المشهد السياسي

  • الشرف الصحفي وين؟

حضرت الحكومة بكل مستوياتها، مراسم التوقيع على ميثاق الشرف الصحفي.

مما يوحي بأن المسكوت عنه هو ما تواثق عليه أهل الصحافة في قاعة الصداقة، بحضور السيد رئيس الوزراء ومدير جهاز الأمن. أنها بيعة للسلطة تحت مسمى آخر، أشبه ما تكون ببيعة اليزيد تحت حد السيف، فهل يريد منا الذين صادقوا على تبعية الصحافة للسلطة أن نُبيِّن لهم ماذا يعني ميثاق الشرف الصحفي وهم أهل حرفة وأولاد كار الصحافة التي قضوا فيها بيض سنيهم؟ حسناً سنفعل،لكن قبل ذلك دعونا نتساءل ما معنى التوقيع على ميثاق شرف في ظل وجود قانون للصحافة كبدعة انفردت بها الانقاذ، ولم تجد من يقول لها:(تلت التلاتة كم؟ فالمعروف أن الصحفي يحاكم وفق القانون الطبيعي وأمام قاضي طبيعي إذا أرتكب قضايا جنائية، ولا وجود لما يعرف بقضايا النشر في النظم الديمقراطية، لأن الصحفي وبعيداً عن التجريح وإشانة السمعة، فهو يقوم بالنشر في قضايا عامة، لا تجوز محاكمته عليها، ولا تقوم النيابات طبعاً بفتح بلاغ أصلاً في قضايا النشر، ولا تستقبل المحاكم مثل هذا النوع من البلاغات.

أمام هذا الوضع للصحفي كإنسان يسهر على توفير المعلومات الصحيحة والمتوازنة ومن مظانها الحقيقية، توصل أهل المهنة إلى ضرورة أن يتواثقوا على رعاية قيم ومبادئ طبيعية تقوم على اتجاه الشمال الجغرافي النابع من ضمير الفرد الذي يعلم أن هناك مبادئ طبيعية تتأسس عليها الحياة لا ينبغي إلا خلال بها. وهو وثيقة بلا عقوبات تتجاوز الطابع الأدبي، مثل عدم احترام من يقوم بالإخلال بهذه المبادئ، أو ربما تحرمه من عضوية النقابة كأقصى عقوبة.

في ظل وجود القانون الخاص لامعنى لميثاق شرف صحفي. إلا إذا كانت الدولة تريد من الصحفيين أن يراقبوا أنفسهم. ليس في الجنح العادية، لكن فيما يخص النشر، بمعنى آخر تريد من الصحفي أن يحمل البوليس في داخله وهو يمارس عمله المهني ، تريد منه أن يكون غشاشا وكذابا ومنافقاً، وحينها سوف يتصدى له زملاء المهنة الذين يحملون رتبا عسكرية أو دعنا نقول إنهم يشغلون وظائف أخرى تمكنهم من حيازة الأراضي وبناء الفلل السكنية الفخمة، ويسافرون إلى الصين وامريكا بذات السهولة واليسر التي يذهبون بها إلى ود الحداد أو الدبيبات.

وقبل أن يهلل المهللون لقرار السيد مدير جهاز الأمن بإلغاء البلاغات المفتوحة في مواجهة بعض الزملاء كنا نتوقع أن يتفضل أحدهم ويسأل الرجل لماذا فتحت هذه البلاغات أصلاً؟ وهي تتعارض مع الدستور؟ وتهدر أهم المبادئ التي يقوم عليها أهم بند فيه، بل يعتبر البند الوحيد الذي يقتضي وجود دستور، ونعني به بند الحريات العامة. كما أن تلك البلاغات فتحت تحت طائلة قوانين مخالفة للدستور،  والآن تم إلغاؤها كمنحة من السيد مديرالجهاز دون الاعتراف أو الإشارة إلى أنها مخالفة للدستور، ودون ضمانات أن لا تعود الجهات التي قامت بها وتدون غيرها في مواجهة الصحفيين، لكن من حضروا التوقيع وأدوا بيعة اليزيد كانوا يراقبون بطش السلطة أكثر من مراقبة ضمائرهم . 

  • سيبقى رغم سجن الموت

حين ما يريد إنسان عظيم أن يغادر هذه الدنيا ، بماذا يمكن للمرء أن يبقيه ؟ أخبروه أن لا شيئ ضروري لبغائه، ذلك يبقيه. في اتكاة على بريخت . فقد ذهب قبل 220 يوماً عن دنيانا القائد العظيم بالجيش الشعبي ياسر جعفر، لكن كانت أخر كتاباته على صفحته على الفيس بوك تؤكد وقوفه بشرفه العسكري وأرثه النضالي التليد ضد التسوية السياسية والهبوط الناعم..لذلك حينما تدافعت القوى الحية والثورية لتأبينه بدار الحزب الشيوعي أمس الأول، فأن ذلك بحسب د/ محمد يوسف محمد المصطفى القيادي بالحركة الشعبية وعضو وفدها التفاوضي في تصريح لـ"الميدان" يعني وقوف تلك القوى ضد محاولات فرض الأجندة الدولية على السودان من خلال تسوية بين الضحية والجلاد. وأن المحاولات التي يقوم بها البعض لن تنطلي عليها. وأن ما قامت به تلك القوى يُبقي ياسر جعفر في ضمير الشعب إيماناً وقدرة. فقد تعانقت في تأبينه الجبال والسهول وضفاف النيل، وكل مرتكزات الخير والحب والجمال التي كان يحملها في داخله، ويحلم من أجلها بوطن يسع التنوع والتعدد. ولذلك لوح الحضور بقبضاتهم في الهواء ومسح الرجال الدمع بكم الجلباب والنساء بأطراف الثياب، وهم يهتفون بصوت واحد، ينبعث من الكنابي وشعاب الوديان والسهول والكراكير والجزر في وسط النهر(باقٍ فينا يا ياسر)وعزفت لأجله فرقة موسيقى الجبال وكورال الحزب الشيوعي وتبادل رفاقه الكلمات القوية والعظيمة في حق رجل خرج من الدنيا مثلما دخلها أول مرة عارٍ إلا من محبة الناس الذين يعرفون فضله ويقدرون نضالاته؛ من أجل السودان الواحد.

أسرة الراحل بقيادة النقابي الجسور والده العم جعفر أكدت للجميع أن ذاك الشبل من هذا الأسد،  وتأكدت من أنها لم تفقد ياسر وحدها ولمست عن كثب أن رجلاً يفقده الجميع هو في الحقيقة لم يرحل، لكنه ذاب وجداً وتلاشى في الوطن يُلهم الأجيال القادمة أن القيادة خدمة وعطاء وليست منصبا رسميا.

  • تجنيس الناخبين

كان حزبنا محقاً تماماً حينما سمى معركة إسقاط النظام بمعركة الدفاع عن السودان نفسه. ولعل الذين نظروا إلى الأمر على أساس أنه مزايدة لا يعلمون المستوى المريع الذي وصل إليه التفريط في السيادة الوطنية، أو يعلمون ولكنهم يغضون الطرف لتجارة يصيبونها أو سلطة يلتحقون بها، حيث لم يعد سراً تزايد خطر الأجانب في السودان، بعد أن أخذ الأمر حظه من النقاش داخل الورش التي تقيمها الكتل النيابية في برلمان "الوثبة" الآن الجدال حول هل يحق للاجانب التصويت في انتخابات2020؟ بعد أن ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن بعضهم يحملون الجنسية السودانية، والسادة النواب الذين إلتحقوا بالسلطة من تحت لافتات أحزابهم، وبدلاً من أن يقفوا عند هذه النقطة الخطيرة ويطالبون وزارة الداخلية الكشف عن أبعاد هذه المؤامرة، وتحديد عدد الذين يحملون الجنسية السودانية من الأجانب وعن الأسباب التي دفعت السلطة لمنحهم لها، راحوا يختلفون حول حقهم في التصويت، وذهب البعض إلى أنه يحق لكل من يحمل الجنسية التصويت، في حين اعتبر البعض مشاركتهم في الانتخابات معبراً للفساد، لكن حصولهم على الجنسية في ذاته لم يمتلك نائب واحد الشجاعة ويسميه باسمه الحقيقي، إنه إهدار للسيادة الوطنية.

فالحكومة سوف تعتمد على الأجانب في ترجيح كفتها أن هي واجهت منافسة حقيقية. ووفق هذه الترتيبات وإذا لم يكن منصب رئيس الجمهورية أصلاً محجوز وكل من يتحدثون الآن عن المنازلة وغيرها يعلمون ذلك جيِّداً، فأنه لا يوجد ما يمنع وصول أجنبي وبالقانون إلى هذا المنصب. لأن الذي اعطاه الحق في التصويت بحكم انه أصبح سوداني الجنسية لن يمنعه حق الترشح لأي منصب وفق منطق وجيه.

من المتوقع أن يظهر في الانتخابات القادمة فيلق إسلامي من مختلف الجنسيات على طريق "الحشد الداعشية" من مختلف دول العالم، يتحرك لترجيح كفة الحكومة وفق صيغة "جهاد المجانسة أو التجنيس" فقد شاهد أدروب في مدينة سودانية عمال أجانب يشقون المجاري وأخذ ينظر إليهم فقال له أحدهم: ألم ترى خبراء أجانب من قبل؟ فرد أدروب:(والله خبراء أجانب شوفنا، لكن طُلب أجانب ما شفنا) ونحن الآن وقبل أن نعتاد على عملية تجنيس اللاعبين، ها هي الحكومة تفاجئنا بعملية تجنيس الناخبين.

الحكومة أصلاً عودتنا التعامل مع مقدرات البلاد وترابها باستهتار وعدم جدية، لكن ما بال الذين يعدون العدة لإعادة إنتاجها من جديد. هل هم ايضاً يتعاملون مع تمريق شارات السيادة الوطنية ممثلة في "العلم والعمل والجنسية" في التراب و بنفس عدم الجدية. حينها خصومتنا لن تكون مع السلطة وحدها.