تعليقات في السياسة الداخلية

التعديل الوزاري لا يغير من طبيعة النظام الرأسمالي الطفيلي وسياساته المدمرة

التعديل الوزاري الذي قام رئيس الجمهورية في العاشر من سبتمبر 2018، ليس حلا للحكومة كما ذكر، بل هو تغيير وتعديل في عدد من المناصب الوزارية وفي رئاسة الجمهورية وإعفاء للبعض وتعيين لآخرين في محاولة لايهام الشعب السوداني، بأن هذا تغيير جذري في نظام الحكم وإدارته وسياساته ذرا للرماد في العيون ولامتصاص الغضب الجماهيري المُتصاعد.

يقول البشير: (إن الهدف من هذه الخطوة هو تشكيل حكومة فعالة ورشيقة تستجيب لمتطلبات الشعب السوداني في حياة حرة كريمة وإعادة الأمل إليه) غير أن الواقع المُعاش يقول إنها خطوة أُجبرت الحكومة قسرا على إتخاذها لأنها عجزت حتى عن سداد مرتبات العاملين، واستحقاقات المعاشيين لمواجهة عيد الأضحى، ناهيك، عن تغطية التزاماتها تجاه الجيش العرمرم في جهاز الدولة، وهذا ما لم يحدث في تأريخ السودان القديم والحديث.

هذا التعديل هو تعبير في الواقع عن عُمق الأزمة وما وصل إليه الحال في البلاد من مآل كارثي.

مع ذلك وبالرغم منه فأن مقدرة الحكومات على إدارة الحكم لا تُقاس برشاقتها، كما يقول البشير، بل بالسياسات التي ترتكز عليها والبرامج والخطط القائمة على التخطيط العلمي الذي تنطلق منه لتنفيذ هذه السياسات.

رئيس الجمهورية لا يأتي بجديد بهذا التعديل الوزاري، وهو أول من يعلم ذلك، لأنه في ظل رئاسته للنظام الطفيلي المتأسلم خلال ما يقارب الـ30 عاما، قام بأكثر من ثلاثين تعديلا وزاريا منها احد وعشرين تعديلا في الفترة (9/7/1989-18/5/2003) قبل انفصال الجنوب.

(راجع كتاب: (حكومات السودان، 50عاما من التململ والقلق الوزاري- للأستاذ عبد الباسط سبدرات).

كل هذه التعديلات لم تُفلح في حل أزمة الوطن ولم تنجح في وقف التدهور الاقتصادي الذي شارف حافة الانهيار ولا في رفع المعاناة عن شعبه، بل فاقمت منها جميعا وجعلت حياة المواطن كمن يصارع الأمواج العالية المتلاطمة التي تكاد أن تكتم أنفاسه.

مع ذلك، فانها ابعد ما تكون عن الرشاقة التي عناها رئيس الجمهورية. لان الانظمة الديكتاتورية الشمولية بطبيعتها هذه البعيدة عن الشعب بل والمعادية له والمُستخفة بمقدراته عن قصد ومع سبق الاصرار ، لا تعرف الرشاقة، وتعتمد في تشكيل حكوماتها على الترضيات والفساد والإفساد والإغواء والإغراء بالمناصب وغيرها. تأكيدا لما نقول، فان عدد الوزراء في حكومات السفاح نميري الثمانية عشرة حكومة والتي حكمت البلاد من 25 مايو 1969م وحتى انتفاضة مارس/ابريل المجيدة في 1985م كان عدد وزرائها يتراوح بين 21 وزيرا و 38 وزيرا بمتوسط لا يقل عن 28 وزيرا للحكومة الواحدة، غير وزراء الدولة:

في ظل النظام الطفيلي الراهن فان متوسط عدد الوزراء في الحكومة الواحدة يتراوح ما بين واحد وعشرين و 42 وزيرا بمتوسط يفوق الثلاثين وزيرا للوزارة الواحدة.

اما في ظل الحكومات غير العسكرية فان عدد الوزراء في معظم الوزارات لا يتجاوز الثمانية عشرة وزيرا في المتوسط. فالحكومات الوطنية الخمس الاولى التي حكمت البلاد في الفترة بين 19 يناير 1954- 18 نوفمبر 1958م لم يتجاوز العدد الذي اشرنا اليه. فالحكومة الوطنية الاولى كان عدد وزرائها 18 وزيرا، والثانية 14وزيرا والثالثة 11 وزيرا والرابعة 14 وزيرا والخامسة 17 وزيرا. (راجع نفس المصدر).

ان التشكيل الوزاري الجديد الذي يصفه البشير بالرشاقة، يتوارى خجلا امام حكومات ما بعد الاستقلال الخمس ومعظم الحكومات المدنية التي تعاقبت على الحكم كانت حكومات قليلة التكلفة ولا تضم في داخلها في معظمها- وزراء دولة، اكثر من اثنين، وهذا ينطبق على اقل من خمس حكومات حكمت في فترة الديمقراطية.

في ظل الحكومات العسكرية- باستثناء- حكم عبود- نجد عدد وزراء الدولة في ظل نظام السفاح الفاسد نميري قد بلغ ستة عشرة وزيرا في الحكومة الواحدة. وفي ظل النظام الطفيلي الراهن بلغ عدد وزراء الدولة في التعديل الرابع عشر اربعة واربعين(44) وزيرا.

(راجع نفس المصدر)

اما حديث رئيس الجمهورية عن التخفيض الذي اجراه في عدد النواب في المجالس الولائية وفي وزراء حكوماتها من 8 الى 5 وزراء ، والالغاء المتوقع لعدد من المعتمدين ورؤساء المحليات البالغ 189 محلية ..الخ.. فهو لا يؤثر في ادارة نظام الحكم في شئ فمعظمهم فوائض لا عمل لهم، لأن جيش الجراء هذا لم يُسهم بأي قدر يُذكر في تنمية وتطوير واستقرار الولايات او ساعد في وقف الحروب والصراعات القبلية فيها، ولم ينجز مشروعاً واحداً- يُذكر- صناعيا او زراعيا في اية ولاية من تلك الولايات. عكس ذلك، كان هذا الجيش العرمرم بمثابة(القُراد) الذي امتص رحيق حياة المواطنين في معظم الولايات ودمر العديد من المشاريع القائمة اصلا فيها عبر الاهمال والفساد والجهل.

هذا الامر متوقع في ظل احتكار رئاسة الجمهورية لحق الجماهير الولائية في اختيار ولاتها والقائمين على امرها بالتعديل الدستوري الذي منح رئيس الجمهورية حق تعيين الولاة واقصائهم من مناصبهم بعيدا عن رأي مواطني الولاية او حتى مشاوتهم فى الوالى الذى يتحكم فى مصائرهم ومصير الولاية حتى لو تم تعيينه من خارج الولاية او من غير ابنائها، ورئيس الجمهورية لا يخضع لاي مساءلةٍ في ذلك بنص الدستور.

ولهذا بدلا من ان يكون الحكم المحلي خيرا وبركة على جماهير الولاية، باختصاره للظل الاداري، وبعد ان كان لهم رأي في الوالي لانهم هم الذين ينتخبوه ولهم حق إقالته، تم تجريدهم من هذا الحق الديمقراطي. ولهذا اصبح الحكم الولائي عبئا ثقيلا يجثم على صدورهم، يمتص فائض انتاجهم المفترض صرفه على التنمية والخدمات في الولاية ويخطف اللقمة من افواهمم مع العجز التام عن تقديم ابسط الخدمات التي يحتاجها الانسان ليعيش حياة تختلف عن تلك التي يعيشها الحيوان والتي يمارسونها الآن.

هذه (الفرقعة) الاعلامية عن التشكيل الوزاري التي قام بها حزب المؤتمر الوطني الحاكم، لا تقل عن تلك التي قام بها لمحاربة الفساد (والقطط السمان) ولا تتعدى المحاولة البائسة لامتصاص غضب الجماهير. وكما فشلت تلك الحملة في (استغفال) شعب السودان، فان هذه ستواجه ذات المصير. فما بُنى على باطلٍ فهو باطلٌ.

هذه التعديلات – شأن سابقاتها- لم تمس جوهر سياسات النظام وثوابته ولم تتطرق من بعيد او قريب للأسباب الأساسية للازمة. وهذا امرٌ مقصودٌ ومتعمدٌ حتى لا يُدخل النظام نفسه في تصريحات تناقض طبيعتة الطبقية الطفيلية وممارساته التي اصبحت مكشوفة للقاصى والداني.

في مثل هذا المنعرج السياسي الحاد، لابد لنا من تذكير جماهير شعبنا بالمواقف الميدانية للحزب الشيوعي من هذه الازمة وكيفية حلها.

ان ما يؤكد بعد نظر الحزب الشيوعي السوداني وجدِّيته ومصداقيَّته امام الشعب السوداني هو قراءته العلمية للواقع والخروج منها بالاستنتاجات السليمة والحلول التي تُسهم مع بقية الوطنيين المخلصين من ابناء شعبنا في كيفية الخروج من الازمة الطاحنة التي يعيشها الوطن.

ان الازمة التي تعيشها البلاد ليست بسبب رشاقة هذه الحكومة او تلك، بل كما جاء في التقرير السياسي الذي اجازه المؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوداني تُعبِّر عن نفسها في إهدار الموارد التي اُتيحت لدولة الرأسمالية الطفيلية والتي لم تتاح لاي نظام في تاريخ السودان الحديث او القديم. وباعتراف وزير المالية فانها اهدرت في استيراد الكريمات والزهور والطيور والعطور وفي بناء العمارات الشاهقة والابراج العالية. ولو انها خُصِّصت لزيادة الانتاج من السكر وزيوت الطعام لما عايشنا هذه الظروف. واذا اخذنا عائد صادرات البترول في التسع سنوات من 2001م وحتى 2010م نجد انه وفقا لارقام صندوق النقد الدولي قد بلغت 54.2 مليار دولار. وهي كافية اذا ما استخدمت للتنمية ان تحدث طفرة إنمائية كاملة في السودان. واذا استخدم نصفها فقط في التنمية فان معدل الصرف على التنمية خلال 9 سنوات سيكون 3مليار دولار سنويا وهي كافية بكل المقاييس لإحداث نهضة في الزراعة والصناعة والخدمات، كان من الممكن عن طريقها اصلاح مشاريع الزراعة المروية وفي مقدمتها مشروع الجزيرة والمناقل وإحداث تحوُّلٍ نوعيٍ في التنمية المتوازنة في الولايات المختلفة يزيل اساب الحروب الاهلية ويحدث طفرة حقيقية في تنمية الريف والمناطق المهمشة جميعها. ولكنها وفقا لسياسة شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المعادية للانتاج استخدمت في الصرف البذخي والرشاوي السياسية وشن الحرب على شعب السودان المطالب بحقوقه في التنمية والتي كان من الممكن ان تنجزها عائدات البترول.

وفي المقابل نجد ان النظام لجأ للإقتراض من الخارج لبناء الطرق والكباري والامداد المائي والكهرباء في المدن- رغم انها لم تنجز بالصورة المطلوبة، الشئ الذي ادى للمعاناة الحالية بسبب اعطال الكباري وشح المياه والكهرباء وانسداد المجاري في معظم الطرق بما فيها الرئيسية في عاصمة البلاد في اول مطرة تشهدها البلاد، بصورة تعيق حركة المواصلات وحتى السير على الاقدام.

هذا التسوُّل من الخارج يعطي صورة دامغة للاعتماد الكامل على الاقتراض الاجنبي مما جعل مديونية السودان ترتفع الى 46  مليار دولار في العام 2010م. ان موازنة العام 2018م والتي انهارت في الربع الاول من العام الذي أُجيزت فيه يؤكد استحالة إحداث أي إصلاح زراعي او صناعي او خدمي في ظل السياسة الاقتصادية لشريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة.

يُفاقم من هذا الوضع الاصرار على استمرار الحروب والصرف عليها بالمليارات وانعدام الديمقراطية وقهر الشعب واقصائه من المشاركة في مؤسسات اتخاذ القرار بتزييف ارادته في الانتخابات العامة بل وحتى في انتخابات النقابات التي تدافع عن مطالبه وحقوقه المشروعة.

يُعمِّق من الازمة ويُعيد انتاجها بصورة اكثر مرارة وقسوة تصل حد الكارثة، تبعية النظام وخضوعه لحكومات البلدان الرأسمالية العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية والانصياع لتوصيات صندوق النقد والبنك الدوليين اللذان فرضا الخصخصة التي اضرت بمصالح الرأسمالية الوطنية المسثمرة في الزراعة والصناعة معاً، وبإهدار ممتلكات الشعب وبيعها بأبخس الاثمان. كما اضرت بالعاملين من عمال ومهنيين وموظفين، وبالانتاج الوطني نفسه وبايرادات الدولة.

البشير في اعلانه للتعديل الوزاري لم يأتي على ذكر هذه القضايا، ولم يقل كلمة واحدة عن التنمية او رفع المعاناة عن الشعب او كيف سيوقف الانهيار الذي اوشك ان يطيح بالاقتصاد كله. بل حصر نفسه- كالعادة- عن قصدٍ وعمدٍ في الشعارات العامة التي لا تُثمن ولا تُغني من جوع.

نستطيع ان نقول ان التعديل الوزاري الجديد سيكون مثل ما سبقته من تعديلات بهدف امتصاص غضب الجماهير المُتصاعد.

لقد كشف شعب السودان بتجاربه مع هذا النظام طوال ما يقارب الثلاثين عاما محتوى وأبعاد هذه الشعارات المُخادعة ورأي كيف احترقت في معمعان الصراع والتجارب العملية مثل(نأكل ما نزرع ونلبس مما نصنع) و(الزراعة هي قاطرة التنمية والتطور في السودان.. إلخ)  وتأكد ان الطريق لايقاف اهدار الموارد يمر عبر اسقاط نظام شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة لانه الطريق الوحيد لتوجيه موارد البلاد نحو التنمية عن طريق الاستثمار في الانتاج الزراعي والصناعي والخدمات الاساسية وازالة التشوهات الإنمائية التي احدثتها التنمية غير المتوازنة في اقاليم السودان المختلفة وتسببت في الصراعات الاقليمية والحروب الاهلية.

وهكذا يرتبط الخروج من الازمة الاقتصادية بعودة الديمقراطية واستدامة السلام.