المشهد السياسي

اعداد: قرشي عوض

  • ضمير ابلة حكمت:

دعتني إبنة أختي لحضور حفل تخرجها من هندسة الاتصالات بإحدى الجامعات الخاصة. فلبيت الدعوة لأسباب عديدة منها أنه آن الأوان لتعرف أسرتنا الفقيرة مثل هذه الألقاب التي حرمت منها ردحاً من الزمن. فقبلها قد تخرجت ابنة أختي الأخرى من الهندسة المدنية بجامعة وادي النيل. وأنا جد فرحان بهذا الحصاد الأسري. والسبب الآخر هو مشاركة عدد من الأسر السودانية هذه الفرحة. وأنا يعجبني احتفاء اهل السودان بمظاهر الحياة العادية.

في زمن يكاد يخنقهم بين الجري خلف المواصلات والوقوف في صفوف العيش ، لكنهم رغم ذلك ينتزعون لحظات الفرح في غمرة هذا الكدح الحلال، وقد صدق الشاعر حميد حين وصف الحياة بأنها ليست أكثر من (لمة ناس في خير أو ساعة حزن). ولذلك استمتع  حين أرى الأطفال يحملون صواني الخبيز استعداداً للعيد وتنظيف الفتيات للمنزل وتجهيزه بالزينة والفرش الجديد وتركيب الستائر استعداداً لهذه المناسبة. لكن مشروع (سد النفس) كأكبر مشروع أقامته الإنقاذ كان لابد أن يكون حاضراً ، فالإنقاذ إذا لم تنغص علينا حياتنا لن تكون ابنة شرعية للحركة الإسلامية والرأسمالية الطفيلية. فالاحتفال يعطي فكرة عن تقلقل الاستثمارات عميقاً في حياتنا.  فالجهة التي عهدت لها الجامعة بالتجهيز والإعداد متخصصة في إقامة المهرجانات والمؤتمرات وحفلات التخرج. كما أن المهرجان يوضح الدرك الذي انحط اليه التعليم العالي تحت هيمنة القطاع الخاص. كانت حفلات التخرج في الماضي من إعداد وإشراف الجامعة نفسها.والتي يجئ إليها الطلاب بمواهب في الفن والخطابة والإعلام تم صقلها في المراحل الدراسية الدنيا،  مثل الجمعيات الأدبية والدورات المدرسية.  بل إن التعليم هو الذي كان يرفد ساحات الإبداع بالمواهب. ولازال الناس يذكرون صعود الفنانة حنان النيل من خشبة مسرح الدورة المدرسية. ولذلك كانت تلك المهرجانات في الماضي تتخير الأدب الرفيع والغناء الذي يرقي الوجدان ويهذبه. لكن المحلات التجارية والتي لا تفرق بين تجهيز حفلة زواج  وتخرج لايمكن أن نطالبها بذلك. قبل بداية الحفل قامت المنصة مشكورة بتشغيل أغاني. وقبل أن نشكرها في سرنا طبعاً لان ساعات الانتظار الطويلة لا يبددها غير الطرب، صدمتنا المغنية وهى تردد هذا المقطع( أنا مالي ومال الرز باللبن ومالي ومال الحرقان. ويالشلتي مني أنا هو ذاتو  زهجني). كبار السن أمثالي طبعاً ضحكوا ، لكن الشباب في المنصة كان لهم رأي آخر،رقصوا وطربوا وهزوا كل مفاصل جسدهم بطريقة هستيرية وهم يرددون ( الشلب الشلب ) والعبارة تعني ان تستأثر الفتاة بقلب حبيب أو زوج صديقتها. هكذا تم شرحها لنا حين تطفلنا وسألنا حتى نداري وقع الهزيمة التي منيت بها تقديراتنا لذوق المغنية والراقصين،  ولم تفعل حماقتنا تلك سوى أن كشفت عن كوننا ننتمي الى أجيال لم تعد موجودة. لكن بعيداً عن الحكم على ذوق الشباب وعدم قدرتهم على تقديم فقرات حفل كان في الماضي يقوم بها طلاب المراحل الصغرى للدرجة التي اضطرت الجامعة على الاتفاق مع مذيع في قناة فضائية مشهورة، قدم الحفل على طريقة فرقة الهيلا هوب بتعليقاتها المعروفة لكل المسافرين على خطوط السودان البرية من هذر ومزاح وحديث عن القبائل السودانية وجعلها مادة للنكتة وغيرها،  الا يحق لنا أن نسال مجرد سؤال عن الضوابط والمعايير التربوية التي يتم بها التصديق لمؤسسات التعليم الخاصة. أم انها تمنح مثلما تمنح تصديقات مصانع الحلويات والمشروبات الغازية ومحلات التجميل.

  • دعم الفساد:

حين تقدم وزير الصحة بطرح الحالة المأساوية للوضع الدوائي الكارثي في السودان أمام البرلمان،وأوضح أن عدد كبير من الأدوية المنقذة للحياة قد نفد من مخازن الإمدادات الطبية وان البعض الآخر سوف تخلو خلال شهور أو شهرين،  انبرت بعض الصحف وبعض الكتاب الذين يعرضون ضمائرهم في سوق النخاسة السياسية الى تصوير هذا التقرير باعتباره مؤامرة ضد معتز موسى رئيس الوزراء. السيد وزير الصحة اضطر للإدلاء بهذه الحقائق بعد أن كشفها قطاع المهن الصحية بحزبنا، وملكها للري العام. وبالتالي لم تعد سراً والاعتراف بها تحصيل حاصل.وقبل أن نسترسل في الحديث عن وضاعة هذا النوع من الكتاب فإننا نغتنم هذه الفرصة ونتقدم بالتحية الرفاقية الصادقة للزملاء في قطاع المهن الصحية بالحزب الشيوعي، الذين فضحوا حقيقة الوضع الدوائي بالبلاد وتواطؤ منظمة الصحة العالمية.  التي تساعد الحكومة السودانية على خصخصة العلاج. مما يضع هذه المنظمة الدولية في السودان في وضع شاهد الزور على اكبر جريمة ترتكب في حق شعب السودان، لا تقل فظاعة عن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية،  لان لاشي ينتظر الغالبية العظمى غير الموت حين تنعدم الأدوية المنقذة للحياة. وكنا ننتظر من كتاب الغفلة ، والآخر يتدرج في هذا السلم القذر ولكنه يبدي همة عالية في التعلم ويحرز درجات متقدمة في الملق والنفاق ، كنا ننتظر منهم حقائق تضحد تقرير وزير الصحة أمام البرلمان. ولكنهم رددوا خزعبلات يستفيد منها القاري فقط في تكوين فكرة عن تطور علاقتهم مع السيد موسى. وبدلاً من إيراد حقائق مضادة لما قاله الوزير راحوا يذكرونه بحديث له في وقت سابق وقد كان مختلف. ذاك الحديث كان قبل أن يقوم الزملاء بتوضيح الحقائق في وقت جبنت فيه المنظمات العالمية عن ذكرها.  وهذا يعطي فكرة عن الفرق بين المناضلين السياسيين، والعاملين عليها.

قال الشاعر الروسي تورغنيف:

خلف دقات الطبول تتدافع الرجول.

مع ان كل جلد طبل

 كان من قبل جلد عجل.

  • مشكلة الصادق المهدي:

السيد الصادق المهدي هو من شجعنا على تناول مشكلته، لأنه أعطى  نفسه حق تشخيص مشاكل الآخرين ، كل الآخرين وليس السياسيين فحسب وتقديم الحلول لها.وفي الخارج فان الرجل مشغول بإصلاح العلاقة بين الشيعة والسنة والمسيحيين والمسلمين والشرق والغرب والوسطية والدوري الأوروبي. وهذا طبعاً من حقه. ونحن لا نحسده على هذه الهمة وذلك النشاط المتعدد والمتنوع. لكن فقط نلاحظ أن الرجل يفكر للآخرين . حتى يجنبهم مشقة التفكير  فيما يخصهم. ولسان حاله يقول لهم استريحوا واستمتعوا بالرحلة ودعوا القيادة لي. لكن الآخرين قد لا يأخذون بآراء السيد. وكنا نتوقع منه أن يتقبل ذلك بصدر رحب أو كما يقولون بروح رياضية. ولكن هذا لا يحدث، إما أن توافق على ما يطرحه، أو عليك أن تستعد لوصفك بما تسير به الركبان.  وهو موفق جداً في اختيار الألفاظ القاتلة التي تلتصق بمن تطلق عليه ردحاً من الزمن حتى يتبرع بغيرها في حق آخرين. وأظن اهل السودان من المتابعين للرجل يعرفون جيداً عبارات على قدر من الطرفة أطلقها في حق معارضيه.

الصادق المهدي يريد من حزبنا أن يوافق على الحل التفاوضي الذي رفضناه لأسباب على كل حال معلنة يمكن حصرها في انه يكرس الأزمة الوطنية ولا يقدم لها حلول ، وكنا نتوقع من المهدي أن يناقش هذا الرأي ويفنده ويقدم رؤيته من فوق ذلك.  ولكن الرجل كعادته راح يصف موقفنا بأنه معارضة المعارضة، لا لشئ سوى أن الفكرة إستهوته. وأراد أن يقلل بها من قيمة القوى السياسية التي تدعو الى إسقاط النظام. وهو يعلم أن هذه القوى لايمكن تجاوزها في أي ترتيبات سياسية تخص مستقبل السودان وان من يتحالفون معه الآن لن يغنوه عنها. أما وضعه لمقاييس ومعايير لما يجب أن تكون عليه المعارضة ربما يوافق عليها آخرون، أما نحن ، فلن نوافق على ترتيبات سياسية لم نشترك في وضعها ولن تفرض علينا بالتلاعب بالألفاظ واستخدام إمكانات اللغة من جناس وطباق ، ولا بقوة الأمثال الشعبية التي تختزن منها ذاكرة السيد الصادق الكثير.