السودان : طال ليل الإنتقال

بقلم :شهاب الدين عبدالرازق

     يعيش السودان منذ استقلاله وحتي الأن مرحلة المجتمع الانتقالي في كل نشاطاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها؛ والمجتمع الانتقالي هو درجة وسيط بين مرحلة المجتمع البدائي ومرحلة المجتمع المتقدم ؛ وقد حدد عالم الإدارة الأمريكي فرد رجز سمات المجتمع الانتقالي بأنه مجتمع انتقائي في تطبيق القانون؛ وأن توزيع الخدمات فيه غير عادل؛

وأنه يعج بالفساد الاداري وبوجود مراكز قوي واضحة في المجتمع تغلب الشخصي علي العام .وبإسقاط سمات المجتمع الانتقالي سالفة الذكر علي وأقعنا نجدها متطابقة تماما مع ما يحدث في السودان منذ الاستقلال وحتي الأن، ذلك من واقع سيطرة مجموعات المصالح التي تتبادل السلطة ونموذجها الانتقالي فيما بينها، و تتوارث الفشل سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا؛ وهي باتفاقها علي حماية مصالحها تتجاوز فيما بينها تباينات العرق والدين والسياسة، وإن اختلفت ظاهريا أدواتها المعبرة عنها كأحزابها السياسية مثلا، يسندها دعم مستمر من جماعات (لوبيات) تنشط علي المستوي القاعدي في المجتمع، في شكل تنظيمات غير رسمية تدعم استمرار ثقافة حالة الانتقال، وتروج لها وتقف حجر عثرة في طريق الوعي بمجتمع القانون والمواطنة والحداثة، وهي علي خلافها كجماعات فيما بينها في بعض المصالح، إلا أنها تتفق ضمنا وسلوكا علي الهدف الاستراتيجي وهو استمرار رعاية المجتمع الانتقالي الذي يضمن لها السيطرة علي التأثير في المجتمع، مما يسهل عليها استمرار جني المكاسب الخاصة تبعا لاستمرار حالة الانتقال، وكل ما زادت فترة الانتقال كلما زادت مكاسب هذه المجموعات، وهي تدفع دائما في اتجاه عدم تشكل كتلة متماسكة وواعية ومنظمة وفاعلة ومستقلة عنها، ذات رؤيه وأهداف وبرامج موحدة، بل وأحيانا تنقلب هذه النخب علي مرحلة الانتقال نفسها إذا هددت مصالحها وترجع بمجتمعها القهقري للمرحلة البدائية، بل وتبرر لذلك، كما يتضح سياسيا في تبرير نخب الجماعة الحاكمة لإنقلاب يونيو المشؤوم، وما مثله هذا الانقلاب من ردة علي تطور السودان في كل المجالات خاصة تطور نظامه السياسي، وما تبرزه بجلاء المساعي المحمومة لتعديل الدستور السوداني، علما أن الدستور الحالي نفسه دستور انتقالي؛ كما لا تتردد بعض هذه النخب حتي ولو كانت في الصف المعارض ظاهريا في إنقاذ مجموعة الانتقال الحاكمة في اللحظة التاريخية الفاصلة لان الجماعة الحاكمة تعبر حقيقة عن استمرار المصالح الذاتية لتلك النخب التي تتدثر زيفا ثوب المعارضة، وموقفها المعارض في نفسه جزء من خطط مرحلية تهدف للسيطرة الكاملة علي فضاء الحياة العامة ،وعدم إفساح المجال لتخلق بدائل حقيقية جديدة تهدد استمرارها وبقاء نموذجها الانتقالي ، والشاهد أننا نلاحظ تقاربا متكررا ومملا ومدروسا لبعض النخب معارضة وحاكمة في وطننا كلما أطبقت الأزمة علي النموذج الانتقالي وقياداته المرحلية ؛هذا التقارب يضعف معظم المساعي الصادقة لبعض كيانات المجتمع الداعية بصدق للعبور بوطننا من حالة الانتقال الاقتصادي عبر وسائل الانتاج التقليدية إلي فضاء الصناعة والابتكار، ومن شمولية سياسية الي ديمقراطية تعددية ،ومن حالة السيولة الي دولة القانون، ومن دستور الفرد والنخبة الي دستور الشعب والأمة ، ومن دولة التمييز الي دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية، حيث الأولوية للخدمات كتطوير الرعاية الصحية وجودة والزامية التعليم وتشجيع البحث العلمي ودعمه، والاهتمام بقضايا التغذية وتحقيق الاكتفاء الذاتي في كل احتياجات المواطن الأساسية، ورفع الوعي بقضايا البيئة وتغيرات المناخ .

      هذا  التحول لن يحدث في ظل سيطرة نخب المجتمع الانتقالي علي الفضاء العام حكومة ومعارضة ؛ودفاعها المستميت عن بقاء وديمومة النموذج الانتقالي، فمعركة البقاء وضرورة استمرار مصالحها التي يعبر عنها النموذج الانتقالي تحتم عليها دائما الوقوف مع من يمثل قيادة المجتمع الانتقالي، حتي ولو كان ذلك في تعارض تام مع شعارات ظلت ترفعها وترددها لعقود عن سعيها لدولة القانون و المواطنة واحترام حقوق الانسان.

     ما سبق تشخيص أولي وعام لما نشهده في وطننا منذ الاستقلال وحتي الأن ،وقد طال بشعبنا ليل الانتقال؛ و واقع الحال يفرض دراسة علمية  دقيقة وشاملة للنموذج الانتقالي ونخبه التي تعبر عنه، علي اختلاف منابرها وأدواتها والتي عبرها تعيق تطور مجتمعنا ،وتساهم في طول أمد النموذج الانتقالي ،وتنتج وأقعا مأزوما وقابلا في أي لحظة للارتداد إلي بدائية لا تعبر عن روح العصر ومطلوبات الدولة المدنية الحديثة ،مع ضرورة تحليل الفشل الذاتي لمجتمعنا في الخروج من إسار هذه المرحلة لمجتمع متقدم، وقدرة مجتمعنا علي تكوين كتلة واعية ومنظمة وفاعلة ومستقلة ومتمددة تدير الصراع بشكل قانوني وتضغط  دائما في اتجاه تصاعدي نحو أفق المجتمع المتقدم ،وتحرس وطننا من أي ردة محتملة عن قيم دولة القانون والديمقراطية والتنمية المستدامة.