بارا ... مدينة عنيدة في مهب رياح التغيير

تحقيق/ حنان آدم عثمان

  • أراضي السواقي تضم آثاراً تاريخية مهمة ، هي تراث وإِرث لا يجب تدميره و المساس به
  • أكثر من 200 أسرة تسترزق من العمل في السواقي

تقع مدينة بارا في ولاية شمال كردفان تبعد عن مدينة  الأبيض حوالي 40 كلم، غنية بخام السيلكا الموجود في رمال بارا البيضاء، يرجع تاريخها إلي القرن الثامن الميلادي.

كانت جزء من مملكة المسبعات. وقد شهدت أحداثاً تاريخية مهمة بسبب وقوعها في وسط السودان في الطريق الذي يربط غرب السودان بسودان وادي النيل، مما أدى إلى إحتدام الصراع بين سلاطين الفور ومملكة الفونج في الشمال والشرق للسيطرة عليها، وقد شهدت المدينة وفاة السلطان تيراب سلطان الفور عندما كان عائداً إلى دارفور بعد مطاردته للسلطان هاشم سلطان المسبعات. وقد شهدت المدينة ميلاد إثنين من سلاطين الفور هما السلطان محمد عبدالرحمن الذي حكم سنة 1803م والسلطان محمد الفضل. كما شهدت المدينة مبايعة السلطان عبدالرحمن الرشيد أحمد بكر وإعلانه حاكماً على سلطنة دارفور فى سنة 1787م . فى العام 1718م نزل بها السيد محمد عثمان الميرغني الكبير مؤسس طائفة الختمية، تزوج فيها وشهدت بارا ميلاد إبنه محمد الحسن الميرغني الملقب بسيدي الحسن أبو جلابية. وبسبب موقعها المميز كان وجهة إستراتيجية لجيش محمد علي باشا، الذي أرسل إليها قوة لاحتلالها وفتح الطريق للأبيض، والتي هزمت جيش المقدوم مسلم حاكم المسبعات وأقام فيها الأتراك حامية عسكرية قوية تكون بمثابة نقطة دفاعية فى طريق تقدمهم نحو الأبيض.وفى فترة المهدية زارها المهدي وحصل علي تأييد أهلها، وعندما حاصر المهدي الأبيض سقطت في يد عبدالرحمن النجومي عام 1883م.

كان لمدينة بارا دور كبير فى الحركة الوطنية، فقد تكونت فيها لجنة لمؤتمر الخريجين الذي كان يدعو إلي منح السودانيين حق تقرير المصير، وكان النشاط السياسي آنذاك مقتصراً علي تنظيم الندوات السياسية فى الأندية (نادي بحر كردفان) .وقد قاومت مدينة بارا الاستعمار وكانت هنالك أحداث تاريخية مشهودة فقد قام أهالي بارا بإنزال العلم البريطاني من سارية مبني الإدارة وحرقه، وقد أدت هذه الحادثة إلى قلق وإنزعاج لدى السلطات البريطانية التي قامت بحملة تفتيش واسعة وإعتقالات كبيرة بالمدينة .

  • بداية الحكاية

بدأت الحكاية عندما قامت حكومة ولاية شمال كردفان وبدواعي التخطيط والتحديث بإزالة(64) قطعة زراعية فى مساحة 158 فدان تقع في صحن الحوض الجوفي وهي أخصب أرض زراعية  بالمنطقة ومن أقدمها في زراعة الخضروات والموالح في الولاية وقد بدأ النشاط الزراعي فيها منذالعام1923م وقد كان ذلك بموجب القرار رقم  (21/2018م) والخاص بنزع قطع أراضي زراعية بمدينة بارا الذي أصدره  والي ولاية شمال كردفان أحمد هارون جاء فيه:

 ( بعد الإطلاع علي توصية وزير التخطيط العمراني والمرافق العامة والخريطة الموجهة لمدينة بارا، وعملاً بأحكام المادة (29/1) من دستور ولاية شمال كردفان الإنتقالي لسنة 2005م تعديل 2017م مقروءة مع المواد (16-19) من قانون التخطيط العمراني والتصرف فى الأراضي لسنة 1994م  أصدر القرار الآتي نصه:                                       يسمي هذا القرار قرار والي ولاية شمال كردفان رقم 21/2008م بتغيير غرض بعض السواقي وإعادة تخطيطها بمدينة بارا إلي أغراض تجارية وسكنية حسب الخريطة الشبكية المرفقة، ويعمل به من تاريخ التوقيع عليه) إنتهي. هذا القرار هو الحجر الذي ألقى فى بركة بارا الهادئة وحرك ساكن مياهها وروتينية الحياة فيها فدوزن علي إيقاعات نحاسها نغمات شدو جديد لينهض الجميع ملاك ومنتفعون ومواطنون وحقوقيون وخلافهم في الدفاع عن المدينة الوادعة والتي أصبحت قاب قوسين أو أكثر أن تشهد تغيراً في البنية الديمغرافية والحضرية للمدينة بظهور ملاك جدد، مستثمرين مسنودين من حكومة الولاية لتتطور القصة من مجرد قرار أصدره والي لا يكترث بالمورد المائي الهائل الذي يحتويه حوض بارا المائي الجوفي وامتداده الشاسع، بقدر ما تهمه المكاسب المالية والتي قد تضر بالبيئة كما سنعرض فى هذا التحقيق من المختصين من المهندسين الزراعيين وجمعية الإنتاج الحيواني ببارا.

  • مناهضة القرار

لمناهضة قرار نزع السواقي رقم (21/2018م) تقدم بعض الحقوقيون بمدينتي الأبيض وبارا بطعن إداري لمحكمة الطعون الإدارية  والتي جاء قرارها بتاريخ 12/8/2018م بالرقم (م أ و ش ك/ط إ/28/2018م) موجهاً الي مكتب مدير والي ولاية شمال كردفان ( بموجب هذا ووفقاً لنص المادة 9 من قانون القضاء الإداري لسنة 2009م أقرر وقف تنفيذ القرار رقم 21/2018م الصادر من والي ولاية شمال كردفان مؤقتاً لحين إبداء السبب المانع) . وقد قام الوالي بإستئناف القرار لدي محكمة الطعون الإدارية بالأبيض والتي بدورها قامت بشطب الطعن إيجازياُ .ومن ثم تم تحريك الطعن ووجه مكتب الوالي للرد علي عريضة الطعن إلا انه وقبل الرد علي الطعن الموجه ضده قام بإصدار القرار رقم (42/2018م) والذي بموجبه ألغي قرار النزع رقم (21/2018م) ليعود الحال كما كان عليه من قبل. إلا أن والي ولاية شمال كردفان فاجأ الجميع في ذات اليوم الذي ألغي فيه قراره المثير للجدل , وأصدر مساءاً القرار رقم (43/2018م)  والذي إستند فيه  بشكل أساسي بجانب قوانين وتوصيات أخري علي المنشور الجمهوري رقم 1/2008م منشور تفويض السلطات والذي يعتبره حقوقيون أنه معيب خاصة وأن قانون نزع ملكية الأراضي لسنة 1930م فى المادة (5) منه لم تنص صراحة ان  سلطات النزع للمصلحة العامة تتم من قبل رئيس الجمهورية فقط ولم تذكر تفوبض سلطات او غيرهـا لأي جهة أخري، هذا وقد جاء فى قرار النزع (43/2018م) الذي أصدره  والي ولاية شمال كردفان احمد هارون:   ( إنفاذاً للمخطط الهيكلي لمدينة بارا والخارطة الموجهة للمدينة ، ووفاءاً بإلتزام حكومة الولاية لعهدها مع مجتمع المدينة بإنفاذ مبادرة التخطيط من أجل التنمية والخدمات والتطوير بمدينة بارا، وعملاً بالسلطات المفوضة لي بموجب القرار الجمهوري رقم 1/2008م ، مقروءة مع المادة 5/1 من قانون نزع ملكية الأراضي لسنة 1930م، وبعد الإطلاع علي قرار مجلس وزراء الولاية رقم (39/2018م) والخاص باجازة توصية وزارة التخطيط العمراني والبني التحتية والمرافق العامة بشأن تغيير غرض بعض السواقي بمدينة بارا إنفاذاً للخريطة الموجهة لمدينة بارا، وعملاً بأحكام المادة (29/1) من دستور ولاية شمال كردفان الإنتقالي لسنة 2005م تعديل 2017م)إنتهى .وحتي تاريخ كتابة هذا التحقيق ما زال الأمر فى أضابير محكمة الطعون الإدارية بالأبيض .

  • بعد تاريخي وأثري لمنطقة السواقي ومدينة بارا:-

أراضي السواقي تضم آثاراً تاريخية هامة ، هي تراث وإرث لا يجب تدميره والمساس به مثل : (القيقر) أي الخندق، وهو الموقع الذي شهد معركة بارا الأولي بين المقدوم مسلم حاكم كردفان والدفتردار صهر محمد علي باشا فى 16/4/1821م ، والمعركة الثانية علي ذات الموقع   والتي كانت بين الإمام محمد احمد المهدى والحامية التركية فى يناير 1883م والتى إنتصر فيها المهدي.

للحديث عن أهمية مدينة بارا التاريخية ودورها وإمتدادات حوضها الجوفي المائي اتصلت (الميدان) بالدكتور/ داؤود ساغة، أستاذ التاريخ بجامعة الخرطوم والذي قال : (بارا مدينة قديمة منذ القرن الثامن الميلادي، وقد كانت معروفة فى الروايات القديمة، وترجع التسمية الي بارا ـ يباري أي المباراة ، فقد كان هناك أخوان دخل أحدهما الغابة وقام أخوه الآخر بمباراته أي جاء ورائه بحثاً عنه ، وآخرون قالوا أن سبب التسمية من البر أي الإحسان وذلك لأن المنطقة غنية وفيها خيرات كثيرة وهنالك روايات أخري. حوض بارا الجوفي حوض كبير يمتد حتي حدود ليبيا فالنهر الصناعي العظيم فى ليبيا يملأ من مياه حوض بارا الجوفي لقرب المياه من سطح الأرض . بارا فى التاريخ تعرف بالحواضر فهي مدينة قديمة موجودة باسمها الحالي من قبل تاريخ السودان الحديث فى 1821م وهي مدينة لها اهميتها التاريخية والأثرية ومنطقة تمازج وتماهي وتلاقح ثقافات وإختلاط أعراق وقبائل من مختلف أنحاء السودان ولها بعد إقتصادي هام بحكم موقعها كما ولها بعد ديني قديم ومتجذر . من هنا تنبع أهمية المدينة التاريخية والتي يجب المحافظة علي هذا الطابع فيها وإن كان لابد من إضافة طابع حديث يمكن أن يحدث ذلك ،  لكن دون المساس بالمدينة القديمة فالمحافظة علي الطابع القديم والموروث مهم في بناء الشعوب وفي تشجيع السياحة) .

لجنة المهندسين الزراعيين وإختصاصي الإنتاج الحيوانى بمدينة بارا

لجنة المهندسين الزراعيين والإنتاج الحيوانى بمدينة بارا كان لهم رأي علمي فيما يتعلق بقرار تغيير غرض السواقي من زراعي الي سكني وتلخصت مناهضتهم لقرار النزع بناءاً علي الحقائق العلمية الآتية:-

أراضي هذه السواقي رملية خصبه ميزتها النسبية للزراعة والانتاج وليس السكن والمحال التجارية .

قلب المدينة المستهدف هو بطن الواحة وهي مركز التغذية للحوض السطحي والجوفي لذلك أي مبانٍ خرسانية سوف تؤثر علي إنسياب المياه الطبيعي لآبار الشرب، كما أن مستوي المياه السطحية لا يسمح ببناء مبانٍ مسلحة ومتعددة الطوابق.

خطورة الصرف الصحي المصاحب للمباني علي الحوض السطحي والجوفي  وهذه كارثة ستكون لها  عواقب كارثية علي صحة الانسان والحيوان .

أثبتت الدراسات صلاحية أراضي السواقي المستهدفة لممارسة أنشطة تربية الضأن بوسائل التحسين الوراثي للضأن الصحراوي والقرج والصناعات التحويلية للإستفادة من مخلفات الحيوان والمحاصيل الزراعية والمجاري .

إستزراع الأرض يساعد فى الحد من ظاهرة الإحتباس الحراري ويتعارض مع برنامج  الأمم المتحدة وهو مناقض لفكرة تحويل  السواقي لغابات أسمنتية تعارض القرار مع معاهدات الأمم المتحدة بشأن  التغيير المناخي وهي معاهدات دولية تتعلق بالبيئة ، السودان من الموقعين علي هذه الإتفاقيات.

  • متناقضات فى القرارات :-

ولأن ما يحدث الآن فى بارا من قرارات غير مسؤولة ، أمر يكاد يكون مشابه لمعظم قرارات بعض الولاة فى غالبية ولايات السودان ال 18 ، غياب الرؤية والإدارة الحقيقية للموارد الموجودة فى كل ولاية والإستغلال الأمثل لها وتوظيفها لتطوير كل منطقة علي حده ، والتمترس بقرارات تعسفية سلطوية أحادية تكاد تجهض أي مشروع تنموي حقيقي يخدم المواطن ويوفر فرص عمل للعاطلين ،فعدد الأسر التي تسترزق من العمل فى السواقي أكثر من 200 أسرة . فمياه حوض بارا يمكن أن تحل مشكلة العطش التي تعاني منها حاضرة الولاية مدينة الأبيض فمشهد شراء المياه فى عروس الرمال مشهد قديم ومتجدد ومألوف. ففى تصريح للسيد/ يوسف الكناني، مدير هيئة مياه ولاية شمال كردفان نشر علي شبكة الشروق الإلكترونية قال: ( إن إكتمال العمل بمشروع مياه الأبيض سيمكن من توفير ما يقارب 54 الف متر مكعب من المياه فى اليوم وبالتالي حل مشكلة نقص مياه الشرب بمدينة الأبيض بشكل كامل وأن الهيئة تبذل مجهودات كبيرة لإنجاز العمل في ربط 18 بئراً جديدة بحوض بارا الجوفي بخط ناقل لتجميع المياه وتركيب طلمبات جديدة لضخ المياه بإتجاه مدينة الأبيض)إنتهي.

سؤال مشروع: كيف سيتم تنفيذ هذا القرار فى ظل قرارات والي الولاية والتي تعمل علي تدمير الحوض المائي وتحويله الي مباني والإضرار به؟؟ّ والذي إن دل إنما يدل علي أنه قرار أحادي اتخذ من جهة دستورية بدون دراسة علمية أو توافق كامل بين كل مكونات الولاية التنفيذية والتشريعية.

  • رؤى مستقبلية لتنمية المنطقة والنهوض بها :-

زيادة الإنتاج البستاني والتوسع فيه هو أساس تنمية المنطقة وهو يتطلب الإبقاء علي غرض السواقي للإنتاج الزراعي والحيواني والتشجيع علي إستثمارها والعمل علي تصديق المزيد من السواقي بدلاً من تقليص المساحات وتغيير الغرض .

دعم أصحاب السواقي بمدخلات الإنتاج ومواد التسوير الذي يحفظ للمنطقة جمالياتها

تشجيع قيام الجمعيات التعاونية  كوسيلة تمويل .

الإهتمام بالتصنيع الغذائي هدف إستراتيجي .

تطوير الوسائل والقنوات التسويقية لتواكب الزيادة والوفرة فى الإنتاج .

 قيام وتطوير  مؤسسات بحثية علمية لإدخال أصناف جديدة وقيام فرع لكلية الموارد الطبيعية بجامعة كردفان تسهم فى التطوير المحلي وربط المنطقة بالمؤسسات العلمية المواكبة والحراك التنموي. أي توسع فى الخدمات يجب أن يكون بعيداً عن قلب المدينة  النابض بالخضرة مع الحرص علي حماية البيئة والتربة وعدم تلوث مياه الري والشرب بمياه الصرف الصحي وعوادم السيارات والزيوت .

تغيير غرض السواقي خطأ فادح وغير مدروس ويخدم أغراض مصلحية  وينافي طبيعة المنطقة الإنتاجية والتي أنشئ طريق الصادرات من أجلها  ولم يكن الهدف من اجله يوماً أن تكون بارا مجرد نقطة للجبايات لإنتاج الآخرين   

  • مناهضة شعبية لقرار النزع :-

وفي إطار المناهضة الشعبية لأهالي بارا لقرار النزع، تشكلت لجنة  علي الأرض سميت بلجنة مناهضة تغيير غرض السواقي وقد أصدرت عدد من البيانات المندده بالقرار جاء فيها :

( ... السواقي هي رئة وحياة وهوية بارا وهي حرفة الكثيرين من أهل البلد ومصدر رزق لملاكها وأسر عمالها والمشتغلين فى مجال تسويق الخضر وعربات النقل وحتي الفقراء، الحكومات الرشيدة تبني ولا تدمر تحمي الخضرة ولا تجففها، حكومة شمال كردفان جرفت السواقي حتي أصبحت قاعاً صفصفاً فافقدت اقتصاد بارا ميزته النسبية فى إنتاج الخضر والبستنة، ان تطوير السواقي وترقية الإنتاج هو أساس التنمية الحقيقية التي ننشدها .لسنا ضد التطور والتخطيط وهناك متسع من الأراضي للبناء خارج قلب المدينة وهناك خيارات أخري للمحلات التجارية علي طول الصادرات. إننا نرفض تغيير غرض السواقي لتصبح مساكن أسمنتية وأماكن للخدمات والتى سوف تلوث المياه الجوفية  والسطحية بالصرف الصحي والمجاري. الاهل الكرام ارفضوا و قاوموا بشدة تغيير غرض السواقي حتي لا يحل السيخ والأسمنت والمباني مكان السواقي والخضرة والهواء النقي .. لا تتنازلوا مطلقاً عن حقوق أهل السواقي فى ملكية سواقيهم .. حافظوا علي هوية مدينتكم  ولتعش بارا وديعة تزهو فى ثوب من الخضرة والجمال) إنتهي.

رؤية مكتب المزارعين المركزي بالحزب الشيوعي السوداني لخطوة حكومة ولاية شمال كردفان فى نزع بعض السواقي وتحويلها لمحلات تجارية وعمارات :

(الميدان) سألت الأستاذ/ هاشم ميرغني عثمان – سكرتير مكتب المزارعين المركزي  عن موجة التغول علي المساحات الزراعية وتحويلها إلي مساكن ومحلات تجارية فقال :

( النظام الحاكم منذ الإستيلاء علي السلطة عام 89 فإن سياسته الزراعية كانت ولا زالت تهدف الي صياغة واقع جديد يمكن القطاع الخاص من السيطرة علي المشاريع القائمة والإستحواذ علي الأرض والموارد الطبيعية وكذلك فتح الطريق أمام رأس المال الأجنبي بدعوي إستثمار الأرض ، هذه السياسة واضحة المعالم وبخطوات مرسومة بدقة أولها خروج الدولة عن دورها فى القطاع المروي, ببيع الأراضي للأجانب ، حل المؤسسات النقابية للمزارعين، إصدار  قوانين تهدف إلي تحقيق التصرف فى بيع الأراضي الزراعية حتي صنف السودان عالمياً بأنه أكثر الدول مباعاً للأراضي الزراعية والأطول امداً فى الإيجارات . كما تهدف السياسات المنتجه بوضع عقبات مختلفة أمام تنفيذ العملية الإنتاجية (مشكلة المياه ، إرتفاع مدخلات الإنتاج) لتجد مدخلاً للشركات التعاقدية (تاجر شيل جديد) وهذه الشركات يتم التعاقد معها عن طريق جمعيات الإنتاج الزراعي والحيواني التي سن لها قانون 2010م وهي إحدي الطرق للتمهيد للشركات مثل (الأفريقية ، شركة الأقطان ، البرير، الشركة الصينية، البنك الزراعي ، التآخي المصرية، شركة المزدانة ...الخ) لم تتجاوز أسعار كل الشركات (1550 – 1700ج) مع ان سعر القنطار فى السوق قد وصل أكثر من 2500ج ! إن الهجمة علي الأراضي الزراعية فى كافة أنحاء السودان:الشمالية، نهر النيل ، النيل الأزرق، كردفان ..الخ ، وبعقود وإتفاقيات لم تعرض أو تنشر علي أصحاب المصلحة بطريقة المؤامرة أو الإنقلاب .فما من مساحة صغرت أو كبرت من الأرض الزراعية إلا و تم التعدي عليها ، وخير مثال سواقي بارا بولاية شمال كردفان من قبل والي الولاية وهو يخطو خطوه لتحويل الأرض الزراعية فى منطقة السواقي إلي عمارات للطبقة الجديده التي أفرزها نظام الإنقاذ وليس للإستفادة والتطوير والتنمية الزراعية فى إقليمه . لقد طرح الحزب الشيوعي في برنامجه مساحة واسعة للقطاع الزراعي فى وجهة معالجة أزمته وأزمة الإقتصاد بشكل عام من خلال بديل وطني ديمقراطي يؤدي إلي إحداث تحولات مع قوة دفع ذاتية فى الإقتصاد الوطني. وإلي حين تنفيذ ذلك البرنامج فإن أمام حركة المزارعين أن تناضل من أجل الدفاع عن الأرض وإسترجاع الأراضي التي بيعت لمنسوبي النظام، إلغاء القوانين الجائرة الخاصة بالمشاريع المروية، إستعادة منبرهم النقابي إتحاد المزارعين . هذه المهام هي المهام العاجلة أمام حركة المزارعين في صراعهم من أجل الأرض والبقاء)إنتهي.

ختاماً نقول:

هذه السواقي موجودة منذ ما قبل العام 1923م ويمارس فيها الزراعة بكافة أنواعها وليس الجرجير والفجل كما ذكر احمد هارون فى حواره الإذاعي ، فما الذي إستجد لتغيير الغرض ، وهل إستصحب معه عند إصداره القرار البعد التاريخي والأثري للمدينة ؟ فما الذي يضير السيد الوالي إن كانت وجهته نحو بارا جعلها مدينة تاريخية مفتوحة للسياحة علي وزن مدن ورزازات وشفشاون المغربيتان ، مدناً مفتوحة للسياحة العالمية وعكس البعد الثقافي والموروث الشعبي لكردفان وعمقها فى التاريخ الإنساني وليس تدمير كل هذا التاريخ وطمسه تحت جرافاته والتي بدأت بالفعل فى حرق وتجريف لبعض السواقي . وهل المصلحة العامة تعني نزع  الاراضي من مالكيها الاصليين  وتخصيصها لملاك جدد ؟ وهو قرار ان تم سيكون متعسفا في استخدام سلطة النزع . وهل سيكون لقرار الطوارئ المفروض علي الولاية بغرض جمع السلاح فقط أي إستخدام آخر فى محاولة إسكات وقمع أي تحرك لأهالي بارا كتنظيم وقفة إحتجاجية تنديداً بقرار النزع أو إستخدامه كذريعة لإعتقال الناشطين ؟؟!! .