خبر..و..تعليق

يوسف حسين

  • الخبر

صدر قرار رئاسي قضى بحل حكومة الوفاق الوطني، وقيام حكومة أخرى بديلة لها، وتضمن القرار الرئاسي المواصفات التالية كأسس لقيام الحكومة الجديدة: تقليص عدد وزراء الحكومة الإتحادية بنسبة32%(من 31 إلى 21) وتقليص حكومات الولايات من 8 إلى 5 وزراء بنسبة تقليص 37.5% وكذلك تقليص عدد وزراء الدولة بنسبة 50%. أما الأهداف التي تم تقديمها للحل والتقليص فهي: علاج الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد وشعبها على يدي حكومة رشيقة فاعلة.

  • التعليق

أولاً: إيجابي ما ورد في القرار الرئاسي من اعترافٍ بالأزمة الاقتصادية، والتي ما عاد بالإمكان اخفاؤها والتستر عليها أو السكات عنها. فقد عايش الشعب بأثرها، الغلاء الطاحن في الاسعار جراء الارتفاع الجنوني في معدل التضخم، وأزمة المحروقات، وأزمات السيولة المصرفية والخبز وكوارث الامطار والسيول...الخ

حقاً، لقد تفاقمت الأزمة وتعددت تجلياتها ومظاهرها بمتواليات هندسية لا حسابية، وأصبح معاش الناس وصحتهم وتعليم أبنائهم في كف عفريت.

ثانيا: وفي واقع الأمر فأن الأزمة ليست قاصرة على الاقتصاد وحسب، بل أن تدهور الاقتصاد وتأزمه هو واحد من مظاهر الأزمة. أن الأزمة بالأساس هي أزمة سياسية وطنية عامة. صحيح أن أهم مظاهرها هو الخراب والتدهور الاقتصادي ، لكن السؤال يطرح نفسه هنا: لماذا تدهور الاقتصاد وتأزم ؟!

والجواب على ذلك واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، وهو بالتحديد سياسات التحرير الاقتصادي، التي يتبعها النظام، وكذلك الشمولية الباطشة وما يصاحبها، ضربة لازب، من مصادرة للحريات السياسية والنقابية والصحفية، وإبعاد جماهير الشعب من مسرح الأحداث. وهذا بالطبع يفتح مجالا لاستشراء الفساد وتبديد المال العام. وقد بلغ هذا التبديد الرقم 4 مليار في عام 2011 بآثار النهب المباشر والتجنيب والصرف البذخي حسب تقرير المراجع العام.

في واقع الأمر فأنه لا وجود لأزمة اقتصادية بمعزلٍ عن الواقع السياسي. فهما مرتبطان. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فأن السياسات الحربية التي ينتهجها النظام، وكذلك الصرف على الأمن والدفاع تستنزف أكثر من"70%"من الموازنة السنوية.

ثالثا: وقد اتضح الآن لكل ذي بصر وبصيرة، أن سياسات التحرير الاقتصادي قادت بالفعل للخصخصة العشوائية والتدمير لمرافق القطاع العام. لقد ذهبت مع الريح كما يقولون أعمدة الاقتصاد الوطني التي بناها الشعب مثل مشروع الجزيرة والسكة الحديد والنقل النهري وصناعات النسيج وغيرها، بل أن الأصول لهذه الأعمدة قد بيعت لعناصر الرأسمالية الطفيلية الإسلامية، وبالتالي فأن الحديث عن إعادتها لسيرتها الأولى هو مجرد تضليل لا مكان له من الإعراب.وفي مثل هذه الظروف والاحوال فأن الحديث عن زيادة الإنتاج، وبالتالي زيادة الصادرات، حديث بلا معنى، والواقع أنه مهما كانت رشاقة الحكومة الجديدة ودرجة شبابية رئيسها، ومهما بلغ حجم تقليص عدد الوزراء، فلن يعيد هذا للحياة الدور الذي لعبته مرافق القطاع العام في الاقتصاد الوطني.

رابعا: لقد أجمع أبرز علماء الاجتماع، من كارل ماركس إلى المفكر العربي الإسلامي، ابن خلدون، على أن معاش الناس والعمران، هما الركيزتان لبقاء الحضارات وأنظمة الحكم أو زوالها، طالما ظل نظام الانقاذ منتهجا نهج سياسات التحرير الاقتصادي، لفائدة قوى الرأسمالية الطفيلية الإسلامية، وبالتالي تدمير قطاع الدولة العام ، فلا مجال للحديث عن أي تجاوز للازمة واصلاح الاحوال الاقتصادية.

خامسا: إن تسمية الحكومة بألفاظ وتعبيرات براقة ذات جاذبية لن تغير شيئا من جوهر الأمر، ولن تحول دون إرادة الشعب في تغييرها.

فقد راكمت الانقاذ مسلسلا حوى تسميات براقة ذات جاذبية للحكومات التي أقامتها، مثال حكومة القاعدة العريضة وحكومة الوفاق الوطني والحكومة الرشيقة لإعادة الأمل والثقة للشعب وما إلى ذلك، وعرضا أشير هنا إلى ما أثبتته عدة تجارب تاريخية عن تواتر تغيير أشخاص الحكومات مع تفاقم الأزمات. كما حدث في روسيا القيصرية قبل ثورة فبراير 1917، وكما حدث أيضا في مصر قبيل ثورة 23 يوليو 1952. أن تغيير أشخاص الوزراء لم يحل دون سقوط الأنظمة.

سادسا: إن التشخيص الصحيح لحالة الاوضاع السياسية والاقتصادية في السودان اليوم، هو أكبر وأعمق وأشمل من مجرد تقليص عدد الوزراء الإتحاديين والولائيين ووزراء الدولة.أن الأزمة لن يحلها ويتجاوزها تغيير الأشخاص ، بل يحلها تغيير السياسات.

سابعا: إن الطريق لذلك ليس هو حوار "الطرشان" الممتد في الزمان لأكثر من 4 سنوات. ذلك الحوار الذي يشكو الذين شاركوا فيه اليوم لطوب الارض من ان مخرجاته قد تم تجاوزها.

إن الذي يُجرِّبُ المُجرَّب ستحيق به الندامة، ولا شك، في نهاية الأمر.

وقد اتضح اليوم بجلاءِ الموقف السليم لقوى المعارضة السياسية للنظام، والقاضي برفض المشاركة في الحوار دون توفر شروطه وتسديد مستحقاته.

ثامنا: إن هدف النظام اليوم من وراء طرح الحوار مجددا، وتكوين حكومة الوفاق الوطني الجديدة، ليس هو في واقع الامر علاج الازمة الاقتصادية، فهذا امر بعيد المنال على أيدي نظام الانقاذ.

إن النظام مشغول اليوم، رغم الضائقة المعيشية والأزمات المستفحلة في كل آفاق الحياة، بقضايا تعديل الدستور بما يكفل فترة رئاسية جديدة لرئيس الجمهورية، وإجازة قانون الانتخابات، ثم إجراء الانتخابات في العام 2020 .إن ما يجري الآن هو مجرد محاولة لكسب الوقت.

تاسعا: إن المخرج الحقيقي من الأزمة هو تفكيك الشمولية ودولة الحزب الواحد والفترة الانتقالية التي يتم خلالها تصحيح ما جرى من تخريبٍ وإقامة دولة المواطنة المدنية، دولة القانون والمؤسسات، ثم التوافق في نهاية الفترة الانتقالية على الدستور الديمقراطي.

عاشرا: نخلص من كل ذلك إلى أن قرار التقليص يأتي جزءا من الأزمة وليس حلا لها. أنه حلقة في سلسلة الأزمة.

وكم كان صادقا وأمينا هنا واحد من المسئولين من قادة المؤتمر الوطني في ولاية الخرطوم، والذي صرح قبل أيام بأن من يحارب الفقر هو كمن يحارب الله سبحانه وتعالى أو كما قال.