أهلاً وسهلاً لينين

عبدالرزاق دحنون

             تختلف الأحداث المعاصرة عن تلك الأحداث التي صارت  تاريخاً في أننا لا نعرف النتائج التي ستسفر عنها, بينما الأحداث التاريخية نستطيع أن نقيّم مغزاها وندرسها  ونتتبع آثارها و العواقب التي جلبتها, وأيضاً نتعلم منها ونزداد حكمة ومعرفة. وسيكون الأمر مختلفاً لو أننا أُعطينا فرصة أن نعيش  ثانية الأحداث التاريخية ذاتها, فكم ستظهر لنا  الأمور مختلفة, وكم ستظهر أهمية التغييرات, المثيرة للقلق غالباً, والتي لا نكاد نلاحظها في حينها.

            فهل نتصرف بالطريقة ذاتها لو عشنا الأحداث التاريخية من جديد؟ يُجيب القائد السياسي:

نعم بكل تأكيد  كنتُ أخطو الخطوات  ذاتها, وأسير في النهج الذي سلكته سابقاً والذى أثبتت الحياة صحته. بالله عليك كيف أثبتت الحياة صحته؟ أليس من الغباء أن نسلك  النهج ذاته, ونقع في ذات الحفرة  مرتين, بعد أن زودتنا الخبرة التاريخية بخارطة معرفية أكيدة نستطيع السير على هديها؟ يقول المثل الشعبي: الحمار لا يقع في الحُفرة مرتين. فهل يمكننا القول مثلاً أن معمر القذافي, علي عبدالله صالح, صدام حسين, حسني مبارك, زين العابدين بن علي –مع حفظ الألقاب- سيسلكون النهج ذاته لو أُتيحت لهم الفرصة للحُكم مرة ثانية. 

الظاهر أن من حسن حظنا, على الأرجح, أننا لا نستطيع قط أن تكون لنا هذه التجربة التاريخية الفذّة. و التاريخ, على حدِّ قول كارل ماركس, يعيد نفسه أولاً في هيئة مأساة, ثم مهزلة. ولأنه ليس هناك أي تطور محتوم, فإننا يجب ان نتعلم بقدر ما من الماضي, لتجنب تكرار الأخطاء. فالبشر يدخلون المستقبل بزاد وفير من التجارب التاريخية ,  ولا يحتاج المرء لأن يكون نبياً لكي يكون على وعي بالأخطار المحدقة بحياته.

            في  سياق هذه الفكرة عن التعلم من التجارب التاريخية   أستعرضُ  فيلماً ألمانياً ساحراً وساخراً ظهر بعد ثلاثة عشر عاماً  على انهيار جدار برلين  في ليلة التاسع من شهر تشرين الثاني عام 1989 حيث رقص الناس فرحاً على جدار برلين أمام بوابة  براندنبورغ  الشهيرة,  فقد فُتحت الحدود مع برلين الغربية, ومع أوروبا كلها, بعد أن كانت تلك الحدود منيعة وبالغة الإحكام طوال 28 عاماً. ونلاحظ هُنا بأن  منظومة القيم التي تتحكم برؤية البشر  لواقعهم الاجتماعي كثيراً ما تمنعهم من رؤية حقيقة ما يجري فيه, وتجعل من الصعب التفاهم حول طبيعة التحولات التي تتحكَّم في حياتهم.اسم الفيلم "وداعاً لينين" شاهده أكثر من خمسة ملايين ألماني حين انطلق في دور السينما عام 2003.

الفلم من إخراج الألماني  "وولفغانغ بيكر" بطولة: دانيال برول، كاترين ساس، ماريا سيمون، تشولبان خاماتوفا، الكسندر باير.  يحكي الفلم  قصة حب إنسانية بين أم وابنها. فالأم شيوعية ملتزمة ومزمنة. يعيش ابنها إليكس الذي يعمل في صيانة التلفزيونات برفقة والدته وشقيقته بمسكنهم الصغير في ألمانيا الديمقراطية، وفي مساء يوم ما بينما كانت الوالدة في طريقها إلى احدى الفعاليات التي ينظمها الحزب الشيوعي الذي تنتمي إليه رأت ابنها إليكس يُضرب في الشارع من قبل أفراد الجيش الألماني بعد أن سارت المسيرة وتحولت إلى تظاهرة وشغب خريف عام 1989، لم تحتمل الوالدة هذا المنظر فأصيبت بنوبة قلبية وانهارت في الحال في الشارع العام. ظلَّت الأم في غيبوبة لمدة ثمانية أشهر, انهار جدار برلين خلالها وتوحدت ألمانيا. وعندما استفاقت من غيبوبتها حذر الطبيب ابنها إليكس من أي صدمة فجائية أخرى قد تودي بحياتها.

أعاد إليكس والدته إلى المنزل حيث أعدَّ نسخة مصغرة من ألمانيا الديمقراطية داخل منزلهم. يقوم بالتظاهر بأن الحياة تسير كما كانت تعرفها في جمهورية ألمانيا الديموقراطية. وامعاناً في تضليل  الأم وإعادة  العالم المختفي الرائع في عيني الأم   يقوم الشاب بخطرات فيها ألمعية و ذكاء. وها هو يقوم بدعوة  بعض الأطفال  من الشبيبة الشيوعية  الألمانية وهم يرتدون الزي الخاص بطلائع الشباب و يرددون الأغاني الشيوعية في عيد ميلاد أمه. كما يقوم الابن بحشو مخلل هولندي في زجاجات لُصقت عليها ملصقات رسمية من جمهورية ألمانيا الديمقراطية,  وعبأ مشروب  كوكا كولا في زجاجات كلوب- كولا القديمة المصنوعة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية.

وفي أحد الأيام تشاهد الأم إعلاناً ضخماً للمشروب الأمريكي كوكا كولا خارج نافذة منزلها و من ثم يُدهشها رؤية  سيارات أوبل من ألمانيا الغربية وهي أكثر من سيارات ترابانت القديمة المنتجة في ألمانيا الديمقراطية , يقوم الابن عندئذ بتوضيح يُضاهي ذلك الذي كان يقدمه  وزير الإعلام العراقي السابق محمد سعيد الصحاف أثناء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. فيقول لها إن تنامي الرفض للرأسمالية في الغرب أدى لقيام جمهورية  ألمانيا الديمقراطية  بتفتح حدودها لأولئك الهاربين من جحيم العيش في الدول الرأسمالية, و الذين يبحثون عن منفى يُقيمون فيه ويعيشون حياة سعيدة رغيدة. وتأكيداً لما ينسجه من خيالات وأكاذيب  تقوم أخبار التلفزيون بتأكيد ذلك, ويساعده في الموضوع صديقً له مستخدماً صوراً تاريخية لأريش هونيكر وكبار المسؤولين في حزبه. وفي هذه النسخة السينمائية لنقطة التحول التاريخي في جمهورية ألمانيا الديمقراطية  فإن الحائط يسقط فعلاً بفضل سقوط الغرب  الرأسمالي...هل ظُلم لينين في هذا الفلم؟ نعم أعتقد ذلك, لذا قلتُ في العنوان أهلاً وسهلاً لينين.