يخالفهم الرأي في شعارات مثل "فليعد للدين مجده أو ترق منهم دماء أو ترق منا الدماء أو ترق كل الدماء".

أيضا تبدو أزمة الإدراك جلية في مضمون معظم خطابات القادة السياسيين بمعنى أن هؤلاء القادة لا يتعاملون مع الوقائع والأزمات السائدة في الساحة السودانية بوعي وفهم ومنطق، أو ربما كان هنالك تعمدا لعدم الفهم بغية الهروب من الواقع البائس الذي يعيشه الشعب. لذلك عادة ما يتسم الخطاب السياسي لهم بالفردية والمزاجية و"الإرتجالية"، أو على أحسن الفروض يعبرعن الفئوية أوعن النخبة الحاكمة بمعزل عن هموم القطاعات العريضة للشعب.

بالإضافة إلى مضمون الايدولوجيا الذي ذكر أعلاه يلاحظ في الخطاب السياسي الحالي الاستهانة الكبيرة باللغة اللفظية في مختلف الوسائل الإعلامية على الأخص الصحف. فبدلا من أن تمثل هذه الوسائل أداة فعالة لتطوير اللغة وترقيتها صارت أغلب العناوين الرئيسية للصحف تتصف بقدركبير من الضعف والركاكة اللغوية المستقاة من الخطاب السياسي نفسه؛ وهنالك الكثير من المقولات لقادة ومسؤولين سياسيين صارت إما مجالا للتندر أو التذمر من الجمهور، وهنا لابد من الإشارة بأصابع اللوم إلى القائمين على أمر الصحف نفسهم لنشرهم هذه اللغة على الصفحات الأولى فيما يشبه الإحتفاء بها وبالتالي صار المسؤولون يتبارون في الحديث بهذه المفردات والتي من الواضح أنهم لا يأبهون كثيرا بركاكتها قدر حرصهم بأن تحتل أسماءهم وتصريحاتهم العناوين الرئيسية للصحف وتستحوذ على إهتمام الرأي العام ومواقع التواصل الإجتماعي ولو كان تداولها يتم في حيز سلبي أو فكاهي أو نقدي.

  • شيوع التفكير الخرافي وصناعة الأوهام:

التفكير الخرافي هو إحدى الملامح الرئيسية للإعلام في البيئات المتأزمة. لذلك يمكن القول أن الخطاب السياسي للطبقة الحاكمة إنطوى على رؤى ومفاهيم انطلقت من ذهنية خرافية. وبذلك إحتل نمط التفكير الخرافي مساحات مقدرة من الفضاء الإعلامي مساهما بطريقة مباشرة في صناعة الأوهام التي هدفت إلى تخدير الشعب السوداني بالوعود الزائفة في غد أفضل.

فعند مجيئ النظام إلى السلطة غازل أشواق السودانيين إلى دولة مدنية وحضارية يتحقق فيها الرخاء ومبادئ العدالة الاجتماعية، والاعتماد على الموارد الذاتية للسودان وتنميتها بدعوى أن الإنقاذ جاءت لإنقاذ البلاد والعباد من حالة الفوضى والخراب التي خلفتها فترة الحكم الديمقراطي. وبالتالي سادت شعارات وأغنيات تعبر عن هذا الفكر على المشهد الإعلامي والثقافي مثل "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع" و"حنعمر إحنا بلادنا وحنفوق العالم أجمع"ّ و "لن نذل ولن نهان ولن نطيع الأمريكان" و"أمريكا روسيا قد دنا عذابها". وبالرغم من أن هذه الشعارات تحمل في طياتها مضامين وطنية سامية من زيادة الإنتاجية وإلاعتماد الذاتي واستقلالية القرار السياسي، إلا أن التجربة الماثلة أمامنا الأن وبعد ما يقرب من الثلاثين عاما من النظام الحاكم تثبت لنا أنها كانت مجرد شعارات هلامية لكسب الرأي العام ولم تقم على نظرة واقعية وخطط استراتيجية ولم تترجم على أرض الواقع إلى سياسات إقتصادية وتنموية تصب في هذا الإتجاه وتدعمه. هذا بالإضافة إلى البرامج الموجهة إلى الشباب لتجنيدهم في الحروب باستخدام المشاهد المرئية والسمعية مثل برنامج "في ساحات الفداء" والذي إنطوى على أطروحات جهادية لتحريض الشباب على خوض الحرب في جنوب السودان في سياق التسويق للخلاف مع الحركة الشعبية وصبغه بصبغة دينية مع الوعود بالشهادة والجنة والحور العين. وكمثال آخر على صناعة الأوهام هو إصرار الحزب الحاكم على إيهام الرأي العام وتعليقه لمشاكل السودان الإقتصادية المتفاقمة على مساكة العقوبات الإقتصادية الأمريكية على السودان دون الإعتراف بأن سياساته الإرتجالية الفاشلة هي السبب.

  • أزمة الثقة بين السلطة والجمهور:

عموما يمكن القول أن ثقة الجمهور في وسائل الإعلام تفوق عادة ثقته في الحكومات، و تزداد هذه الثقة في الأنظمة غير الديمقراطية. ويميل الجمهور عادة إلى تصديق ما ينشر من أخبار و يصعب اقناعه، بعد ذلك، بعدم صحتها حتى ولو نفتها السلطة، على الأخص فيما يتعلق بقضايا الفساد وقصور الأداء الحكومي.

وحقيقة للإعلام سطوة ومقدرة هائلة على تشكيل الرأي العام سلبا أو ايجابا فيما يختص بالشخصيات العامة. وبالرغم من الافتقار إلى آليات رادعة للمحاسبة والعقاب في حالة نشر قضايا تتعلق بالفساد إلا أنه لابد من الإقرار بأنه هنالك دائما درجة عالية من الحساسية لدى المسؤولين تجاه ما ينشر عنهم في الأجهزة الإعلامية وعن قصور أدائهم في القيام بواجباتهم تجاه مواطنيهم، فالمسؤولون يخافون على صورتهم عند الرأي العام لذلك يعمدون إلى إستغلال الإعلام كأداة للترويج لأنفسهم وتسويق إنجازاتهم، ولو كانت مضخمة أو غير حقيقية، بغرض تحقيق هدف واحد هو الحصول على قبول الجماهير ورضاها.

ومما سبق ذكره أعلاه فإن سيادة الخطاب السياسي أدت إلى فتور الرأي العام وعدم إنشغاله بما يقوله المسؤولون في الحشود الجماهيرية أو ما يناقشه البرلمان على سبيل المثال من قوانين ومشاريع مهمة. لهذا فإن الخطاب السياسي صار خطابا أجوفا خشبيا ومكرورا مستهلكا لا يجد قبولا ولا صدى من الجمهور لأنه يمارس الكثير من الدجل والتهريج وهو أصبح غير مقنع لأنه يدعي كثيرا ويعد ولا يفي.

وعلى السلطة الحاكمة أن تدرك إن بناء الدولة لا يتم إلا عن طريق فتح أبواب المواجهة مع المشاكل الحقيقية للمواطنين بعيدا عن الشعارات الجوفاء وبعيدا عن الإيهام بالتنمية والتعمير والتطوير. ولن يتأت ذلك إلا من خلال حضور إعلام حر وفعال له القدرة على القيام بوظائفه الحيوية باستقلالية. ومن المعلوم أنه من مهمات الإعلام في المجتمع السياسي المعاصر تقديم البدائل المختلفة لصناع القرار إضافة إلى القيام بدوره التنموي والرقابي في بناء الدولة وكيفية إدارتها.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+