الزواج المدني بين(مطرقة) التقاليد و(سندان) قانون الأحوال الشخصية(3/3)

قانون الزواج المدني أو القانون المدني للأسرة

عاطف عبدالله

وضع قانون مدني للزواج وللأسرة لا يعني إلغاء قانون الأحوال الشخصية بل يعد معززاً ومعدلاً ومطوراً له، استكمالاً لنواقصه وعلاجاً لسلبياته، ومواكبةً لمستجدات العصر وقيمه، وفوق ذلك لإرساء قواعد العدالة بين الزوج والزوجة، وهو الوسيلة الوحيدة لضمان ديمومة أهم أركان عقد الزواج اي القبول والايجاب منذ عقد القران حتى آخر لحظة، وتقويض هذا المبدأ يعني استمرار الحياة الزوجية نتيجة الخنوع والخوف من المستقبل والاستلام للذل والاهانة للزوجة على مبدأ (ضلّ راجل ولا ضل حيطة) دون حب ودون سكينة أو محبة أو مودة، وبدلاً من وصف الزوجين بأنهما روح واحدة في جسدين، يكونا روحين متنافرتين كروح الجلاد مع الضحية. واستسلام النساء السكينة، والاطمئنان، والمحبة، والمودة، والاستقرار، والأمان، ووصف طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة على أنهما روح واستمرار الحياة الزوجية لا يعني نجاحها فالنجاح منعقد بسعادة الطرفين وليس سعادة طرف على حساب الطرف الآخر، أو تنازل طرف دون أن يقابله تنازل من الطرف الآخر. كما قال الله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة 228، وقد جاء في تفسير ابن كثير: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف .

المواد الأساسية في قانون الزواج المدني

  • إلزام أي زوجين(ذكر وأنثى) يرغبان في الإرتباط الشرعي بتوقيع اتفاقية الزواج المدني، والذي سنأتي على ذكر تفاصيلها لاحقاً، كإجراء قانوني ملزم قبل عقد الزواج الشرعي أو الديني. ولا يسري اتفاق الزواج المدني ولا يفعل ويكون ملزماً للطرفين إلا بعد أن يعقدا قرانهما الشرعي حسب المتطلبات الشرعية للطرفين، ويعد مكمل لعقد القران حسب التشريعات القائمة ويقرأ معه في جميع الأحوال، وبعدمه لا يجوز لأي جهة رسمية عقد القران، ويعد أي عقد للقران غير قانوني بدون إتفاق الزواج المدني، ويلزم إثباته أمام الجهة المسموح لها عقد القران الشرعي (المأذون أو القاضي أو الإمام أو القسيس أو زعيم القبيلة ..إلخ ..) قبل إشهار العقد الشرعي، ولا يتم فسخ إتفاق الزواج المدني في حالة وقوع طلاق شرعي بين الزوجين إلا بعد إجراءات قضائية تحفظ حقوق الزوجة والزوج والأطفال.
  • الإعتراف بوثائق الزواج المدني التي تمت خارج القطر، والتي أُجريت حسب قوانين البلد التي تم عقد الزواج بها.
  • تختص المحاكم السودانية المدنية بالنظر في المنازعات الناشئة عن عقد الزواج الذي تم بالشكل المدني في الأراضي السودانية او خارجها.
  • اذا عقد زواج بالشكل المدني في خارج الأراضي السودانية ، يكون خاضعاً للقانون المدني الذي اختاره الزوجان لتنظيم مفاعيل الزواج شرط ان لا يتضمن هذا القانون ما يخالف النظام العام والآداب العامة السودانية.
  • المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات مع تخصيص التكليف.
  • المساواة بين الزوج والزوجة في حق طلب فسخ عقد الزواج والطلاق .
  • تحديد سن الرشد بأنها ثمانية عشر سنة ميلادية كاملة.
  • تحديد سن الزواج ببلوغ سن الرشد، وأي استثناء يجب أن يخضع لموافقة قضائية مسبقة بعد تقديم حجج مقنعة من ولي الأمر، على أن لا يكون هناك أي استثناء، مهما كانت المبررات، لمن هم دون الثامنة عشر سنة ميلادية.
  • كفالة حق أي شخصين عاقلين راشدين أن يتزوجا بمحض إرادتهما إن توافقا على ذلك في حالة عدم وجود الموانع الشرعية.
  • الحد من دور الولي المباشر في زواج المرأة، فإن منعها وليها من الزواج ممن تريد بغير عذر شرعي انتقلت الولاية إلى الذي يليه فتنتقل من الأب إلى الجد أو العم أو الخال مثلاً ، فإن منعها الأولياء كلهم بغير عذر شرعي فإن السلطان يكون وليها للحديث ( … فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) ، فإن عدم الولي والسلطان زوجها رجل له سلطان في مكانها، ككبير القرية، أو حاكم الولاية ما أشبه ذلك، فإن لم يوجد فإنها توكل رجلاً مسلماً أميناً يزوجها والسلام.
  • في حالة وقوع الطلاق الشرعي وفقاً لإرادة الزوج يكون بيت الزوجية من حق الزوجة، ويتم الحجز على دخل الزوج وحق التصرف في الأموال حتى ينظر القضاء المدني أو (محكمة الأحوال المستعجلة) في أمر فسخ عقد الزواج المدني بين الطرفين مع إلزام الزوج بالإنفاق في حالة عمل الزوجة كربة منزل فقط.
  • تقنين وضع الأطفال بالتبني وحماية حقوقهم في الميراث بأن يشترط على أي أبوين أو أحدهما يرغبان أو يرغب في تبني أي طفل بان يوصيا له من تركتهما في حالة وفاة الزوج أو الزوجة، وصية لا رجعة فيها.
  • إتباع الوسائل العلمية الحديثة في إثبات النسب.
  • اتباع الوسائل العلمية الحديثة وآخر ما توصل إليه علم البحث والأدلة الجنائية في أثبات حالات الاغتصاب والعنف ضد المرأة .
  • إلزام إثبات الحالة الصحية اللائقة للزوجين قبل الزواج وذلك بالفحص الطبي الذي يؤكد أهلية الطرفين في المعاشرة والخلو من الأمراض المعدية والفتاكة.
  • منح حق طلب فسخ عقد الزواج المدني لكلا الطرفين وحق الطلاق للزوجة والمطالبة بالتعويض المناسب في حالة ثبوت ممارسة أحدهما لأي من :
  • العنف ضد الآخر بأي من أشكاله.
  • الخيانة الزوجية.
  • الاغتصاب
  • العنف ضد الأطفال بما يتسبب في الأذى النفسي أو الجسدي .
  • المرض الذي يعيق المعاشرة الزوجية.
  • تقديم معلومات غير صحيحة عند الخطبة من أي طرف بغرض تضليل الطرف الآخر مثل الحالة الاجتماعية أو المهنة أو المستوى التعليمي أو مستوى الدخل أو مكان الاقامة أو الهوية والجنسية .. إلخ ..
  • الزواج بزوجة ثانية في أي شكل من أشكال الزواج المتبعة مسيار أو إيثار أو عرفي سواء كان الزواج شرعياً أو غير شرعيٍ بدون رضاء وموافقة الزوجة .
  • عدم القدرة على القيام بالواجبات الزوجية لأي من الأسباب التالية :
  • الهجر لفترات طويلة بسبب السفر.
  • رفض الإعالة أو الإعاشة في حالة عمل الزوجة كربة منزل فقط.
  • عدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية للأسرة من مأكل ومسكن ومشرب وتعليم .. إلخ. في حالة عمل الزوجة كربة منزل فقط.

 

اتفاقية الزواج المدني

قال النبي صلى الله عليه وسلم

"المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراماً أو حرم حلالاً"

رواه أبو داود وأحمد

أول ما يجب أن يعَرفه المشرع في إطار تعريفه لاتفاقية الزواج المدني هو أنها لا تبيح النكاح، وهي لا تعدو كونها اتفاق قانوني ملزم يقوم بين طرفين راشدين ذكر وأنثى وهما بالحالة المُعتدة شرعاً وقانوناً تراضيا على الارتباط وبناء اسرة وفقاً لمقتضيات الشرع وحسب ما تراضيا واتفقا عليه، وهو كعقد قانوني يقوم على القاعدة القانونية المعروفة "العقد شريعة المتعاقدين"، أي أنه اتفاق بين طرفَين يلتزم بمقتضاه كلٌّ منهما تنفيذ ما اتففا عليه، ويشترط على إتفاق الزواج المدني أن لا يتعارض مع أي من أركان وقواعد وشروط الزواج الشرعي المتفق عليها بين المذاهب ولا يخالف القواعد القانونية القائمة أو الأحكام المدنية السارية. ويهدف إتفاق الزواج المدني لحفظ حقوق الطرفين في حالة فسخه أو كيفما إتفقا بعد الزواج، أي أن إتفاق الزواج المدني هو عقد قانوني مُلزم بين طرفين راشدين موثق بشاهدين عدلين يوقع في مقر عدلي مختص، وهو يعد شرطاً قانونياً ملزماً للطرفين يسبق عقد القران الشرعي، وهو كما بينا لا يعتبر عقد نكاح ولا يقوم مقام عقد النكاح الشرعي بأي حال من الأحوال، ويهدف اتفاق الزواج المدني إلى تحقيق العدالة الإجتماعية والتأكد من توفر الشروط الشرعية للزواج حماية للأسرة وضمان لحقوق الزوج والزوجة والأطفال، كما أن بنوده وشروطه التي توافق عليها الطرفان لا تسري أو تطبق إلا بعد توقيع عقد النكاح واكتمال أركان الزواج الشرعي.

لا يجوز اعتماد اتفاق الزواج المدني إلا بأهلية الطرفين القانونية. وفي الاصطلاح، الأهلية هي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق والتحمل بالالتزامات، ومباشرة التصرفات القانونية التي يكون من شانها إن تكسبه حقا، أو تحمله التزاما على وجه يعتد به قانونا، لذا يجب أن يشترط المشرع في أن يكون طرفي الاتفاقية كاملي الأهلية بالحالة المُعتدة شرعاً وقانوناً حرين، بالغين، راشدين، فوق سن الثامنة عشر، مكتملي العقل و(للأنثى) أن تكون مستوفية للعدة الشرعية، وللذكر أن يكون كفؤاً لها، وان يكونا أو يكون أحدهما على الأقل له القدرة على تحمل الانفاق على الأسرة وتحمل أعبائها المادية.

التوقيع واعتماد اتفاقية الزواج المدني يتم بواسطة الطرفين الراغبين في الزواج ولا يجوز فيها أي توكيل لمن ينوب عن أي منهما إلا بوكالة شرعية منهما أو من أحدهما موقعة حضورياً أمام جهة قضائية وقانونية معترف وموثوق بها.

هناك شيئان يجب أن نفرق بينهما وهما قانون الزواج المدني واتفاقية الزواج المدني، الأول ثابت والثاني متغير ومؤسس على الأول ويجب على القانون أن يحوي الثوابت التي تحمي كافة الأطراف من تغوُّل أي طرف على حقوق الطرف الآخر.

الصيغة المقترحة لاتفاقية الزواج المدني:

تنص صيغة إتفاق الزواج المدني على مواد ملزمة تتوافق مع الدستور والقوانين الأخرى القائمة، ومواد اختيارية لا تتضارب أو تتناقض مع الدستور أو ثوابت الشرع، توضع بعد موافقة الطرفين عليها، ونُورد هنا بعض البنود التي يمكن أن تحويها اتفاقية الزواج المدني.

  • الإعلان الرسمي لاتفاق الزواج المدني كممهد للزواج الشرعي.
  • تحديد الحقوق والواجبات والمساواة بين الطرفين في الأهلية.
  • في حالة فض عقد الزواج، كيفية تقسيم الممتلكات والموجودات من أصول ثابتة ومتغيرة بين الطرفين التي يملكها أي منهم منفرداً بصفتهما شريكين أصيلين في البناء الأسري الذي كان قائماً، وذلك لكل ما تحصلان عليه معاً أو تحصل عليه أحدهما خلال فترة سريان عقد الزواج المدني .
  • كيفية تقسيم الممتلكات والموجودات من أصول ثابتة ومتغيرة التي يملكها أي منهما منفرداً قبل سريان عقد الزواج المدني في حالة فض عقد الزواج.
  • الحكم بنفقة جارية للطرف الذي لا يعمل أو صاحب الدخل الأقل من الشريكين السابقين يحافظ بها على نفس مستوى المعيشة التي كان يعيشها قبل الانفصال.
  • مسؤولية رعاية الأطفال حسب العمر والجنس وحسب رؤية القاضي على أن يكون أي حكم صادر يجب أن يضمن حماية مصالحهم وتقليل الضرر الواقع عليهم نتيجة انفصال الأبوين وتُعد حقوقهم حقاً ممتازاً له الأولوية القصوى عند صدور الحكم.
  • أي بند أو شرط على أن لا يتناقض مع قانون الزواج المدني أو أي من القوانين السارية.
  • التنازل عن كل أو بعض الحقوق مقابل الانفصال.
  • التنازل الاختياري عن رعاية ومسؤولية تربية الأطفال.

 توصيات

  1. تكليف لجنة قانونية برلمانية أو من ديوان النائب العام بصياغة مشروع قانون للزواج المدني يحقق طموحات وأشواق المرأة السودانية في المساواة والعدالة وفقاً للثوابت الشرعية والعرفية.
  2. إصدار اتفاقيات زواج مدني للزيجات القديمة التي كانت قائمة قبل إصدار القانون الجديد وفق القانون الجديد.
  3. تحويل القضايا العالقة في محاكم الأحوال الشخصية إلى المحاكم المدنية للبت فيها وفقاً لقانون الزواج المدني المقترح.
  4. عمل صندوق لدعم الزواج يُمَوَّل من فرض رسوم وضرائب تصاعدية على الممارسات الدخيلة من بعض الأسر في الإسراف في مراسم الزواج من اقامة الأفراح والمبالغة في المهور والشيلات والحفلات ..إلى آخره.

خاتمة

يهدف قانون الزواج المدني إلى تكريس مبادىء العيش المشترك بين مختلف ألوان الطيف السوداني، الذي لا يكون مشتركا إلا اذا كان القانون الذي ينظم هذا العيش هو قانون موحد لا يميز بين ً الاشخاص الخاضعين لاحكامه وفقاً لانتمائهم الجهوي أو الطائفي أو المذهبي أو العرقي.

هذه المساهمة الفكرية هي مدخل لإرساء قانون الزواج المدني، وهو ليس إلا بداية، لن تأتي أُكلها إلا  بتطويرها بالنقاش والإسهامات الجادة من القانونيين ومن النساء والرجال الطليعيين وعلماء الدين المستنيرين وهو، كفكرة ومشروع، بالتأكيد سيجد معارضين ومعاضدين، وبالمنطق والحوار والحكمة وحسن القصد يمكن التوصل إلى الغاية وهي تحقيق عدالة اجتماعية تحت مظلة قانون مدني يشرِّع للزواج يحمي الأسرة والمجتمع.

الظلم لا يولد الثورة .. لكن الإحساس بالظلم هو الذي يولد الثورة، توعية النساء بحقوقهن هي أولى خطوات الإصلاح، واكتشاف العلة ورفع الحجب عن أسباب اضطهادهن هو السبيل للتغيير، وعلى الرجال، أزواجاً وآباءَ، شيباً وشبابا، أن يعلموا بأن أي مكاسب مادية آنية تحقق على حساب النساء، سواء في ساحات المحاكم أو داخل أسوار البيت، تعد خصماً وخسارة عليهم، على المدى القصير والطويل، على المدى القصير لأنها تؤثر سلباً وتحط من قيم المجتمع وأخلاقياته، وعلى المدى الطويل لأن آثارها ليس فقط على النساء بل تمتد للأبناء والأطفال أمل الغد ورهان المستقبل، وكما قالت الأستاذة الراحلة فاطمة أحمد إبراهيم (المرأة هي نصف المجتمع عدداً وكل المجتمع نوعاً) وأي اضطهاد أو ظلم يقع على النساء هو اضطهاد وظلم للمجتمع كافة، وأي مكسب تحققه النساء هو مكسب للمجتمع كافة، فمن أحياهن كأنه أحيا المجتمع كافة ومن اماتهن كأنه أمات الناس أجمعين.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+