خبر ...و...تعليق

الخبر:

وجّه الباحث الأكاديمي المعروف، د.النور حمد، انتقادات عديدة لثورة 21 أكتوبر 1964. وقد قدم لهذه الانتقادات بعض الحيثيات. وكان قد ورد على لسانه مؤخراً ، في سياق حديثه في منتدى "كباية شاي" بصحيفة التيار:- إن أكتوبر "ثورة ما عندها لازمة"، "ولم تنجز شيئا"، " ولم يكن من أهدافها إرجاع الديمقراطية" وذلك استناداً إلى شعاراتها:- "لا زعامة للقدامى" "ولا حزبية بعد اليوم". وإن اليسار سيطر على الثورة الأمر الذي حرّض الأحزاب للتحرك ومن ثم إجهاض الثورة.

وفي ورقة سابقة له، بعنوان "ثورة أكتوبر من الأيقونة إلى التشريح" كتبها في مناسبة الذكرى الخمسين لثورة أكتوبر، ومؤخراً أعاد نشرها في 4 حلقات في صحيفة التيار، كان آخرها الحلقة الرابعة التي تم نشرها يوم السبت الماضي 3 نوفمبر 2018، كان د.النور حمد قد بدأ في توجيه اتهاماته لثورة أكتوبر.

التعليق:

أولا: بداية أجد نفسي مختلفا اختلافا جذريا مع ما توصل له د.النور حمد من تقويم لثورة 21 أكتوبر 1964. ولا يأت اختلافي معه في سياق التمجيد غير الموضوعي وغير المؤسسي لثورة أكتوبر. ولا من منطلق العاطفة وحدها، رغم إني كنت واحداً من الملايين الذين ساهموا في النشاط المعارض لنظام عبود، والذين جعلوا انتصار أكتوبر ممكناً. وإنما من منطلق النظرة العلمية الموضوعية والتي دعا الدكتور للالتزام بها.

ورغم أن د.النور حمد يصنف تقويمه لثورة أكتوبر بأنه علمي ومحكم، وربما أيضا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فها أنا أقول، وبالصوت العالي، إن تقويمه هذا غير علمي وغير محكم.

ثانيا: يقولون إن كل الصيد في جوف الفرا، فكم كان أمينا وصادقا، ما أورده عدد صحيفة التيار الصادر بتاريخ الأحد 21 أكتوبر 2018 عن ثورة أكتوبر. وهو ذات العدد الذي أورد ، وباللون الأحمر الصارخ،: النور حمد "أكتوبر ثورة ما عندها لازمة". وورد في التفاصيل لذلك المانشيت:- " أكتوبر ما عندها لازمة"، "ولم تنجز شيئا"، و "لم يكن من أهدافها إرجاع الديمقراطية" الخ..

وما أوردته صحيفة التيار في ذات العدد كان "كانت ثورة أكتوبر تتويجا لحراك" انتظم الشارع السوداني الذي رفض انقلاب عبود منذ يومه الأول، وشاركت فيه كل القوى السياسية".

لقد كانت ثورة أكتوبر بالفعل ثورة شعب حقا وفعلا. ولم يقم بها اليسار ومن ورائه المتعلمون، والذين كانوا يريدون ثورة بأية طريقة، وكان الحزب الشيوعي قد وثق لمجمل العمل الشعبي التراكمي، ولكل ومضات "الاحتقان والغبن الاجتماعي" والحس الوطني الجارف جراء التفريط في السيادة الوطنية، في كتابه بعنوان"ثورة شعب" آمل كل الأمل أن يطلع الباحث د.النور حمد عليه.

ثالثا: لشعب السودان الذي صنع انتصار أكتوبر، أن يفخر ويعتز، بل ويباهي، بأنه صنع أهم حدث سياسي بعد الثورة المهدية وملاحم النضال الذي أفضى لاستقلال السودان في أول يناير 1956. كما له الحق في أن يفخر ويعتز ويباهي بأنه كان أول شعب في العالم يطيح بنظام ديكتاتوري عسكري بالنضال السياسي الجماهيري صحيح أن هناك تجارب أخرى وقعت في أوروبا أطاح فيها شعب اسبانيا والبرتغال بنظامين ديكتاتوريين، نظام فرانكو في اسبانيا ونظام سلازار في البرتغال.

ولكنهما كانا اقل درجة من ثورة 21 أكتوبر من زاويتين. أولاهما، أنهما أتيا في منتصف سبعينات القرن الماضي أي بعد عقد كامل من ثورة أكتوبر في السودان، وثانيهما، ان كلاهما حدثا بعد تمردات عسكرية واسعة النطاق واتى الحراك الجماهيري لاحقا للتمردات العسكرية.

رابعا: حقا وفعلا ان الثورات بمثابة قاطرات للتاريخ. ان ما انجزته ثورة اكتوبر باق وراسخ ولندع منجزات الثورة تتحدث عن نفسها، وليكن حديثها صارخا ومفعما.

  • استعادة الديمقراطية والحريات والسيادة الوطنية من بين انياب نظام عسكري ضلع في السباحة مع الامريكان، ومعوناتهم المشروطة واستعمارهم الحديث للسودان. وتحول السودان بفضل اكتوبر من رجل افريقيا المريض الذي شارك في مؤامرة اغتيال بطل افريقيا، باتريس لوممبا، الى سودان التضامن والتآزر مع حركات الشعوب في ارتيريا وانجولا وجنوب افريقيا الخ..
  • كفالة حقوق المرأة السودانية السياسية وكان السودان في هذا المضمار سباقا، ليس فقط للبلدان العربية والافريقية، بل وحتى لبعض البلدان الاوروبية.
  • النهوض الاجتماعي الواسع، وتفجر حركة التنظيم في كل خلايا المجتمع السوداني. وبصفة خاصة قيام تنظيمات شعبية اقليمية في المناطق المهمشة في شرق وغرب السودان. والجدير بالذكر هنا ان ما حققه النهوض الاجتماعي الواسع لايزال باقيا وراسخا ويقف رافدا اساسيا من روافد الازمة الوطنية العامة التي تعصف بالسودان.

خامسا: لقد ظلت الاحلام الوردية بمجتمعات الكفاية والعدالة الاجتماعية، كما هي واردة في "يوتوبيا" و"مدينة الشمس" والمدينة الفاضلة" تتواتر. ولكنها بقيت في حدود الأـحلام. وذلك لعدم توفر المقومات الضرورية لقيام مثل تلك المجتمعات وانسداد الافق التاريخي امامها.

وما غاب عن الباحث د.النور حمد، ان التقدم للاحسن والافضل لا يتم بالضربة القاضية بل يتم بالنقاط وذلك استنادا الى درجة تطور القوى المنتجة، ودرجة الوعي السياسي والاجتماعي، وانفتاح او انسداد الأفق التاريخي للتطور للاحسن. ويلعب التراكم الكمي للوعي السياسي والاجتماعي، ودرجة تطور القوى المنتجة دورا هاما في مسار التحولات الكيفية والنوعية في المجتمعات البشرية وما يدور فيها من صراعات اجتماعية وسياسية.

وحقيقة لو كان التقدم للاحسن يتم بضربة واحدة هي القاضية والمفصلية والتي "تشنقل الريكة" لو كان ذلك كذلك، لكانت الثورات في المجتمعات العبودية، وعلى رأسها ثورة اسبارتاكوس في اثينا القديمة، وكذلك ثورات الفلاحين الأقنان في مواقع مختلفة من اوربا القديمة، قد افضت الى تغيير كيفي في الانظمة السياسية في العالم ومنذ زمان بعيد.

وطبيعي إن الثورات في زماننا هذا ايضا محكومة بخصائص الواقع الموضوعي الاقتصادي والاجتماعي والصراعات السياسية. وبالتالي فانها لا تحقق اهدافها بضربة واحدة. واستنادا الى ذلك نجد انه من الطبيعي ان تكون كل ثورة محكومة تماما بالشروط الموضوعية والذاتية لانجاز مهامها.

سادسا: لا جدال في ان الثورات هي بمثابة قاطرات للتاريخ. وذلك في حالة انتصارها او انتكاستها. ذلك إن الدروس التي ترسخها كل ثورة هي اهم زاد تتزود به الشعوب على طريق استكمال الوعي الثوري واستكمال المقدرات الذاتية لاستكمال مهام الثورة . ويشمل هذا تقويم ديمقراطية"وستمنستر" لتتواءم مع الواقع الاجتماعي وجوهر الصراعات السياسية والاجتماعية في العالم الثالث، مثل تخصيص دوائر انتخابية للعمال والمزارعين كما جرى في مصر الناصرية ودوائر للخريجين والنساء في السودان. وبالتالي فان الزعم بان اكتوبر لم يكن من أهدافها إرجاع الديمقراطية لا يستقيم. بل ان من اهم منجزات ثورة اكتوبر كان استعادة الديمقراطية والحريات.

سابعا: الانتماء السياسي للباحث د.النور حمد يُبعد شبهة العداء لثورة اكتوبر. ولكن من الواضح جدا ان التبخيس من شأن أكتوبر، وطمس معالمها ودروسها، لا يصب الا في خانة الاحجام تماما عن أي فعل ثوري. وقد تواترت المحاولات الرجعية التي رمت، عن قصد، لطمس وتشويه تجربة ودروس أكتوبر.

فقد رمت في جوهرها لقفل الطريق امام اكتوبر جديدة. وذلك عن طريق الحيلولة دون ترسيخ دروس اكتوبر في وجدان ووعي الشعب بين تجاربه الثورية التي يلجأ لها في الملمات.

فقالوا انها كانت صدفة لن تتكرر، وانها فلته من فلتات الزمان، وانها ضربة حظ مواتية. وذلك رغم تكرارها بذات سلاحها في انتفاضة الشعب في مارس/ابريل 1985.ان الزعم بان اكتوبر لم يكن هناك لزوم لها اصلا، ينطلق من اعتقاد خاطئ مفاده ان ثورات الشعوب تأتي بالطلب، واستناداً الى الرغبات الذاتية.

ثامنا: رغم ان الباحث، د.النور حمد، يصف تقويمه لثورة اكتوبر المعمدة بدماء الشهداء بانه علمي ومحكم، إلاّ انه في نهاية الامر يهزم هدفه بوصف تلك الثورة بأنها من صنع اليسار والمتعلمين وانها لا لزوم ولا ضرورة لها.

تاسعا: ان التطور للأمام، في واقع الامر، قانون موضوعي، ولكنه يمر بمنعرجات ومحطات عديدة، ويتعرض للذبذبات صعودا وهبوطا. كما انه في اطار الصراعات السياسية والاجتماعية عميقة الجذور في السودان، يتعرض مسار تطوره لما جرت تسميته بالحلقة الشريرة(انقلاب،ديمقراطية،انقلاب). وذلك الى ان تتوافر كل الشروط والعوامل الموضوعية والذاتية ودرجة الوعي الثوري الكافية، وكذلك الادوات الضرورية واللازمة للخروج من براثن هذه الحلقة الشريرة ، وبالتالي ضمان بقاء تطور الثورة وعدم انتكاسها.

عاشرا واخيرا: ختاما أشير الى ان بعض اطروحات د.النور حمد يهزم ويفند الكثير من اطروحاته التي اوردها عن عدم جدوى الثورة، وانها ليست ثورة شعب بل من صنع اليسار والمتعلمين وما الى ذلك. بعد كل ذلك يعود الباحث ليقول:-" ولربما يكون مسلك عبود وزمرته في الجنوب، واعتمادهم الحل الامني هو الذي بلور الغضب الذي نتجت عنه اكتوبر. والندوة التي اطلقت منها الشرارة في جامعة الخرطوم كانت بالفعل عن الجنوب" اذن يا دكتور النور كان هناك فعلا ما قاد لاشتعال فتيل الثورة أليس كذلك؟!

حقا وفعلا ان الثورة خيار الشعب

حرية، سلام وعدالة