من ذكريات النضال والتضامن

جورج بطل

بقلم/ فتحي الفضل

قبل أشهر توفى المناضل اللبناني جورج بطل وكان البطل من القيادة الشابة للحزب الشيوعي اللبناني التي تصدت لقيادة الحزب عقب تقاعد القيادة التاريخية لحزبهم في الستينات. جمعتني بالبطل عدة لقاءات قبل وبعد أحداث يوليو الدامية وكان من أصدق الأصدقاء الاوفياء للشيوعيين السودانيين، خاصة في تلك الفترة الصعبة التي مرَّ بها حزبنا وشعبنا عقب هزيمة حركة يوليو وقد لعب الراحل جورج البطل وصديقه صليبه خميس ممثل الحزب الشيوعي الاسرائيلي دورا مميزا في التضامن مع شعبنا وحزبنا إبان تلك الفترة الحرجة، خاصة ولم يكن لحزبنا ممثلا في مجلة قضايا السلم والاشتراكية وهي المركز الحي للحركة الشيوعية والعمالية في ذلك الوقت، حيث يتواجد ما يزيد عن 70 ممثلا للاحزاب الشيوعية من أوربا وافريقيا واسيا وامريكا اللاتينيه.

وكما هو معروف فأن أسرة تحرير المجلة، ورغم التمثيل الواسع للاحزاب الشيوعية والعمالية، إلا أن الرفاق السوفيت كان لهم النفوذ الأكبر في تحديد سير واتجاه التحرير، والمواد التي تنشر لذا كان هناك نوع من التعتيم على مواقف حزبنا بشكل عام، وربما ازداد ذلك التعتيم عقب المؤتمر الأخير للأحزاب الشيوعية والعمالية الذي عقد بموسكو في عام 1969 في الخريف وكان للموقف المتميِّز والمستقل الذي اعلنه الشهيد عبد الخالق محجوب في ذلك الاجتماع باسم اللجنة المركزية، لحزبنا في العديد من القضايا السودانية والإقليمية ودوره في تعميق شقة الخلاف بيننا وبين الرفاق السوفيت، ويأتي على رأس تلك القضايا الموقف من نظام مايو وبشكل أعم من أنظمة البرجوازية الصغيرة الوطنية كما رفع حزبنا في ذلك الوقت موقفه الواضح من القضية الفلسطينية، مدينا قرار التقسيم وداعيا إلى قيام الدولة العلمانية الديمقراطية على أنقاض الدولة الصهيونية التي تضم الشعبين. وكان لهذا الطرح الجرئ في تلك الفترة أن هزت المواقف المعتمة والجاهزة لبعض القوى ومن ضمنها موقف الرفاق السوفيت وبقية الدول الاشتراكية وفتحت الطريق لحوار مثمر بين الأحزاب الشيوعية والقوى القومية العربية. وأننا في تلك الأيام السوداء ودماء الشهداء الأبطال تسيل في شوارع الخرطوم اتصلنا بقيادة المجلة نطلب اجتماعا للأحزاب الحاضرة، آنذاك لتنويرهم بما يجري في السودان وطلب تصعيد التضامن مع نضال شعبنا وقد تمت تلك المبادرة بعد مقابلة مع الراحل البطل وصليبه خميس وباهار ممثل جنوب افريقيا.

وعندما تأخر الرد وبناء على اقتراح البطل وصليبه خميس تمت الدعوة لاجتماع ضم لجان الشرق الأوسط والمجموعة الافريقية والعربية العاملين بالمجلة، وكان أن مثلت الحزب في الاجتماع لغياب ممثلنا في النقابات، ولا زلت أذكر جيِّدا كلمات التضامن التي صدعت بها قاعة الاجتماعات في مقر مجلة قضايا السلام والاشتراكية، وقد كان لموقف ممثلي الحزب الشيوعي اللبناني والاسرائيلي أن خاطبنا أكثر من ثلاثين حزبا وسلمناهم تقريرا عن الوضع في السودان، وهكذا فتح لنا البطل وصليبه الطريق للاتصال بأحزاب العالم، وأذكر في تلك الايام والاسابيع التي مرت عقب اهدار دم الشيوعيين من المدنيين والعساكر، أن صحيفتي الأخبار اللبنانية الناطقة باسم الحزب الشيوعي وصحيفة الإتحاد الناطقة باسم الحزب الاسرائيلي أكثر الصحف انصافا لما يجري داخل السودان لم تكن الاخبار وحدها هي التي تملأ الصفحات الاولى؛ بل صور الشهداء الاخيرة وهم يواجهون السفاح وزبانيته وتمتلئ الصفحات الداخلية بأعذب كلمات التضامن الأممي.

وفي تلك الفترة كتب الراحل/سميح القاسم الشاعر الشيوعي الاسرائيلي أجمل قصائد التضامن مع شعبنا.