تعليقات في السياسة الداخلية

قراءة أولى في تصريحي الرئيس عمر البشير

وعلي عثمان محمد طه وتناقضهما مع حقائق التاريخ والواقع المعاش(3)

الأخوان المسلمون والحركة الاسلامية في السودان:

انطلاقا من هذه الايديولوجية التي لا تستطيع الحركة الاسلامية في السودان وعلى رأسها الاخوان المسلمون التبرؤ منها او انكارها او انفكاك من ممارسة تعاليمها،

حتى الآن، فانهم آخر من يتحدث عن الوطن والتحرر الوطني. لا نلق الكلام على عواهنه، كما يفعل علي عثمان محمد طه وانما نؤكد ذلك بالحقائق التاريخية والراهنية والادلة الدامغة من السياسات التي يتبعها نظام الحكم القائم على تلك الايدولوجية.

قال د. حسن الترابي في الحوار الذي اجراه معه عادل سيد احمد(صحيفة اخبار اليوم 11/10/1997):

"الاختلاف بيننا وبين الاحزاب ليس اختلافا حول الكراسي، من زمان لم يكن اختلافا حول الكراسي، انما نحن نعتقد ان الاختلاف حضاري نحن نؤمن ايمانا قاطعا بأن الدين نظام حياة ولا نعتقد ان هذا النظام تديره الدولة. ما يحدث الآن في السودان تغيير حضاري يبدو غريبا على النمط السائد في العالم الآن. ليس جديدا على العالم فحسب بل حتى على اهل الكتب، التوراة والانجيل والقرآن) والغرب وامريكا لا يريدون لهذا النمط ان يحكم ولا ان يستمر، فهم يعرفون جيدا ويخشون ان يهيج هذا النمط المسلمين كلهم ويتحرر المسلمون كلهم تماما.. والتحرر في مرحلة من مراحله سيشمل الأموال والبترول والتجارة. ليس ذك فحسب، فإنهم أيضا يخشون من هذا النمط أن يغزوهم في بيوتهم وأنت تعلم أن هناك مسلمين في أوروبا وأمريكا.. إذن النظرة نظرة حضارية.. الغرب يخشى من التيار كله وهو خطر عليه... وهم يعلمون أن المسألة ليست خاصة بالسودان فقط وإنما قد تؤثر على العالم كله هذه هي القضية الحقيقية".

وقال الترابي في (أبو حمد) في 12 نوفمبر 1997 " أن السودان يكتب الآن بنهج الإنقاذ تاريخه الجديد والذي سيغير كل موازين العالم بتجربته الأنموذج في إنزال الدين على واقع الحياة" وصرح أيضا في حفل أقيم في الدروشاب في 21/5/1998" أن السودان يسعى ليكون امة واحدة تسعى لتوحيد العالم الإسلامي، ولذلك تكالب عليه الأعداء عبر دول الجوار".

وقال علي عثمان محمد طه نفسه في الحوار الذي اجراه معه الاستاذ صبري الشفيع طلحة ونشر في صحيفة الخرطوم في ابريل 1989"الحركة الاسلامية تقدم على اساس القرآن والسنة وتؤمن بان الاسلام نظام شامل لحركة الفرد والمجتمع معا، دون اعمال لمجموعة جزئيات من المنهج الشامل وهو ما يعبر عنه بالسلطان والقرآن".

وهذا سير على ذات ما أورده حسن البنا- وقع الحافر على الحافر- عندما اشار في مجلة (النذير) في مايو 1938 قائلا:(الاسلام عبادة وقيادة ودين ودولة وروحانية وعمل وصلاة وجهاد وطاعة وحكم ومصحف وسيف- لا ينفك واحد منهم عن الآخر. ان الله ليزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن).

من جهة اخرى لم ينف علي عثمان محمد طه في الحوار الذي اجراه معه ما قاله الاستاذ صبري الشفيع طلحة عن قول الترابي(ان الترابي اخذ موقفا عدائيا من القومية العربية بقوله انه يرى في القومية نقيضا لعالمية الاسلام) وهو ذات ما قاله حسن البنا " ان الحديث عن الوطنية هو ذريعة وهدف لتحويل الامة عن الدين فلايمكن الجمع بين الوطنية والدين)

وقال عمر البشير عند مخاطبته لواء الشهيد الزبير في 7 مارس 1998 : " ان الذين يتحدثون عن التعددية السياسية نقول لهم انه لا رجعة الى الوراء مرة اخرى، وان تعدديتنا مستمدة من الشريعة الاسلامية لانها صارت لنا منهجا واية تعددية خارج هذا الاطار مرفوضة رفضا باتا وان الذين ينادون بتغيير نظام الحكم في السودان هدفهم الاول اسقاط راية لا اله الا الله واسقاط شرع الله. ولكننا نؤكد لهم ان هذه الراية لن تسقط ابدا ونفديها بكل ما نملك من قوة وتسقط من اجلها ارواحنا وانفسنا لاننا اخترنا طريقا مليئا بالابتلاءات والمصاعب وسوف نسلك هذا الطريق الى أن نصل الى غايتنا الكبرى وهي تمكين شرع الله في الأرض".

غير أن شعب السودان بنضاله المتواصل وتضحياته فتح كوة في جدار النظام الشمولي بإعادة التعددية وعودة جميع الأحزاب السياسية للعمل.

قال علي عثمان محمد طه، وكان وقتها النائب الأول لرئيس الجمهورية، قال ايضا، في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العام الثامن للاتحاد العام للطلاب السودانيين التابع للسلطة، في 21 مارس 1998"ان ثورة الانقاذ انتقلت من مرحلة البناء الاولي والتأسيس لتأمين مسيرتها الى مرحلة بناء دولة النموذج الاسلامي التي ينتظر نتائج فكرها العالم الاسلامي العريض منطلقا من تجربتها المتفردة. ان عهدنا أن لا نتراجع عن ثوابت الثورة المتمثلة في تطبيق الشريعة الاسلامية وبسط الشورى والعدل وتحقيق الوحدة الوطنية وان الثورة تجاهد لاقامة دولة تستند على الاخلاق والقيم لتأمر امر الارض بامر السماء".

لاحظ تكراره لكلمة ثورة- في الوقت الذي يقر ويعترض فيه بان ما قاموا به انقلاب ولن يعتذروا عنه، كما جاء في تصريحه هذا.

ان القضية في عمقها الايديولوجي للحركة الاسلامية ليست قضية دين او وطن، بل قضية مصالح طبقية يريدون تحقيقها باقصر الطرق، ولهذا كانت العجلة وكان التنكر لتصريحاتهم ودعوتهم المبطنة بالاسلام. وقد تم لهم ذلك باستيلائهم العسكري القسري على السلطة. فالتاريخ الذي يحاول علي عثمان تزييفه، يقول ان السلطة الانقلابية اقدمت منذ اليوم الأول على تنفيذ ثمانية قضايا حاسمة في سجل الاهداف التي تمثل الاسبقية في برنامجها للتمكين، ليس بينها أي شئ عن الاسلام الذي ظلوا يتاجرون به ويخادعون به الشعب، انما كان تقربا من الرأسمالية العالمية بقيادة امريكا تمثلا بحذو الاخوان المسلمين في مصر، ومرشدهم حسن البنا وسيد قطب بالقضاء على (حكم الجاهلية) في السودان. منذ الساعات الاولى اعلنوا تعطيل الدستور وحل البرلمان والاحزاب السياسية والنقابات والجمعيات التعاونية وشردت العاملين في القطاع العام ووضعت مكانهم الموالين لها وفرضت السيطرة على القطاع المصرفي وانتهاكا واسعا لقوانينه واعرافه وسرية تعامله، مغيرة القوانين الراسخة له بوضع محافظ موال لهم بديلا لسلطة مجلس ادارة بنك السودان المركزي، وشوهت النظام الضريبي وحولته من آلية لتجميع وحشد الموارد وتوزيعها بعدالة واستخدامها للتنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي، الى اداة للنهب المباشر بكل فظاظة وقسوة. واصدر مجلس قيادة الانقلاب المرسوم الدستوري الثالث لعام 1989 الخاص ببيع كل مؤسسات الدولة بما فيها الرابح منها.

واصبح الفساد ينهب اموال الدولة ومؤسساتها احد المصادر الاساسية لتراكم رأس المال في يد الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة، واعاقت نمو وتطور الزراعة والصناعة والخدمات والثروة الحيوانية ووضعت الاقتصاد السوداني على حافة الانهيار. وحولت جهاز الامن من جهاز بسيط يتمثل دوره في جمع المعلومات وتسليمها لجهات الاختصاص للتنفيذ الى قوة ضاربة لحماية النظام.