تعقيب على قراءة كل من الدقير وعرمان على رأي الحزب.

بقلم/ عمر حلاق

بكل الاحترام الذي بذله الأستاذان عمر الدقير وياسر عرمان للحزب الشيوعي وتاريخه، إلا أن ورقة الدقير ورسالة ياسر المعقبة عليها أغفلت عددا من النقاط التي لا يجب إغفالها خاصة من شخصين في قامة مشوارهم المحترم في السياسة السودانية.

في البدء كانت ورقة الدقير ردا على الملف الخاص بالراهن السياسي والذي بذلته اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في عدد الميدان الصادر بتاريخ الثاني من سبتمبر للعام ٢٠١٨م تحسر الأستاذ عمر الدقير على حال رفاق الخندق، وضرب أمثلة على شاكلة

*(زَعَم التقرير بأن قوى نداء السودان حسمت موقفها وأصبح برنامجها هو "الهبوط الناعم"، كذلك جزم التقرير بأن الحركات المسلحة قد ضعفت بنيتها ولم يعد أمامها غير القبول بـ "السلام القسري" أو مواجهة عقوبات مجلس الأمن، كما دعا التقرير - ضمنياً - لقطع "شعرة معاوية" مع قوى نداء السودان)* .. ، ولَم يكن الأمر في رأيي جزم، بل هو تحليل خاص بحزب سوداني يحاول قراءة الواقع حوله، فمن ناحية سيادة لغة الهبوط الناعم والمشاركة في تبعاته من انتخابات يحاول النظام القائم الوصول إليها لاهثاً رأينا جميعا مناظرة تعقد حولها (رفضا او منازلة) وهو أمر يرى الحزب مثل اخرين كثر أنه ضمن تبعات الهبوط، وبخصوص الحركات المسلحة يرى الحزب أنها فعليا تضع شروطها بقدرتها في الميدان،حيث لم نرَ شرطاً في التاريخ وضعه من كان في موقع ضعف، وأما أن لم يستطع الاستاذ الدقير ملاحظة خبو سطوة التصريحات والصراع المبني على ثورة من يَرَوْن التغيير عبر السلاح فهو أمر يخصه، إضافة لضغط المجتمع الدولي والذي لن يستطيع نكرانه أحد، فالجميع يعلم بنية المجتمع الدولي الحالية، وأساس تحالفاتها ومشاركاتها، ونرى يوميا وبشكل مباشر دعم المجتمع الدولي لأنظمة قمعية وسلطوية وديكتاتورية لصالح مطلوبات تخص عالم أول يشقى الجميع لإرضائه، هذا العالم بذاته هو ما يسميه الشيوعيون بـ"القوى الإمبريالية" والتي تعمل ضد الشعوب واستقلاليتها، كما يروا أيضا ان الاستقلال السياسي لن يكتمل دون استقلال القرار الاقتصادي، وخلق منتج داخل بلدانهم يشاركونه العالم باحترام المصدر وتقدير المتلقي في علاقة لا تشوبها شائبة التعدي أو الاستغلال.

ثم دلف الاستاذ عمر الدقير لنقاش مواقف تاريخية للحزب *(ولعله يجدر هنا أن نُذَكِّر بالموقف المائز الذي اتخذه الحزب الشيوعي من قضية انتخابات المجالس المحلية في عهد الحكم العسكري الأول، حيث اعتبر المشاركة في تلك الإنتخابات بمثابة "نقطة وُثوبٍ إلى حقوقٍ أوسع تُعين على النضال ضد النظام"، كما جاء في البيان الصادر عن المكتب السياسي للحزب الشيوعي بتاريخ 9 مارس 1963، والذي وصف المنادين بمقاطعة تلك الانتخابات بأنهم "يتخذون موقفاً غير سليم لا يفيد قضية النضال ضد النظام .. ويكتفون بترديد شعار المقاطعة الخالي من كل مضمون" .. بَيْد أن ذلك الخلاف حول انتخابات المجالس المحلية لم يدفع الحزب الشيوعي لقطع "شعرة معاوية" مع مخالفيه في الرأي أو تصنيفهم كمناوئين لخط الانتفاضة ضد الحكم العسكري الشمولي)*... وهنا أرى شخصيا أن المقاربة بعيدة وضعيفة جدا، إذ لا يمكن قراءة التاريخ واستخدامه منزوعاً من كل شيء عدا ما حاول الاستاذ الدقير وضعه كموقفين متقابلين، لم تكن حينها الدولة السودانية بنفس درجة التشظي، لم تكن حينها الأنظمة طورت أدواتها لتحول عقد الوطن بين حاكم ومحكوم لتجعله بين أسياد وعبيد، ولَم تكن القوى الإقليمية والعالمية بدرجة شر المستأثر بكل شيء لصالح استرقاق الآخرين، وإن كان الاستقطاب حينها في أوجه الا ان الاستقطاب بذاته ترك مساحة إستقلالية نتجت من قدرة الشعوب للاختيار بين معسكرين قبل أن تضعنا امريكا في (حوش وسيع ويضيق بِنَا كبشر في ذات التوقيت عارضة علينا ديمقراطيتها وأخلاقها وقيمها، آخذة منا كل ما يمكن أخذه، دون مراعاة لحيوات مختلفة او تطلعات مشروعة، أقول إن الاستاذ الدقير لم يكن موفقا في رأيي في مقاربته لاختلاف الهدف والتكتيك والواقع.

أيضا ذهب الأستاذ الدقير لاتهام غير موجود إلا في مخيلة الرافضين لخط الحزب الشيوعي، بذكره أنهم يحاولون امتلاك صكوك الوطنية او النضال، وهو امر لم يذكر عرضا او تستراً، فالحزب في دعواته اليومية يدعو بشكل مستمر لتكوين جبهة عريضة لاسقاط النظام، يتم بناءها من الجماهير واصحاب المصلحة في التغيير، منطلقا من انحيازه الطبقي، ووعيه المستمر أن تغيير النظام لا يعني إنجاز الثورة، بل هو ضربة البداية لتشكيل وترتيب الواقع السياسي والاقتصادي والسوداني وفق ما تستحقه الشعوب السودانية من حياة قائمة على التعدد الإثني والعرقي والديني، هذا الثراء الذي نحتاج جميعنا لتثوير ذواتنا وصولا لمجتمع القانون والحقوق والحياة الكريمة، لم يُتهم احد ولَم يستأثر أحد بصك نضال أو وطنية، هو اختلاف طريقين، طريق الجبهة التي لا تقبل حوار دون توفر شروطه توازيا مع طريق يجعل من امكانية استغلال منابر وانتخابات لبناء جبهة مقاومة، يرى الشيوعيون أن الطريق نفسه لو ضاق بِنَا جميعا سيتسع أفق الحل، فقط دون تخوين أو رمي بالباطل، علما أن الاستاذ الدقير بذاته استخدم عبارة اطالة عمر النظام بما يطرحه الحزب الشيوعي حاليا، وهو ما استنكره على الحزب الشيوعي.

ثم جاء رد الأستاذ ياسر عرمان برسالة حيّا فيها الاستاذ الدقير وكلاهما يستحق التحية والاحترام، لكن ما أتى به الأستاذ ياسر عرمان اعتبره أمرا عجبا، حيث بدأ بالمحبة لكادره التاريخي وذكر اسماء الزملاء وأحيانا باسمائهم الحركية في إشارة للقرب والتبجيل وهو أمر لا ننكره عليه، ولا على كل أفراد الشعب السوداني، حيث بأدب السودانيين نرى من عبر عنهم حبا بحب ووفاء بوفاء، ولكن فعل المقاربة بين الماضين والمعاصرين دمغه الأستاذ ياسر عرمان بالخلط والتخليط ، وهو أمر معيب بالنسبة لي لأنه ينسب المواقف لأشخاص وليس لفكرة، فالزميل عبد الخالق لا يمكن مقاربة رأيه في مواقف معاصرة تحدث الآن وروحه في برزخ الشرف والإباء، كما لا يمكن افتراض عدم (التخليط) في حال وجود عثمان جزيرة أو التجاني الطيب، أرى أن الأمر تجاوز حسن النية لدس السم في الدسم، حيث قيادة الحزب تسمى قيادة الحزب إلى حين محاسبتها، وقراراتها تظل ممثلة لرأي الحزب إلى حين تقييمها، أما ابتدار الرسالة بأيهما أولا الإمبريالية أم نظام الإنقاذ أرى أن الاستاذ ياسر عرمان خير من كان بامكانه الإجابة عليه تاريخيا، حين ترك الخيار السلمي وحمل البندقية لصالح إسقاط الإمبريالية وأذيالها، حين سمى الدكتور جون قرنق الديمقراطية الثالثة بـ(مايو2) بتأكيد منه أن الديمقراطية لا تعني فقط صناديق الاقتراع، حين كانت الحركة الشعبية لتحرير السودان منحازة طبقيا وتعلم طريق تحرير الإنسان، أما اليوم فلا أعلم أيهما صاحب أولوية بالنسبة للأستاذ ياسر عرمان، بالنسبة للحزب الشيوعي فإزالة نظام الإنقاذ خطوة أولى لإزالة تبعات الإمبريالية وتأثيرها على السودان، فقد حشرت أنفها حتى في تفاصيل الهمس بين الرفاق السابقين، دون تخوين أو تشكيك.

كل ما ذكرته سابقا أدعمه باختلاف شخصي، في نقاط متعددة مع دورة اللجنة المركزية وورقتها بدءا من العنوان مرورا بتفاصيل لم تراعيها عن المتلقي والواجبات واللغة والإسهاب دون داعٍ، كما توجد نقاط أنا في كامل الاختلاف معها سأتركها لأضابيرها آملا مساهمتي في تيار ثوري داخل الحزب الشيوعي السوداني يجعل من هتاف الجماهير (خطوات تنظيم للرفيقات والرفاق).

هذا الوطن يحتاجنا جميعا وردي مجرد محاولة لجعل اللغة سبيل الحوار.

علمنا الحزب الشيوعي أن الاختلاف أداة تطوير ، علمنا أيضا أن مواعين النضال ليست حكرا على أحدٍ بقدر ما علمنا أن العمال أصحاب الحق نختلف داخله لصالح الوطن فالحزب جزء والوطن كل.

أخيرا تبقى اللحظات بين الرصاصة وصدري مليئة بحلم الحياة في وطن يسع الجميع.