في  ذكرى الحادي عشر من سبتمبر

الأسلام والأرهاب..سؤال الدين أم التهميش الأمبريالي

حاتم الياس

كتب المناضل براهام السرفاتى فقيد الحركة الشيوعية المغربية واليهودى المغربى والمناضل الفكري والسياسي الجسور الذى مكث حوالي ربع قرن داخل سجون الحسن الثاني  كتب فى مقال له  فى صحيفة حزب التقدم والأشتراكية  بعد خروجه من معتقله الطويل معلقاً على أحداث الجزائر الدامية  فى نهاية الثمانينات والتسعينات في غمرة الأحداث وتصاعدها وبروز التطرف الاسلاموي في اقصى درجاته شططا كانت خاتمة ذلك المقال تقول ( أن فرنسا لاتخاف من بديل أسلامي فى الجزائر  بقدر ماتخاف حقاً من ظهور بديل ديمقراطي  تقدمي شعبي حقيقى , يعيد توظيف الأسلام ثورياً ويعقلن خيارات التغيير نحو افق تقدمي يرفع من درجة وعي شعوبه على نحو موضوعى يخاطب أصل علاقة التبعية نحو مساواة كونية حقيقة بين الشعوب والأديان والمعتقدات .

وفى صباح الحادى عشر من سبتمبر ذلك اليوم الذي ألجمت الدهشة والرُعب الولايات,المتحدة وكان التخبط وسط تلك الأحداث هو المسيطر على مشهدها بشكل دراماتيكي   , وكأن اللحظة التي سقط فيها مبنى التجارة العالمي هي نفس اللحظة التي شهدت تمزق ستار اللاوعي السياسي الهش وخروجه علناً من بين المُضمر والمسكوت عنه فى الخطاب الأمبريالى وظهور النوايا الفعلية له خارج أناقة  خُطب المناسبات السياسية العامة التى كانت تعد في اوقات الهدوء  بكثير من التجويد والرصانة والحزلقه .أختفى فى تلك اللحظة كل ذلك , فأنفتقت مساويء تلك المنطقة العميقة التى أزاحها الحدث المزلزل عن ستارها لتظهر علناً فى السطح المباشر من خلال فتحات هذا الستار . وتتبدى وقتها فى عثرة لسان الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش وهو يستعيد ذاكرة الحروب الصليبية فى القرن الحادي والعشرين قرن الحريات والمبادئ السياسية الليبرالية الكبرى! . ويقول لشعبه والعالم المتحضر  أننا أمام حرب صليبية جديدة فى خطابه ذاك المتعجل والمرتبك للأمة. ستحاول هوليود فيما بعد استعادة التماسك المفقود والجرح النرجسي الذي خلفه رعب ذلك اليوم , وكأنها تحاول أن تطيب خاطر الأمة الأمريكية المفزوع سينمائياً  بعدد من الأفلام التي تبحث تحت ركام الأحداث عن البطولة الأمريكية الخفية وبسالتها . مع الممثل الشهير نيكولاس كيج يظهر رجال إطفاء يحاولون أنقاذ ضحايا مبنى التجارة ببسالة وفى فيلم الممثل توم هانكس تستعاد الجوانب الأنسانية للضحايا واسرهم فى مشهد طفل الذي فقد والده (توم هانكس) , وفيلم أخر عن ركاب الطائرة الذين تضامنوا ضد الخاطفين وحاولوا إنقاذ بلدهم وطائرتهم , على الرغم من أن أحدهم لم يكن حاضراً هناك ليحكى ماحدث فى الطائرة التى مات كل من فيها لحظة أصطدامها لكن أراد كتاب الحكايات فى هوليود أعادة تصنيع أحداث جديدة داخلها شيقة تروج للبطولة الأمريكية ومهدئة للخاطر الأمريكى المجروح والمفزوع من برابرة الإسلام السياسي وأرهابهم.

لكن لاحقاً الوضع سيبدو مختلفاً فى فرنسا بعد الحادث الأرهابي فى الذى أودى بحياة رسامي مجلة (شارل ليبيدو) ويبدو وكأنها ترتب لحفل عام معد مسبقاً تتجنب فيه أهوال الصدمة الأمريكية صباح الحادى عشر من سبتمبر بكثير من الذكاء السياسى. حيث بدأ حادث جريدة شارلي والاحتفال الفرنسي المرتب جداً والدقيق والضخم والذي شهد تواجد بعض قادة العالم معداً سلفاً فى مخيلة ساسة فرنسا. كان يبدو وكأنه أحتفال وفرحة لاحزن ومواساة ,تستعيد فيه الجمهورية روحها وكما قال اليسارى هولاند (باريس اليوم عاصمة العالم) فكان من الواضح كما قلنا كأن العقل السياسي الرسمي الفرنسي يتمنى هذا الحادث ويستعجله كهدف سياسي ورغبه ملحة تستعيد به تماسك مجتمعها الداخلي المقسم بين الضواحى والمدن حتى تستعيد زمام  قبضتها على ضواحى باريس . وتعزز الخارطة المتوهمة التى رسمتها للعالم رصيفاتها فى الأسرة الدولية المتحكمة والمهيمنة بين معسكر لأحرار والأشرار. بالطبع فى هذه الصورة المتخيلة هنا يجلس الإسلام بأيدلوجيته ونصوصه فى موقع القائد المدبر والشرير ذلك الدين الغامض بعقوباته وأحكامه المظلمة والمتخلفة, حامل النصوص الشريرة فى الجانب الأكثر ظلاما , بينما لشعوبه يعد مستودعاً للتماسك الثقافي والديني والأخلاقي وتحتوى  بالضرورة على مضامين مقاومة لسعار العولمة . لكن وقوعه كدين ضمن شرط له طابع صراعى حاد فى مناطق واسعة من جنوب العالم أى ضواحيه البعيدة ,لم تعقلن شعاراته  وفق خطاب سياسى ديمقراطى وثوري يعيد موضعه معارفه وممارسته فى افق مساءلة شروط التخلف والتبعية اٍلا عبر هذه الأنفجارات المأساوية والعبثية هنا وهناك والتي اتخذت طابعها الأرهابى . وإرهابيتهاهذه بالطبع ليس لأن الدين الأسلامى هو دين الأرهابيين أو لأن نصوصه مازالت تبث خطاب الكراهية هنا وهناك  وتفخخ الحياة بالكراهية ,وكأن ايات القرآن تخرج من بين دفتى المصحف وهى تحمل القنابل وتدعو للقتل. فينبرى تحت ألحاح تلك الصورة كل يوم ابناء المسلمين فى كوميديا سوداء أما معلنيين تبرؤهم من دينهم واختيارهم أديان أخرى أو أعلانهم ألحادهم وفق حيثيات لايبدو فيها أن الجانب الموضوعي مستقلاً عن خيارات الذاتي بأي حال طالما أن العنف الرمزي والأيدلوجي تمر مياهه تحت جوف هذه الأرواح المرتبكة في هذا العصر الأمبريالى  وحيد القرن. أو أختاروا  أكثر الطرق عبثية في أختيار الموت أنتحارا , هل هذا يعني أننا ضد حرية الأعتقاد لا بالطبع بقدر ما أننا نود أن نقول الأجابة المنطقية تكمن فى التعبير المادي لأسئلة الوجود كصراع طبقي بحت وليس ديني أو معتقدي  يثار حوله غبار الأيدلوجيا ويعطي الفرد أحساساً بالفرادة خارج شرط التاريخ أى شرط الصراع الطبقي.والعنف الرمزي للأيدلوجيا.

في فرنسا كانت مسيراتها  المليونية بعد أحداث( شارل لبيدو) لم تكن دعوة للتمسك بحبال الجمهورية المتينة , لكنها بالتأكيد أو بالنسبة لى شخصياً كمسلم يعيش فى الشطر الجنوبي للكرة الأرضية كانت ضمنياً وعلنياً تعبر عن عداء أوروبى صاغته نخبها الحاكمة عبر التاريخ ومنذ صعود الحقبة الأستعمارية حيث كان الجندي والمرابي والمبشر جنباً الى جنب يهبطوم من سفن الحملات على الراضي المحتلة الجديدة , تصور مقيم وعميق ضد الأسلام وزائف ,تم توظيفه لتخويف شعوب اروبا وأرهابها  من عنف السلام البربري ,بالطبع يراد لهذا  العداء أن يعولم كونياً ضد الأسلام حتى يخفى تناقضات أخرى .وليس ضد الأرهابيين وحدهم ولا أعنى هنا الدين كمعتقد وعقيدة فقط ولكن المخاوف تكمن فى داخل المجال الأجتماعى والتاريخى والجغرافى الذى يوجد فيه معتنقى الأسلام الأن ,وأرتباط الأسلام العميق بفضاء ثقافى مغاير يشكل الأتكاء عليه أحد الأسلحة الضرورية منذ حقب الأستعمار وحتى الأن ومكوناً ثورياً فى رفد كفاح شعوب تلك المناطق لتأكيد هويتها الثقافية والوطنية من داخلها لامن خارجها وذلك يعنى أنه لاتوجد مقاومة لشروط العولمة النيوليبرالية بلا عمل ضرورى ومواز لأستعادة هوية وثقافة تلك الشعوب من براثن ثقافة التسليع الكاسحة.