سحرُ الماركسيّة في القرن الواحد والعشرين(2/2)

أسعد أبو خليل

أنفقت أميركا وحليفاتها في العالم العربي الكثير لتشويه الماركسيّة

يذكرُ كلُّ مَن مرَّ على الماركسيّة كيف كانت تجربته الأولى معها. يذكرُ وقع كلماتها وفكرها الخاص عليه: هي ليست كملامسة أوّل حبيبة لكنها تبقى محفورة حتى في ذاكرة مَن يتخلّى عنها لأسباب انتهازيّة. وهي في المجتمع العربي كانت، حتى سنين خلت، من المُحرّمات، وكان حاملها يتعرّض لعقوبة السجن والتعذيب. هي لم تعدْ مقبولة (نظريّاً وعن بعد) إلّا بعد أن زالت الأنظمة التي حكمت باسمها، خصوصاً بعد زوال الاتحاد السوفياتي.

لكن افتقار العالم العربي إلى تراث ماركسي خاص به يعود أيضاً إلى عدم وجود أرض خصبة لنموّ الماركسيّة ليس فقط بسبب القمع المحلّي والخارجي بل بسبب أمراض شابت تجارب الأحزاب الشيوعيّة العربيّة: من القبول بتقسيم فلسطين إلى الدعوة إلى الصراع السلمي المبكر ضد الصهيونيّة إلى التلكؤ في المساهمة في المقاومة العسكريّة ضد إسرائيل إلى التكلّسات الستالينيّة في بنية الأحزاب الشيوعيّة العربيّة. كل ذلك لم يعطِ صورة حسنة للناس عن الشيوعيّة. أما الأحزاب الشيوعيّة العالميّة فكانت إما ملتزمة بالموقف السوفياتي من حصر المطالب العربيّة بـ«إزالة آثار العدوان» والتعايش السلمي مع العدوّ أو هي كانت أحزاب مستقلّة عن موسكو لكن غارقة في الصهيونيّة، مثل الأحزاب الشيوعيّة والاشتراكيّة في أوروبا الغربيّة.

والأحزاب الشيوعيّة كانت تُحارَب بالإسلام من دون أن تردّ عن موقف الماركسيّة الحقيقي —وليس التلفيقي— من الدين، كل الأديان وليس بعضها، على طريقة الإلحاد الغربي الجديد المُصاب بالإسلاموفوبيا. وأعداء الشيوعيّة لم يروا فيها إلا إلحاداً كأن ثراء الفكر الشيوعي يُختزل بما يوافق الدعاية ضدّه. تشكّل في عام ١٩٢٨ في بيروت، وفي عام ١٩٢٩ في البصرة تنظيم «الأحرار»، لكن التنظيم لم يُعرف إلا بالاسم الذي أطلقه عليه أعداؤه، أي «الحزب الحرّ اللاديني»، والذي يصفه حنا بطاطو بأنه أوّل تنظيم سياسي للشيوعيّين العرب في المشرق (3)

البيان الشيوعي مكتوب كقطعة أدبيّة وقد طُبع ووزّع ونُشر ربّما أكثر من أي كتاب آخر ما عدا الكتب الدينيّة المقدّسة. وقد ألهم البيان ملايين البشر وأدّى إلى نشوء حركات وأحزاب واشتعال ثورات في كل أرجاء الأرض. والكتاب الصغير كان مقرّراً في كل الأحزاب والتنظيمات الشيوعيّة حول العالم، وكان أيضاً معتمداً في أجهزة الشرطة السريّة التي شكّلت هاجساً —كما توقّع البيان— لدول الرأسماليّة الغربيّة، وفي كل دول العالم في ما بعد. وقع كلمات البيان تصديق نبوءة ماركس في «نقد فلسفة الحق عند هيغل»، بأن النظريّة تصبح قوّة ماديّة متى تلقّفتها أيدي الجماهير. والبيان ساهم بصورة مباشرة في إرشاد ملايين البشر للأمل في تغيير جذري في الحياة الماديّة. لكن السؤال الذي يطرحه أعداء الماركسيّة، خصوصاً من معتنقيها السابقين، يكمن في راهنيّة الماركسيّة في القرن الواحد والعشرين. وكلٌّ يجد طريقته للحكم بعقم الماركسيّة: عبد الكريم مروّة مثلاً ينصح بالركون إلى الدولة الرأسماليّة نفسها كـ«ناظم للمجتمع» وأن لا حاجة لثورة اشتراكيّة لأن الدولة —هو يعني فؤاد السنيورة على الأرجح— تقوم بالحد من الجشع والاحتكار الحاد (4). أما فالح عبد الجبّار، فهو بعد أن يشكو من القصور النظري للينين، وأنغلز، وستالين (لا يؤاخذه لينين وأنغلز وستالين)، يلومُ الماركسيّة الميّتة ويرى أن الرأسمالية العالميّة باتت تتصف بـ«العمل الجماعي»، أي إن الكل يتعاون لإنقاذ الجزء، ولو في العالم الثالث، ما يعطي للرأسماليّة الحديثة طابع الجمعيّة الخيريّة (5). وفي نظر عبد الجبّار إن الجانب غير الاقتصادي من العولمة يعطي الشركات العملاقة سلطة «فوق سلطة الدولة»، لكن هل سلطة الدولة الرأسماليّة في المركز الغربي لا تتطابق مع مصالح تلك الشركات ولا تنسّق سياساتها معها؟ وهل الشركات العملاقة تتناقض مع جهور الرأسماليّة ونمط سيطرتها الطبقي؟

 

العربي (والعربيّة) لم يكن محظيّاً في تلقّي الماركسيّة من الاتحاد السوفياتي

إن راهنيّة الماركسيّة باتت مطروحة اليوم على الصعيد الغربي بسبب الأزمة الاقتصاديّة العالميّة، وبسبب تخفيض منسوب الرعاية الاجتماعيّة في كل الدول الرأسماليّة الغربيّة. والدراسات الجديدة عن التفاوت المتزايد في مستويات الدخل أعاد طرح مفاهيم اشتراكيّة مرّة جديدة، كما فعلت الأزمة الاقتصاديّة العالميّة في عام ١٩٢٩، والتي ولّدت دولة «الصفقة الجديدة»، كما يصفون دولة الرعاية الاجتماعيّة في أميركا. وكتاب توماس بيكيتي لم يفاجئْ قرّاء الغرب بسبب إشاراته إلى الأزمات الاقتصاديّة المتكرّرة للرأسماليّة، بل لأنه أظهر أن الرفاه الاقتصادي والتخفيف من مستويات الدخل بين الطبقات كان الاستثناء وليس القاعدة في تاريخ صراع الطبقات في الغرب (مع أن بيكيتي ليس ماركسيّاً البتّة وأخذ على ماركس، من جملة ما أخذ، أن تجميعه للمعلومات في البحث الأكاديمي في القرن التاسع عشر لم يراعِ معايير البحث الأكاديمي في القرن الواحد والعشرين). لقد دمّرت الحرب العالميّة الأولى طبقة كبيرة من الأثرياء في أميركا وفي العالم، كما حصل أيضاً بعد الحرب العالميّة الثانية. وزيادة حصّة دخل الطبقة المتوسّطة كان استثنائيّاً بعد الحربيْن أيضاً. وزيادة الريع على الثروات بالنسبة إلى زيادة الأجور تبقى مطردة حسب دراسة بيكيتي التاريخيّة.

أما أكاديميّاً، فتأثير الماركسيّة هائل في الجامعات الغربيّة والشرقيّة إلا في العالم العربي. في الجامعات الغربيّة، بقي تأثير الماركسيّة كبيراً في الجامعات منذ أوائل القرن العشرين. أذكر أننا سألنا مرّة ألبرت حوراني وهو في زيارة إلى جامعة جورجتاون عن تأثير الماركسيّة عليه فقال: كل الذين درسوا في جامعة أوكسفورد أو كمبردج من أبناء جليلي تعرّضوا على أقل تقدير إلى «رشّة» من الماركسيّة بسبب نفوذها. وتدور اليوم في الجامعات نقاشات مستجدّة حول الماركسيّة، وترى في أميركا مثلاً أن تأثير الماركسيّة لا يزال كبيراً في دوائر: اللغات الحديثة، النقد الأدبي، الفلسفة السياسيّة، التاريخ، الانثروبولوجيا، وقد يكون الأكبر في علم الاجتماع (حضرتُ قبل سنوات مع صديقة المؤتمر السنوي لاتحاد علماء الاجتماع وكان مذهلاً أن ماركس أو فروع الماركسيّة كانت موجودة في كل الحلقات الدراسيّة في المؤتمر). صحيح، لا تزال الماركسيّة مُحاربة في كليّات الاقتصاد والقانون والسياسة (مع بعض الاستثناءات في الأخيرة). أما في بريطانيا، فتجد أن الماركسيّة لا تزال ذا سحر في الأكاديميا وحتى في فروع الاقتصاد. وقد يكون تأثير الماركسيّة في العلوم أكبر إذ تجد —في الحالة الأميركيّة— أن نفوذ اليسار في فروع العلوم أقوى منه في فروع العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة (في الحرب ضد فييتنام، كانت الدوائر العلميّة أكثر تحرّكاً من الفروع الاجتماعيّة). حتى مجلة «إيكونمست» المحافظة (6) اعترفت بصوابيّة بعض من أفكار ماركس، وقالت إننا نتعلّم منه مثلاً أن الطبقة الرأسماليّة لا تتكوّن بالضرورة من مراكمي الثروات بل من «سعاة الريع» —أي الذين يسطون على عمل الآخرين ويقدّمونه على أنه منهم (7)

لكن من معالم ضعف الماركسيّة في عالمنا العربي، أن الفرد هناك لا يتلقّنها في الجامعات لأن نفوذ الماركسيّة في الجامعات العربيّة منعدم. وليس ذلك بسبب رجعيّة كل الحكومات من دون استثناء، بل بسبب سطوة القوى الرجعيّة الدينيّة على الثقافة السياسيّة والشعبيّة، كما أنه ليس للماركسيّة من رعاة في مراكز الأبحاث. إن مراكز الأبحاث العربيّة التي استقطبت الأكاديميّين العرب على مرّ العقود كانت مموّلة من العراق وليبيا والكويت والسعوديّة وقطر، وحاليّاً باتت دول الخليج تحتكر رعاية المراكز البحثيّة إلا أن إنفاقها زاد في الغرب وقلّ في الشرق لأنها تركّز على التأثير على عواصم الغرب. أي إن الفرد العربي يعثر على الماركسيّة فرديّاً ومن دون تأثير خارجي، ومع العلم الأكيد أن ذلك له مضاعفات شخصيّة ومهنيّة. يذكر المرء الذي شعر بوطأة الماركسيّة عليه فى لحظاته الأولى. أذكر أنني في سنوات الصبا سمعتُ بعض مصطلحاته، وأثار ذلك فضولي. قصدت مكتبة «أديسون» في شارع بلس وابتعتُ كتاب أوغست كارنو (وهو معروف في ألمانيا أكثر مما هو معروف في الدول الناطقة بالإنكليزيّة) عن ماركس وانجلز في أجزائه الأربعة. وكان كتابي الثاني مجلّداً ضخماً عن لينين. وليست المعرفة إلا اكتشافات لمكامن الجهل، وإدراك طرق سدّ بعضها. وكتاب يجرّ إلى آخر، وهلّم جرا. لكن المرور في التجارب الحزبيّة الشيوعيّة لم يكن يثري كثيراً في التثقيف الشيوعي. كان العضو الحزبي يقرأ نتفاً من البيان، ونتفاً من «١٨ برومير» ونتفاً من «ما العمل». أما التقارير الحزبيّة الطويلة (والمملّة) فكان يُقرأ منها الكثير والكثير، خصوصاً أنها كانت من إعداد الأمين العام بنفسه.

مرّت قبل أسابيع فقط ذكرى مرور قرنيْن على ولادة ماركس والذكرى لم تحظَ بما تستحقّ، خصوصاً في العالم العربي. رسم ماركس لنا عالماً جميلاً وإن اتصف بالخيال (بمعيار الزمن الرأسمالي): صوّرَ لنا عالماً حيث «يمكن لي أن أفعل شيئاً اليوم وآخر غداً، أن اصطاد في الصباح وأن اصطاد السمك بعد الظهر، وأن أرعى الماشية في المساء، وأنتقد بعد العشاء... من دون أن أصبح صيّاداً أو راعياً أو ناقداً» (8). لم يرسم لنا ماركس طرق الوصول لكن ذلك لا ينتقص من واقعيّة الحلم. وقد عكّر عليه يوماً مُعترض عند إلقائه لخطبة وصاحَ به: «ومَن ينظّف المراحيض» في عالمك الشيوعي؟ «أنتَ تنظّف المراحيض»، أجابه ماركس وبغضب.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+