كَرَرِي: 120 عاماً!

2 سبتمبر 1898م ـ 2 سبتمبر 2018م

(بتصرُّف من كتابنا: إنتلجينسيا نبات الظل)

(1)

لم يكن سيِّدى الخليفة ود تور شين مغالياً حين صبَّ جام غضبه على رأس الأمير التَّعايشي الزَّاكي عثمان الذي جاء من "واقعة الأتبرة" ليبدي استخذاءً فضائحيَّاً في مجلس الشُّورى الأخير قبل "واقعة كرَرٍي" في الثَّاني من سبتمبر 1898م:

ـ ".. وأمدرمان، يا مولاي، ليست بلادنا حتى نقف فيها، وندافع عنها، فالأَولى بنا أن نأخذ رجالنا، وأسلحتنا، ونرحل إلى كردفان، فإذا لحقنا جيش الحكومة إليها، وهو لا يفعل ذلك إلا بعد استعداد كثير، وزمن طويل، هجرناها إلى "شكا"، وهى دارنا، فإذا جاءنا إليها قـاتلناه، ودافعــنا عـن وطـننا، حـتَّى انتصـرنا أو مـتنا"! (ن شـقـيـر؛ تاريـخ السُّـودان، ص 925).

استشاط الخليفة غضباً على هذا الارتداد الجَّهير من "السُّودان" إلى "شكا"، من وُسع الوطن إلى ضيق القبيلة، فأصدر أمره الفوري لمن على يمين الزَّاكي:

 ــ "شيِّلو ام اضان"!

ففعل. ثم لمن على يساره:

ــ "وأنت أيضاً"!

ففعل. ثمَّ أمر به، فجرُّوه إلى سجن "السَّاير"، وكبَّلوه بالحديد، وسيِّدي الخليفة يضرب كفَّاً بكفٍّ مستعجباً:

ــ "يا سبحان الله، يستقبح عبد الله ود سعد الفرار، ويقاوم جيشاً ضخماً كجيش محمود بثلاثمائة رجل لأجل حِلة واحدة، ونحن رجال المهديَّة وأنصارها نجبن عن حرب جيش الكفرة المخذول لأجل السُّودان كله؟! أنا سأحارب حتَّى أنتصر أو يُقتل جيشي كله، فأجلس على فروتي، عند قبَّة المهدي، وأسلم أمري إلى الله!" (المصدر).

قول الزَّاكي عثمان الذي أغضب الخليفة بتعبيره الأخرق حول "المسألة الوطنيَّة"، تضمَّن أيضاً تعبيرات أخرى ربَّما كانت أفدح خراقة حول "المسألة الاجتماعيَّة":

ــ "واعلـم يا مولاى أننا لـم ننس ما كنَّا عليه قبل أن يخصَّك الله سبحانه بالخلافة. فقد كان أعظمنا يملك بقرة أو بقرتين، يرعاهما في النَّهار، ويحلبهما في المساء، فيشتري بنصف لبنهما عيشاً يصنعه عصيدة، ويجعل عليه باقي اللبن مُلاحاً، فيأكله هو وزوجته وأولاده. ولكن منذ اجتماعنا بك أطعمتنا مما تأكل أنت، وأكل أولادنا مما يأكل أولادك، ولبست نساؤنا مما تلبس نساؤك، وصار كلُّ من حضر فى هذا المجلس كملك في بيته وفي النَّاس، فليس بكثير عليك إذا نصرناك وفديناك بدمائنا. ولكن، يا مولاي، إذا هوى قصرك هذا علينا، في هذه السَّاعة، فما الذي نفعل بحكم الطبع، أننتظر حتى يهلكنا، أم نفرُّ؟! وأنا أؤكد لمولاي أن الجَّيش الذي حاربنا في "الأتبرة" لا قِبَلَ لنا به، فإذا انتظرناه هنا أهلكنا لا محالة. وأمدرمان ليست بلادنا .. الخ" (المصدر).

وبصرف النظر عن غضبة الخليفة، فإن زوبعة من التَّساؤلات لا بُدَّ تثور هنا: عن أيَّة "عصيدة" كان الأمير الزَّاكي يلغو؟! أليس عن ذات "بيت المال" الذي استبشع الإمام المهدي عليه السَّلام، أوان حياته، من أمينه أحمد ود سليمان أن يشغل به أهله الأشراف؟! وما هو خبر تلك "الجَّماعة"، من دون النَّاس، التي عناها بقوله إنها تغيَّر حالها في كنف الخليفة، فـ "أكلت" مِمَّا يأكل، و"لبست" نساؤها مِمَّا تلبس نساؤه؟! أفلا يشير بذلك إلى "الحزب التعايشي" الذي انبجس كالدمِّل في خاصرة "الثَّورة" و"الدَّولة"؟! وأيُّ "مجلس" ذاك الذي صار كلُّ من حضره "ملكاً" في "النَّاس"؟! أهو شئ آخر غير "الأوتوقراطيَّة" تختزل الطاقة الثَّوريَّة إلى محض طاعة قسريَّة؟! وكيف تحوَّل "الفــداء" و"النُّصـرة" من بذل طوعي عند الكادحين "في شان الله"، إلى مجرَّد "ثمن" مخبوء في ملابسات "اللبن والعصيدة" عند النُّخبة العشائريَّة المتحلقة حول مركز الحكم في أم درمان، لا تستنكف، إذا حَزَبَ الأمر، أن تقايض به ولاءها للخليفة، بلا أدنى استحياء، وفى عين مجلس شوراه: "ليس بكثير عليك إذا نصرناك وفديناك"؟! وعموماً، هل كان الزَّاكي عثمان "عنزة" المهديَّة "الفاردة"، أم الانعكاس الحي، الأكثر اكتمالاً وصراحة، لتخثُّر الأحوال في دولة أولئك الأجداد العظماء، أواخر عهدها، وتحت الخيوط الأخيرة لشمسها الغاربة على مشارف القرن التَّاسع عشر، مِمَّا جعل الشُّكوك تساور عثمان شيخ الدِّين حتَّى في جاهزيَّة "أولاد العرب" من "الرَّاية الزَّرقاء"، الذين لم يكن من الممكن الشَّكُّ فيهم في ما مضى، فيستمسك في مجلس الحرب بقيادة "الملازميَّة" حين أحسَّ برغبة الفتى الرِّزيقي إبراهيم الخليل في تولى قيادتهم:

ــ "أرباعي أنا ما بدِّيها، البمسك العرب ديل في الليل منو"؟!

وهى ذات الشُّكوك التي دفعت، مع الفارق، بمقاتلين أشاوس في قامة على دينار وموسى مادبو للانفصال عن ميدان المعركة حين حمى وطيسها (عصمت زلفو؛ كرري، ص  410 ـ 419 ـ 420)، وبرجال مخلصين مثل بابكر بدري ومختار محمد العامل وغيرهم ليولوها ظهورهم ".. فأصدقك أنى الذي كنت أتعرَّض للوابورات، ولا أبالى بلقاء الجَّيش، والذي كنت هاجرت لفتح حلفا من ضمن تسعة رجال فقط، صرت اليوم أدعك وجهي في الرَّمـلة كـأنـي إذا دخـل رأسـي فـي الرَّمـلة لا أمـوت!" (بابكر بدري؛ تاريـخ حـيـاتى، ج 1 "1279 ـ 1316 هـ"، ص 180).

أهميَّة هذه التَّساؤلات تكمن، بلا شكٍّ، في إلحاح الحاجة لإعادة كتابة تاريخنا بمنهج التَّحليل العلمي الذي يتَّسم بالأمانة والشَّجاعة في مواجهة الحقائق الباردة، لا برؤيتها من خلال أبخرة العاطفة السَّاخنة التي لا تؤدِّى سوى إلى تزييفها أو، في أفضل الأحوال، إلى التَّغافل، وغضِّ الطرف عنها، بدعوى "حب الأوطان"! فليس في إهدار الحقيقة، أو لفلفتها في طوايا العاطفة السَّاذجة، أيُّ قدر من "الحب"! بل إن من مقتضيات "حبِّنا" لأجدادنا أن نتبصَّر تاريخهم، كي نتأهَّل لاقتفائه بالانتباهة الواجبة، صعوداً إلى المراقي التي تاقوا إليها، لا أن ننبطح عليه، لنبقى أبد الدَّهر بين حفر الغفلة، فلكأن التَّاريخ يبدأ كلَّ صباح من صفر كبير! وما أثمن ما فاتنا، بسبب ذلك، من دروس وعِبَر!

(2)

يُعتبر الشَّيخ الأنصاري الجَّليل بابكر بدري ممَّن لا تثريب علينا إن ركنَّا لإفاداتهم، في معرض بحثنا عن إجابات شافية على هذه الأسئلة حول العلاقات السِّياسيَّة، والحراك الاجتماعي، في إطار "المهديَّة الدَّولة"، على أخريات أيَّامها، خصوصاً في حاضرتها "أم درمان". فهو من أبناء المهديَّة الأوفياء، ومن الثِّقات المشهود لهم بسعة الأفق، وحضور الذَّاكرة، وعمق الإدراك لقيمة التَّاريخ، وعدل الشَّهادة ولو على النَّفس. وفى كتابه القيِّم "تاريخ حياتي" لم يشأ أن يجنح لأسلوب التفجُّع الكاسد من حادثات الدَّهر، أو التَّباهي الكذوب بالوقائع الملفَّقة، بل جابَه الحقائق، حلوها ومُرَّها، باستقامة نادرة، وإحساس بأمانة التَّدوين فريد. وعَرَضَ لحقائق عصره بما يضمن لكلِّ من ألقى السَّمع وهو شهيد جلاء العِبْرة وحسن الاعتبار بالمهديَّة: ما هيَّأ لصعود "ثورتها"، وما أفضى لانكسار "دولتها". ولم يفت الشَّيخ الجَّليل أن يؤكد على أن فكرته من وراء ذلك هي أن "حوادث التَّاريخ تكتب للاقتداء بها حسناً وقبيحاً".

في مذكِّراته روى الشَّيخ بابكر جملة وقائع عميقة المغزى، كبيرة الدَّلالة، ينتمي بعضها إلى مناخ النهوض الثَّوري، كاجتياح جحافل الأنصار المظفَّرة الخرطوم المحرَّرة من دنس التُّرك، وحمل الشباب ما كانوا يجدون في المنازل من غنائم المال، والذَّهب، والزَّبيب، والسَّمن، ودقيق الذُّرة، والقمح، واللحم المقدَّد، يودعونه بيت المال، دون أن يمسَّوا شيئاً منه، فما كانوا يفرِّقون بينه وبين الجَّنائز! ويتساءل، متعجِّباً، من تلك الدَّوافع الذَّاتيَّة التي تصرف شابَّاً في الثَّالثة والعشرين، وله زوجة، ويرجـو الأولاد، لكـن رجـاء ما عند الله صرفه عن الغنائم (نفسه، ص 37). ومن وقائع ذلك المناخ، أيضاً، توجُّه جيش ود النِّجومي شمالاً، وفيه الشَّيخ نفسه وأهله، لفتح مصر، بذات قوَّة اليقين لدى الجَّميع، رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً، فما نكصوا عن تضحية، بالغاً ما بلغت حلاوة الروح، ولا بهرجوا يوم دواس والموت أقرب من شراك النَّعل. فكانوا يقتاتون من عروق البامية، يستحلون طعمها ولا يأنفون من لزوجتها، ويتحمَّلون العطش دون أن يقتربوا من النَّهر حذر سلاح الوابورات، وفيهم العم المجروح، والصهر المضروب، والشقيقة المريضة، والشقيق الذي يلفظ أنفاسه، فيدفنه شقيقه دفناً رخيصاً بلا غسل، ولا صلاة، والكلُّ في مجاعة، وعدم أمن، وفقدان نصر، بينما الأمهات يردِّدن بيقين تام: "في شان الله .. في شان الله"! ويتساءل الشَّيخ متعجِّباً، هنا أيضاً، من قوَّة هذه العقيدة (تاريخ حياتي ، ص 60 ـ 62).

ثمَّ يعود الشَّيخ من حملة ود النِّجومي إلى أم درمان، ولكن في مناخ "التحوُّل" من "النُّهوض الثَّوري"، ورسوخ "يقين الثَّوار"، ونصاعة الطهارة المطلقة، إلى "ترهُّل الدَّولة" المزري، وشحِّ النَّفس المفضي إلى الوهن، وبطر السُّلطة الأمَّارة بالسُّوء والفساد. وفى هذا الجزء من مذكِّراته يُعرِّى الشَّيخ بابكر مقابح العصبيَّة القبيليَّة، والاستعلاء الجِّهوي، حين ينشبان في مفاصل الحكم، فيندلع جحيم "الدَّولة" في هشيم "الثَّورة"، ملتهماً كلَّ شىء، حتَّى القيم الملهمـة، وحـتَّى الأبناء المخلصين.

هكذا روى شيخ بابكر طرفاً من التَّجاوزات الماليَّة والإداريَّة التي لا يعتدل معها ميزان، ولا يستقيم تحت طغيانها عدل، والتي كان أبطالها فيالق "الجِّهاديَّة"، وجباة العشور، ينخرون، كما السُّوس، في هيكل الدَّولة، لتستشري المظالم الاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، في أجواء قمعهم السِّياسي، واستبدادهم الإثني والجِّهوي، وساق حكايات عن سوء استغلال "الجِّهاديَّة" و"ملازميَّة السُّور" لنفوذهم، واستقوائهم بالسُّلطة، لسلب النَّاس أموالهم، وعن استشراء الفساد، والرَّشاوي، في الزَّرائب، والموارد، والأسواق، وبيت المال، ومن لا يخضع للجِّباية يتعرَّض للتَّنكيل أمام النَّاس، وفي وضح النَّهار، فيُضرب كالبعير، وتُمزَّق جبته، فتتضاءل معنويات الرِّجال، وتتحطم أفئدتهم، وتتقفَّع ذواتهم، وتضمر شخصياتهم!

ويتَّخذ الشَّيخُ بابكر موقفاً نقديَّاً صارماً من سياسات "الحزب التَّعايشي" الحاكم، والقائمة في التَّقريب والإبعاد، والإحلال والإبدال، مهدرة المعايير الثَّوريَّة لحساب الولاءات العشائريَّة الضَّيِّقة، والتَّقديرات الأوتوقراطيَّة المعزولة، وضرب مثلاً لذلك برجال جرى تقريبهم على هذه الأسس الواهية فخانوا، بينما خيرة الرِّجال استبعدوا، واستُبدل آخرون بهم، لا لأيِّ اعتبار سوى الثِّقة، كلِّ الثَّقة، في أهل الولاء مهما تدنَّت قدراتهم، والاسترابة، كلِّ الاسترابة، في من عداهم، بالغة ما بلغت كفاءاتهم! 

بالمقابل، لا يستنكف الشَّيخ، وهو يتحرَّى الصِّدق وأمانة الشَّهادة حتى على النَّفس، أن يقرَّ، في بعض الوقائع، باضطِّراره للتورُّط، ضمن تجار آخرين، في رشاوي وفساد مالي، مبرِّراً ذلك "بكثرة الرُّسوم الموضوعة من الحكومة على البضائع، بحيث لو يدفعها التَّاجر تماماً لم يبق له من رأس المال إلا سبعة أجزاء من ستِّين جزءاً"! ثمَّ يتساءل عمَّن ينكر عليهم، بعد هذا، ممارسة الرَّشوة وسرقة الرُّسوم! (نفسه، ص 151).                                                                               

(3)

وفَّرت "المهديَّة" أيديولوجيَّة النُّهوض الثَّوري المناسبة، في خواتيم القرن التَّاسع عشر، لجميع الشُّعوب السُّودانيَّة، فغدت، في مواجهة الحكم التُّركي، قوَّة مادِّيَّة لا تُكسر، ولا تُقهر. ومن ثمَّ كانت "المهديَّة الثَّورة"، تحت قيادة سيِّدي الإمام عليه السَّلام، إنجازاً جمعيَّاً توفَّر له، بمستوى رفيع من التحقُّق، شرطه الذَّاتي المتوطن في قوَّة الإيمان بالفكرة، وعدالة القضيَّة التي جاهد الثُّوَّار في سبيلها، و"وحدة" المجتمع/الجَّيش في "تعدُّد" راياته، فضلاً عن الدَّرجة العالية من الانضباط العام القائم في قيَم ومبادئ التجرُّد، والفداء، والزُّهد، والإخاء، والمساواة، والعدل بين الصُّفوف المتراصَّة المتماسكة، قيادة وقاعدة.

ومع ذلك كان سوس العصبيَّة، والاستعلاء، والأوتوقراطيَّة، كفيلاً، في مرحلة "المهديَّة الدَّولة"، بأن ينخر في هذا البنيان، رغم متانته، ويهئ للفساد المالي والإداري البيئة الأكثر ملائمة كي يستشري، ويهوي بدولتنا الوطنيَّة الموحَّدة الأولى إلى الهزيمة في أسفل سافلين.

على أن الدَّرس المستفاد هو أن تلك الهزيمة لم تقع في كرري صباح الثَّاني من سبتمبر 1898م، فقط، بل ظلت تقع، في الحقيقة، رويداً رويداً، طوال الفترة الزَّمنيَّة الممتدَّة منذ نهاية "الثَّورة" وبداية "الدَّولة"!