المشهد السياسي

إعداد/ قرشي عوض

  • مقال الدقير

كتب الأستاذ عمر الدقير ،رئيس حزب المؤتمر السوداني، مقالاً رد فيه على تقرير اللجنة المركزية لحزبنا، والذي نشرته "الميدان" في عددها ليوم الأحد، متوقفاً ملياً عند نقد الحزب للهبوط الناعم، وتعويل قوى معارضة على خارطة امبيكي بحلها التفاوضي وتعويل بعض القوى السياسية على الخارج.

المقال للأمانة مكتوب بلغة حفظت للحزب الشيوعي تاريخه الناصع في مجال العمل الجبهوي، وحرصه على التحالفات المفضية لوحدة المعارضة. واجتهد كاتبه في استخدام مفردات ذات حمولة ايجابية فيما يخص خدمة الغرض الظاهر من كتابته، وهو حرص الرجل على وحدة المعارضة وتجنيبها احتمالات التشرذم أكثر فأكثر، لذلك وجد المقال استحساناً من جهات عديدة ونال درجة عالية من المقروئية، وإن كانت هنالك مآخذ على المقال فأنها تتمثل في معاتبة الحزب، بل واتهامه بتوزيع صكوك الوطنية، وإطلاق عبارات التخوين وربما معارضته لقوى المعارضة بدلاً عن النظام. وفي تقديري ما ان الرجل يحتاج إليها وجاءت من باب التزيد لا لمزايدة، التي أقر الكاتب بأنها صعبة في حق حزب، وصفه هو بعبارات استحسان كثيرة، لكن أعتقد أن الرجل لجأ إليها لتجنب مناقشة رأي الحزب المعلن حتى من قبل تقرير اللجنة المركزية الأخيرة، والمتمثل في اختياره شعار إسقاط النظام بديلاً للحل التفاوضي، لأسباب منطقية، على رأسها أن النظام غير شرعي، وأن التفاوض معه لايستند على أي أساس غير فرض الأمر الواقع، حسب القاعدة الفقهية( من قويت شوكته وجبت بيعته) فهو لايمتلك تفويض شعبي يفرض على الآخرين التفاوض معه، والتحجج بالاتفاقيات التي وقعتها المعارضة معه من قبل، مثل اتفاق القاهرة لا تصلح في هذه الموقف، لأنها تأسست على الاوضاع التي اعقبت نيفاشا، وماتضمنته من شرعية انتقالية تعقبها انتخابات ، لكن هذه الانتخابات زورها المؤتمر الوطني.

اما حديث الدقير وغيره عن مشاركة في انتخابات النقابات وقد أضاف إليها الدقير مشاركتنا في المجالس المحلية أيام عبود إبراهيم عبود، مع أنه لم  يكن يحتاج للرجوع إلى التاريخ البعيد ودونه مشاركتنا في انتخابات اللجان الشعبية في عهد هذه الحكومة ، فقد سبق أن رددنا عليها بأننا نفرق بين العمل النقابي والسياسي، وقد ظللنا طوال تاريخنا نخوض انتخابات النقابات، رغم القوانين النقابية غير المواتية، لتحقيق مكاسب للعاملين دون أن نتخلى عن هدفنا السياسي المعلن والمتمثل في التغيير الجذري المتدرج الذي يتوج في الغالب بالانتفاضة الشعبية كوسيلة شعبية مُجرَّبة.

لو أن الدقير حصر الحوار حول الخلاف في الخطوط السياسية المختلفة لقوى "الإجماع الوطني" و"نداء السودان" لأصطاد عصفورين بحجر واحد، الأول هو أن يتجه مباشرة لمناقشة الخلاف وتخليصه من بعض الشوائب ، والتي أعتقد أنها في المقال لم تكن كثيرة، مثل اتهام الحزب بتوزيع صكوك النضال وتخوين الآخرين، وهو ما لم يقصد إليه الحزب، لكن قصد بالعكس تحرير الخلاف وتوضيح عدم امكانية وحدة المعارضة في ظل اختلاف واضح في الخط السياسي وليس مجرد تكتيكات، فالأهداف مختلفة.

أما الهدف الآخر والأهم الذي كان يمكن تحقيقه هو أن الخلاف لا يمنع التنسيق بين المعسكرين من المواقع المختلفة، فأحزاب النداء تختلف عن أحزاب الحوار الوطني في أنها لا تسعى للحوار من أجل الالتحاق بالنظام، وهي مهمة كما تفضل الدقير لا تكلف من يسعى إليها غير التوقيع على مخرجات الحوار الوطني ، لكن أحزاب النداء تسعى للحوار في إطار المقاومة؛ وكأداة من أدوات تلك المقاومة لا الاستسلام للنظام. ولذلك هناك مهام كثيرة مشتركة يمكن أن نعمل سوياً على انفاذها. في هذه الحالة لانستطيع الحديث عن وحدة كاملة وسط المعارضة، لكن يمكن الحديث عن تنسيق شامل وخوض معارك مشتركة تسعى من خلالها قوى الإجماع لإسقاط النظام، كما يسعى من خلالها نداء السودان إلى تحسين الشروط التفاوضية من خلال الضغط الجماهيري. وفي الحالتين سيكون الخلاف منتجاً ومثمراً ومفيداً إذا وجد الرعاية الكافية، وابتعدنا به عن تدعيم وجهتي نظرنا باستخدام مفردات تباعد ولا تقارب وتلحق الضرر بنا جميعاً.

سيدي الدقير، لا يمكن أن نتفق ما لم يتنازل أحدنا عن خطه السياسي ويتبنى خط الآخر، ونحن في قوى الإجماع لا نرى من سبيل لوحدة المعارضة إلا على أساس إسقاط النظام ، لكن هذا لا يمنع أن نعمل سوياً من أجل تحقيق أهداف مشتركة بإتجاه استنهاض الحركة الجماهيرية، وبما يشمل التنسيق على كافة الأصعدة من تظاهرات ووقفات احتجاجية والعمل على إستعادة النقابات والمعارك القانونية، كما حدث من خلال الخطوة الشجاعة التي اتخذتها هيئة مناصرة الأستاذ/محمد عبد الله الدومة نائب رئيس حزب الأمة، في رفعه دعوة دستورية ضد حكومة السودان لمنعه من السفر وحجز جواز سفره، وقد شارك فيها محامون من قوى الإجماع الوطني والحزب الشيوعي، منهم الأستاذ صالح محمود،  وخاطب صديق يوسف مؤتمرها الصحفي الذي أقيم بالمركز العام للحزب الشيوعي، لكن هذا التنسيق لن يشمل بالطبع خوض انتخابات 2020 ، والتي تسميها قيادات بارزة في حزبكم بالمنازلة، مما يعني أنها تطرحها في إطار المقاومة.

 وفي النهاية أكرر إشادتي وإعجابي الشديد بطولة البال والمسؤولية التي سطر بها الأستاذ الدقير هذا المقال، وهو سلوك ليس مستغرباً منه.

  • نحن والقرن الافريقي:

يبدو أن شؤون القرن الإفريقي يجري ترتيبها في ظل غياب  السودان ، الذي لا يمتلك القدرة على إتخاذ موقف مستقل استناداً الى مصالح الشعب في ظل اختطاف السلطة السياسية فيه ؛ وهذه سمة تتصف بها كل السياسة الخارجية لحكومة الإنقاذ، والتي تنطلق من زاوية الحرص على سلامتها هي وليس سلامة البلد.

على صعيد أخر يبدو أن هنالك ترتيبات فعلية لشيءٍ حقيقي قادم. فقد حدثت أشياء لم يتنبأ بها أحد مثل التقارب الإريتري الأثيوبي والدعم السخي الذي تلقته أثيوبيا من الإمارات والزيارات السرية والعلنية لروسيا، والتي تدعمها تصريحات سابقة عن امكانية وصول الأسطول الروسي الى البحر الأحمر.

فالمعروف أن السودان جزء من ثلاثة أنظمة نزاع تشغل الكرة الأرضية وهي صرع البحيرات، وصراع القرن الأفريقي، وصراع غرب أفريقيا، وما يجمع بين هذه النزاعات هو أن عقدتها في السودان ، وهى أما أن تحل وبمشاركة قوية من قبل السودان تعكس ثقلها الجيوسياسي مستفيداً مستفيدة من التداخل الإثني والتأثير العام في دول شرق ووسط إفريقيا، وأما أن تحل تلك النزاعات خصماً علينا، وبهذه المناسبة أذكر أنني كنت في قرية اسمها ود أبوك في الأنقسنا، أثناء ساعات النهار أجلس في راكوبة مع إحدى بائعات الشاي، وكنت أسمع صوت الفنان أحمد المصطفى يأتيني من عدة جهات، فقد كانت  هناك مجموعة من شباب قبائل(أمبررو) يحملون مسجلات ويضعون كلهم شريط أحمد المصطفى، وحين عودتي للخرطوم سألت أحد الأصدقاء عن السر في ذلك، فأجابني بأن إذاعة أم درمان من أكثر الإذاعات المسموعة في السافنا، وأن أغاني أحمد المصطفى كانت الأكثر ترديداً عبر الأثير، وأعتقد أن هذا هو السبب وراء اختيار وردي كفنان أفريقيا الأول،  وكل ذلك يعكس الدور الكبير للسودان والثقافة السودانية في منطقة القرن الإفريقي ومنطقة شرق ووسط إفريقيا،  وهو دور كان من  الممكن أن يضع السودان في مصاف الدولة الفاعلة وليس المنفعلة بالأحداث.

  • التجار والانتفاضة

لعل أول مشاركة للتجار في العمل السياسي كانت في ثورة 1924. ربما يكون لهم دور قبل ذلك، لكن التحامهم بالطبقات الاجتماعية الأخرى على طريق التحرر جاء في تلك الوثبة العملاقة لشعب السودان. ولا أقصد بتلك العلاقة مشاركتهم في تنظيم وقيادة المظاهرات، ولكن من خلال وجودهم النشط في جمعية اللواء الأبيض. فقد جاء ضمن مطالب الأمة التي قدمها على عبد اللطيف مطلب يشير إلى وضعية التجار في الحراك الجماهيري المفضي الى ثورة 1924، وذلك المطلب يتمثل في جعل السكر بيد التجار.

لكن التجار بعد ذلك لم يظهر لهم وجود ضمن الاحتجاجات الجماهيرية، حتى جاءت الإنقاذ واجتذبت الى دائرة الاحتجاجات كل قطاعات الشعب السوداني بما فيها التجار. فقد حملت الإخبار في الأيام الماضية إضراب تجار سوق الحصاحيصا، ومن بعده تجار سوق القضارف، نتيجة الضرائب غير المنطقية ، وقد أجبرتها تلك التحركات على التراجع. فالحكومة تريد أن تُحمِّلُ الآخرين تبعية تنفيذ برامج عبثية لم تستشر فيها أحداً ، لكن ثبت من خلال التجربة انها يمكن أن تتراجع تحت الضغط الجماهيري. وعلى الفئات الجماهيرية الأخرى أن تتعلم من التجار، الذين أعادوا لهذه الطبقة دورها التاريخي الرائد، كواحدة من الطبقات التي فجرت أول ثورة تحرر وطني في السودان.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+