تعليقات في السياسة الداخلية

ثورة أكتوبر كيف اندلعت وانتصرت

ولماذا وقفت في منتصف الطريق ثم سرقت (7/7)

سليمان حامد الحاج

في المقال السابق، تطرقنا إلى الكيفية التي اندلعت وانتصرت بها ثورة أكتوبر، وفي هذا المقال، نجيب على السؤال الهام، لماذا وقفت في منتصف الطريق، ثم سرقت، للاستفادة من هذه التجربة الهامة، لتكون معينا لكافة المناضلين، الذين يخوضون الآن نضالا ضاريا، لجعل الاضراب السياسي العام، امرا ماثلا، وللكيفية التي يحمون بها الانتصار القادم حتما - طال الزمن ام قصر- لان المحافظة على الانتصار وحمايته، اكثر مشقة من صنع الانتصار نفسه.

وجاء في البيان الذي اصدره الحزب، وهو بسبب انسحابه من هذه الجبهة الآتي:

"ان هذه المواقف من جبهة الاحزاب، اصبحت ذات اثر سلبي على الحركة الثورية، وان الاضراب السياسي العام هو طريق الخلاص، وعلى الحزب توفير جهده وكل وقته للعمل، وسط العمال والمزارعين والمثقفين، لتصل الحركة الشعبية، إلى مرحلة تنفيذ الاضراب السياسي الشامل"(راجع : ثورة شعب).

الوضع في جبهة الهيئات:

كانت الجماهير، تتطلع إلى الجبهة المعارضة في الفترة الاولى من الستينات، وترى في اقسام منها وافراد، تعبيرا عن امكانيات العمل ضد النظام العسكري، وهذا التوجه نحو جبهة المعارضة، وبينها العناصر اليمينية والبرجوازية، كان يعني ان الجماهير لم تكتشف بعد بتجربتها، اهمية شق طريق جديد،. بمعنى ان الظروف الذاتية للجماهير، المؤثرة في حركة النضال السياسي، لم تصل بعد، إلى مستوى اطلاق طاقات النضال الوطني الديمقراطي، والتصدي للثورة الوطنية الديمقراطية، ولم يكن عبث، او مجرد قصور ذاتي، ان جماهير شعبنا، واجهت ثورة أكتوبر، والجبهة الديمقراطية مجرد شعار صحيح، ان ثمة تحولات كانت تجري بين الجماهير، في اتجاه شق طريق النضال الديمقراطي. لقد بدأ الاساس الثوري الوطني الديمقراطي للبديل يظهر، ولكن الاقسام الواسعة من الجماهير الثورية، لم تصل إلى ذلك المستوى، بل ان الجو العام، كان ما يزال محبوسا في اطار الخلاص من الديكتاتورية العسكرية، في التخلص منها وحسب.

ان بروز جبهة الهيئات، كان يعبر في قاعه، عن تطلع الاقسام التي تقدمت الاضراب السياسي، بين مثقفي (البرجوازية الصغيرة)، لإيجاد قيادة تعبر عن مطامعهم، كان يعبر عن حقيقة، ان هذه الاقسام، لم تكن ترى موضوعيا في قيادة الطبقة العاملة، معبرا عن امانيها.(راجع الماركسية وقضايا الثورة السودانية).

هذه العوامل تحكمت إلى حد كبير، في طاقات ثورة أكتوبر، وفي مقدرتها على التصدي، للمهام الوطنية الديمقراطية في بلادنا، فنتاج ثورة أكتوبر من ناحية تكوين السلطة، يوضح كما ذكرنا من قبل- ان الطابع الغالب فيها، كان اتجاها وطنيا معاديا للاستعمار، بوجود عناصر تقدمية ووطنية وشيوعية بداخلها، ولكن في نفس الوقت كانت هناك عناصر يمينية، من الاحزاب التقليدية، وبهذه الصفة كانت تعبر عن النضال العام، لإنهاء الحكم العسكري، لا تعبيرا عن التحولات، التي بدأت بين الجماهير قبل ثورة أكتوبر، والهادفة لتكوين قيادة وطنية ديمقراطية، ثم في النهاية سلطة وطنية ديمقراطية ايضا.

ان القصور الذاتي لتنظيم الجماهير في اوعيتها المختلفة، وفي قياداتها، وعدم ادراكها لمهام الثورة الديمقراطية، كان عاملا رئيسيا في وقوف الثورة في منتصف الطريق، عند حدود التغيير للنظام العسكري وحده. وهو تغيير فوقي لم يمس إلى حد كبير- رغم انجاز ثورة أكتوبر كعمل، لم تشهد البلاد مثيلا له بعد انجاز الاستقلال، تغييرا يذكر في معظم اجهزة وقوانين الدولة.

كل تلك العوامل تؤكد، ان القضية الخاصة بإنضاج العامل الذاتي، لا تقتصر على تنظيم الجماهير وحسب، بل ايضا لابد ان تدرك هذه الجماهير المنظمة، والمستعدة للتضحية، حتى الاستشهاد، وتعي في ذات الوقت، ماذا تريد ان تفعل بعد الاطاحة بالنظام الديكتاتوري، وما هو البرنامج الذي عليها ان تحققه عبر ثورتها.

كذلك لابد ان تكون يقظة تجاه تآمر القوة المعادية لها، وللتغيير الجذري في النظام، والاساليب الماكرة والمخادعة، التي تتبعها مثل(الهبوط الناعم)، لإيقاف ثورة الجماهير قبل ان تحقق كل اهدافها. وهو يعني ان تحتاط حركة الجماهير بما يحمي انتصارها. فقد كانت ليلة المتاريس في أكتوبر تجربة حية سدت الطريق لخطتها في وجه محاولات قتلها في مهدها- وهو يمثل احد الدروس الهامة.

ان ما قامت به القوى المعارضة الآن للنظام الطفيلي بوضع برنامج(البديل الديمقراطي) الذي تناضل من أجله ليكون واقعا بعد الاطاحة بهذا النظام تعتبر خطوة ايجابية استفادت فيها من تجربة أكتوبر. غير ان هذا (البديل الديمقراطي) لازال بعيدا عن فهم واستيعاب اعداد غير سهلة في المدن وغفيرة للغاية في الريف. فاذا لم تملك هذه الجماهير هذا البرنامج وتتابعه القيادات في كل مدن وريف البلاد بالشرح والتوضيح المتواصل، عبر الندوات والصحف والبيانات الخ.. ستظل الجماهير محصورة في النضال للإطاحة بالحكم الطفيلي وستتكرر ذات تجربة ثورة أكتوبر. مهم لأقصى درجة ان تتفهم الجماهير وتثق في أن ثورتها هذه المرة لن تقف عند حد اسقاط النظام الطفيلي وحسب بل سيتواصل نضالها وثورتها حتى تقتلع كل ثوابت النظام و(مداميك) تمكينه وكل ما غرسته ايديولوجيته المعادية للشعب والوطن في كل مناحي الحياة.

الاسباب التي أدت الى سرقة ثورة أكتوبر:

هنالك اسباب عدة أدت الى سرقة ثورة أكتوبر ضمنها وربما اهمها ما يلي:

اولا: الضعف الذي عانت منه اول حكومة بعد ثورة أكتوبر والمفترض منها ان تقود الجماهير وتنفذ البرنامج الذي اجمعت عليه الجماهير في الاضراب السياسي وفي تظاهراتها على الاقل في حده الادنى فرغم ان تشكيل حكومة أكتوبر بها عناصر ديمقراطية وشيوعية الا ان هناك ايضا ممثلين لقوى اليمين من الاحزاب التقليدية.

انها بتشكيلتها هذه مع ضعف رئيس وزرائها سر الختم الخليفة لم تستطع مقاومة ضغوط الاستعمار واليمين مما اسهم في اجهاض الثورة.

ثانيا: ساهم النظام العسكري في تقوية مراكز اليمين في اجهزة الدولة المختلفة وفي مواقع مصالحها الطبقية في قطاعات الصناعة والزراعة وكافة مرافق الدعم الرأسمالي وهذا هو بيت القصيد. فالاستعمار والرأسمالية العالمية كانا يستهدفان باستمرار تصفية كافة القوى المعارضة لسياساتهما ومصالحهما الطبقية في البلاد، والعمل على اقتلاعها ووقف مسيرتها على طريق الثورة الوطنية الديمقراطية ، التي تنهي سيطرتهما التامة على الوطن وسرقة ثرواته وافقار شعبه. ولهذا لم يكن العداء للحزب الشيوعي والطبقة العاملة وكافة قوى الثورة الوطنية الديمقراطية قصدا سياسيا وحسب، بل عداءا طبقيا شرسا. فالاستعمار والرأسمالية العالمية- كما قال ماركس، في سبيل ربح مائة في المائة مستعدة ان تخوض بحارا من الدم للحصول عليه.

هذا هو الذي ساعد قوى اليمين في الاستعادة السريعة لمواقعها ورص صفوفها وتثبيت اقدامها في اجهزة الدولة المختلفة وسن القوانين والتشريعات التي تقنن التصفية للحركة الثورية الديمقراطية.

ثالثا: تصفية العناصر الشيوعية والديمقراطية داخل تنظيمات واتحادات ونقابات العاملين، خاصة الطبقة العاملة ووضعها في يد الانتهازيين والموالين لقوى اليمين، ادى الى اضعاف الدور الذي تقوم به في قيادة حركة الجماهير، خلال الاضراب، رغم الدور الذي قامت به الجبهة النقابية قبل وبعد الاضراب السياسي واندلاع ثورة أكتوبر.

رابعا: جاء في اعمال اللجنة المركزية بتاريخ 14/1/1965 ضمن ما ورد:

"إن ثورة أكتوبر وهي تواجه حكما عسكريا كان لابد لها ان تجد التأمين والدعم لتشق طريقها اولا ثم لحماية سيرها فيما بعد، وفي كلا الحالين كانت الثورة في حاجة الى انضمام اقسام مؤثرة من القوات المسلحة لصفها في تحالف ديمقراطي وطني. ان بقاء القوات المسلحة في ايدي القوى اليمينية، والجماهير تخوض معركة الاضراب السياسي، وقصور جيوب المقاومة في داخلها عن تبين دورها الوطني الديمقراطي بصورة عميقة، وبالتآمر الصامت عندما شهرت القوى الرجعية السلاح في وجه العاصمة الثائرة، تؤكد ان الاضراب السياسي كوسيلة جماهيرية للنضال كانت تحتاج للحماية"..

نتيجة لكل تلك العوامل وغيرها، ورغم صمود الحركة الجماهيرية ونضالها لشق طريق جديد ديمقراطي الطابع والمحتوى في وجه الاستعمار وقوى اليمين، عبر هذا الصراع نصرا وهزيمة استطاعت الثورة المضادة ان تسجل انتصارها المؤقت بسرقة ثورة أكتوبر.

 لذلك لم تنقطع بالشيوعيين وكافة الوطنيين الاخرين في مختلف الاحزاب والتنظيمات، خاصة وسط الطبقة العاملة، ولم يستسلموا للنكسة ، بل واصلوا النضال في كل الظروف ضد حل الحزب الشيوعي وضد القهر والاعتقال والتعذيب والسجن ولازالوا يجالدون بشجاعة وبسالة كافة الانظمة الديكتاتورية والشمولية. الان يرفعون راية أكتوبر عالية خفاقة، رغم مرور 54 عاما على الثورة لان جذوتها لازالت متقدة ودروسها لازالت حية تنير طريق النضال لتنفيذ الاضراب السياسي القادم لا محالة والذي سيطيح بسلطة شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة.