النظرية والممارسة وترجمة الكتب الماركسية

بقلم : تاج السر عثمان

أشار الأستاذ عوض عبد الرازق في وثيقته التي قدمها للمؤتمر الثاني للحركة السودانية للتحرر الوطني " الحزب الشيوعي فيما بعد " الذي انعقد في أكتوبر 1951 إلي الآتي :

" في النظرية هناك ضرورة لدراسة الماركسية أولا في مصادرها الأصلية ثم ترجمتها، بعد استقطاب أفضل العناصر ذات النفوذ والتأثير في المجتمع وصاحبة القدرات الذهنية، بدلا من تصعيد قادة العمال إلي قيادة الحركة وهم في مستوي ماركسي منخفض، وأن مكان القادة العماليين هو بين العمال في عطبرة وليس في القيادة التي تتطلب قادة بارزين في المجتمع ونالوا المزيد من الدراسة النظرية المكثفة.

   - الطبقة العاملة في البلاد مازالت طبقة وليدة تنحصر في الخدمات ( سكة حديد، بريد، موانئ، نقل نهري)، وهؤلاء جميعا دورهم مساعد وثانوي فالعمال طبقة ما زالت في طور التكوين ولم يكتمل تطورها ولن يكتمل الا في ظل الثورة الوطنية الديمقراطية التي من مسئولياتها الرئيسية تحقيق بناء صناعي واسع يجعل من العمال طبقة قائدة قادرة علي بناء حزبها الطليعي القوي الذي يسير بها والمجتمع نحو الاشتراكية . أما المزارعون فانهم يطابقون في وعيهم مستوي الإنتاج الزراعي، فالزراعة في كل السودان ما زالت زراعة اكتفائية موسمية وحتي أرقي أشكالها ( مشروع الجزيرة ومشاريع الإعاشة) لم يتشكل فيها المزارعون كطبقة اجتماعية ذات هموم ومطالب ووعي يؤهلها لتحقيق تحالف العمال والمزارعين .

   - عدم تحويل الحركة السودانية إلي حزب شيوعي والتمهل وعدم العجلة والتركيز علي نشر الفكر وترجمته للواقع والتبشير به في المجتمع ". 

  سوف نركز هنا علي ما أثاره عوض عبد الرازق حول ترجمة الكتب الماركسية ، الفكرة جيّدة فالترجمة كانت ولا زالت من أدوات نشر الفكر والمعرفة والوعي وتجارب الشعوب في مختلف ضروب المعرفة ، لكن عملية الترجمة أو ضعف حركة الطبقة العاملة والمزارعين لا تبرر عدم وجود الحزب الشيوعي الذي يعتبر ضرورة موضوعية حتي لو كانت الطبقة العاملة في شكلها الجنيني ، فمن خلال  وجوده كما أكدت التجربة لأكثر من سبعين عاما يمكن خلق الظروف الذاتية التي تؤدي إلي تحقيق تلك الأهداف ، لكن عوض بعد المؤتمر الأول في أكتوبر 1950 الذي أكد وجود الحزب المستقل  وعدم ذوبانه في الأحزاب الاتحادية، رفع شعار ضعف الطبقة العاملة وحركة المزارعين ودراسة النظرية أولا وترجمة الكتب الماركسية لتبرير تصفية الحزب الشيوعي، نأخذ مثالا لترجمة الكتب الماركسية ، في هذا الجانب لم يكن له ولمجموعته إنجاز يذكر مقارنة بما أنجزه عبد الخالق وقادة الحزب الآخرين الذين دافعوا عن وجود الحزب الشيوعي  المستقل، تم ّ إنجاز الآتي – كما ورد بعضها في منشورات دار الفكر الاشتراكي - علي سبيل المثال لا الحصر :- 

 عبدالخالق محجوب

  • ج. ليفي ..الأدب في عصر العلم
  • ستالين..الماركسية وعلم اللغة
  • تشيرنيفسكي..العلاقات الجمالية بين الواقع والفن
  • بليخانوف..النظرة الموحدة في التاريخ
  • بليخانوف..الفن والحياة الاجتماعية
  • بليخانوف..رسائل مجهول

( الترجمات أعلاه  للشهيد عبد الخالق نشر منها الأدب في عصر العلم وأعادت نشره دار عزة، والماركسية وعلم اللغة ، ومهم متابعة نشر ما تبقي منها ).

 2- الجنيد علي عمر

  • كريستوفر هل.. لينين والثورة الروسية.
  • أنطونيو غرامشي..الماركسية والثقافة الحديثة .
  • محمد عمر بشير تاريخ الحركة الوطنية في السودان مع هنري رياض وآخرين.
  • محمد عمر بشير..تطور التعليم في السودان..مع هنري رياض وآخرين.
  • محمد عمر بشير..مشكلة جنوب السودان..مع هنري رياض وآخرين..
  • الأولياء والصالحون والإسلام في السودان ، مع هنري رياض .

 (الترجمات السودانية أعلاه التي ساهم فيها الجنيد من المراجع المهمة في الحركة الوطنية  والتعليم ومسألة جنوب السودان، والصوفية في السودان).

  • عبدالرحمن عبدالرحيم الوسيلة
  • كتاب خالد
  • لينين وقضايا التحرر الوطني
  • الاشتراكية والتراث الثقافي

 4- محمد إبراهيم نقد

  • سميرنوف..الثورة المهدية 

5 - عباس علي

  • سيمون بريان  الماركسية والتعليم

6 - محمد سعيد القدال

  • جون اوبرت فول ..  تاريخ الطريقة الختمية في السودان

  إضافة إلي أن عوض عبد الرازق لم يصبر علي الديمقراطية، ولم يواصل في الحزب  ويساهم في ترقية العمل النظري  وترجمة الكتب الماركسية  ، ويدافع عن رأيه من داخلة، وهذا في حد ذاته مسلك غير ديمقراطي، اذا لم تقبل الأغلبية رأيك تنقسم وتخرج من الحزب.

   بعد ذلك انعقد المؤتمر الثاني في أكتوبر 1951م، والذي حسم الصراع الفكري الداخلي في اتجاه دراسة النظرية في ارتباط بالواقع، واستقلال الحزب وتحديد هوّيته كحزب ماركسي، وترسيخ المفهوم السليم للتحالف مع الرأسمالية الوطنية علي أساس التحالف والاستقلال السياسي والفكري والتنظيمي، وبعد المؤتمر وضعت مجموعة عوض نفسها خارج الحزب بالانقسام ، وقررت اللجنة المركزية فصل المنشقين من الحزب.

  فشل الانقساميون كما أشرنا في ترجمة الكتب الماركسية والتعليم الحزبي ،وفشلوا في تنظيم العمال والمزارعين في ظروف انتزع فيها عمال السكة الحديد تنظيمهم النقابي عام 1948 وتم تأسيس اتحاد العمال 1950 ولعب العمال دورا كبيرا في النضال النقابي والسياسي ضد الاستعمار، وفي معركة استقلال السودان. كما ناضل مزارعوا الحزيرة منذ معركة مال الاحتياطي عام 1946 من  أجل حقوقهم، وواصلوا حتي انتزعوا اتحادهم بعد موكب ميدان عبد المنعم الشهير عام 1953، وبعد ذلك تم انتزاع اتحادات المزارعين في مشاريع النيل الأبيض والأزرق والقاش وطوكر والشمالية وجبال النوبا. الخ ، كل ذلك تمّ بمساعدة الحزب الشيوعي ووجوده المستقل.  حتي في ترجمة الكتب الماركسية كانت مساهمة عبد الخالق والجنيد علي عمر والوسيلة أكبر من مساهمة مجموعة عوض عبد الرازق، وانزوى الانقسام في ركن من النسيان دون إنجاز فكري وسياسي يذكر.

  بعد انقسام عوض عبد الرازق ترسخ في الحزب الشيوعي مفهوم أن الطريق الوحيد لاستيعاب الماركسية هو بالارتباط بالواقع، فالنظرية ترشد الممارسة والممارسة تغني وتطور النظرية، وكما قال الشاعر الالماني جوته: النظرية رمادية وشجرة الحياة مخضرة دوما.

وأسس المنقسمون بعد خروجهم ( الجبهة الوطنية) وأصدروا جريدة اسبوعية وساروا علي خط أساسه الهجوم علي الحزب الشيوعي. (التيجاني الطيب : قضايا سودانية ، العدد الرابع، أبريل 1994).

  لكن الانقسام فشل في حل المشاكل التي دعا إلي حلها، وحدثت انقسامات داخل الانقسام نفسه، ، وكما عبر بدر الدين سليمان  الذي شارك في الانقسام في إحدى اللقاءات الصحفية بعد انقسام الخاتم عدلان، أن الانقسامات لا تحل مشكلة ، الأجدى حل المشاكل من داخل الحزب.