المشهد السياسي

  • تلك اللمة:

على طول الشارع الذي تقع فيه المستشفيات الخاصة  يجلس الناس ويفترشون الأرض. نظراتهم شاردة ووجوههم تكسوها مسحة بين الخوف والترقب. وينطلق بين الحين والآخر صراخ إمرأة يمسكها الرجال بقوة ولكنها تنفلت منهم وتتكوم على الأرض. ذلك اثر خروج رجل من داخل المستشفى يداري الدمعتين بكم الجلباب، أو يقلد آخر ويبكي بكاءً مكتوما، حينها يعلم الجميع أن الأمر قد انقضى، فتهون على الآخرين مصائبهم ويحاولون التخفيف عن هذه الأسرة المفجوعة في حين ينشغل الرجال بتجهيز العربة البوكس لنقل الجثمان. ربما يتكرر هذا المشهد مرات عديدة خلال عصرية واحدة وأمام جميع المستشفيات التي يرتادها السودانيون بكثافة أكثر من إرتيادهم للحدائق العامة أو ملاعب كرة  القدم. فلا تزيح بصرك عن جثمان خارج الا لتركزه على نقالة محمول عليها مريض داخل في حالة حرجة، ويكثر الهرج والمرج عند الدخول وعند الخروج. والشاحنات نصف نقل ترابط امام المستشفيات أكثر مما تقف أمام المغالق بوسط الخرطوم. ويطل بين الحين والآخر رجل من داخل المستشفى يتحدث الى أخر يوصيه بالروشتة ويتحرك اخر لتوفير متبرعين بالدم، بين الوصايا اللاهثة حول بدائل الادوية الوطنية وتأكيد فصيلة الدم. تتقاطع اصوات العشرات من مرافقي المرضى وكأننا في اعقاب تفجير انتحاري او خلفتنا هزة ارضية. عويل وصراخ وتأكيدات وسخط على الحكومة وعلى كل شي. تلك اللمة تفضح كامل المشهد السياسي، ولا يمكن التستر عليها لانها تجمع الناس من كل السودان وتتواصل مع كل السودان عبر الفيديوهات المرسلة والرسائل النصية. فالزمن الذي يغطي فيه المسؤول على تقصيره بترديد الشائعات والاكاذيب قد انقضى الى غير رجعة. فالعصرية عند المواطن لم تعد مخصصة للخروج او تبادل الزيارات واصبحت حصرياً على المستشفى. واذا سالت اى من سائقي التاكسي والترحال عن أكثر المشاوير التي يقومون بها، ستجدها الى المستشفيات. وأهل السودان يصلون اينما ادركتهم الصلاة، ولذلك تجد صفوف المصلين في كل مكان، في مواقف المواصلات ووسط الاسواق ولكن اكبر تجمهر للمصلين هو الذي يكون جوار المستشفيات الخاصة، التي تقاسمت تركة الرجل المريض واعني مستشفى الخرطوم. فقد تراصت هذه الكناتين الطبية بعرض الشوارع المؤدية اليها. بل ان بعضها فتحت الشوارع التي تقود اليها باقتطاع اجزاء من مباني المستشفى. مع انها ارض حكومية لكنها خصصت لمصلحة خاصة. لذلك برغم النزاعات التي يحرز فيها السودان وضعاً متردياً،الا ان ضحايا الامراض وحوادث الطرق يفوقون ضحايا الحروب. الاسباب عديدة اهمها انعدام الصحة الوقائية وانخفاض القيمة الدوائية للعقاقير الطبية ونفاذ الادوية المنقذة للحياة من الامدادات الطبية، التشخيص الخاطئ. باختصار الاهمال التام لقطاع الصحة الذي يؤكد المختصون انه على شفا الانهيار تبعاً لتخصيص الموارد الذي ينحرف عن معاش الناس وعلاجهم وتعليمهم ويتكرس كلياً للامن والدفاع والرشاوي السياسية الى جانب انهيار الاقتصاد السوداني الذي لم يعد سراً يعرفه أهل التخصص واصبح حديث الشارع ويتداوله مرافقي المرضى الذين يقضون الايام والليالي تحت ظلال الاشجار، والواقفون في الصفوف ال5 الخبز ، الوقود، الغاز ، الصرافة والصيدلية.

ومن الماسي التي يعانيها المرضى التجوال وفي ساعات متأخرة من الليل بين المستشفيات، وقد تكون حالة المريض لا تحتمل. ويحكي صديق انه اخذ زوجته الى مستشفى خصوصي وكانت تعاني من الم في بطنها وهى حامل. لكن في المستشفى المتميز نصحه الطبيب بالذهاب الى مستشفى خاص، لان هذا المستشفى رغم التميز والذي ربما يكون في الكافتيريا او الاسعار السياحية ، الا ان الطبيب قال انه ليس لديه (جونت) للكشف على المريض كدليل على حالة التجهيزات المتميزة، وفي المستشفى  قيل لهم يجب ان تذهبوا الى مستشفى حكومي . قابلتهم طبيبة قالت انها تعتقد ان المريضة تعاني انفصال في المشيمة، ونصحتهم بالذهاب الى مستشفى الدايات وكتبت لهم  كشف بالموجات الصوتية. ليكتشفوا ان الالم عادي ووضع الجنين جيد. وحين اخبر صديقنا الطبيب بتشخيص الطبيبة في المستشفى الحكومي قال له، استغرب  الاخصائي، لان انفصال المشيمة لا يكون  الا عقب الولادة، وحين عاد الى المستشفى واخبرهم بحديث اخصائي الموجات الصوتية  اعتذرت له طبيبة اخرى غير تلك الشاطرة عن خطأ تشخيص زميلتها. ايجار الركشات للفسحة بين المستشفيات التي لا يعمل قسم من اقسامها بكفاءة عالية غير الكافتيريا، تضاف الى تكلفة العلاج ضمن المصاريف غير المنظورة. كما ان حالة الاهمال التي تعاني منها المستشفيات العامة والخاصة تضاعف من معاناة المريض وتضيف سبباً اخر للوفاة. كل هذا يحدث والرئيس يباهى بالوضع الصحي في السودان. مستشهداً بتقرير منظمة الصحة العالمية، التي تمضي بخطى حثيثة باتجاه فقدان المصداقية والمهنية. 

  • الراس المقطوعة:

تقول الاسطورة الرومانية ان سلطات قيصر روما حكمت على الشقي دنيس بقطع الرأس. وعلى ان ينفذ الحكم وهو يصعد جبل الالب. وحين نفذ الجنود الحكم انحنى الرجل وحمل راسه المقطوعة وأكمل صعوده بعد فرار الجنود مذعورين.

وراس دنيس اصبحت تستخدم من قبل الفلاسفة، كما يقول فيلسوف فرنسي لا اتذكر اسمه في كتاب بعنوان (الاصبع الصغيرة) للرمز لحالة الاجيال الجديدة التي تستخدم اصبعها الصغيرة للوصول للمعلومات والمعرفة التي تتجاور كل حقولها في شبكة الانترنت. ويكفي تحريك مؤشر البحث للوصول الى مظانها من خلال هاتفك الخلوي. وان ما كان في الماضي يمثل مستودع تلك المعارف قد تحول الآن الى صندوق صغير يحمله شاب في مقتبل العمر  بيده. وفي أي مكان في العالم فان هذا الشاب او الشابة يحمل راسه في يديه كما فعل دنيس في الاسطورة الرومانية القديمة. لا يتطلب الوصول الى المعرفة الذهاب الى الحرم الجامعي او الفصل الدراسي او المدرج.  ، كما لا يتطلب التواصل بين أهل التخصصات فيما بينهم وبين الآخرين الوجود في مكان واحد، أو  الجلوس في محاضرة تتركز فيها الابصار على منصة يجلس فيها رجل أو إمرأة يعتقد أنه يتمتع بمقدرات فكرية أو درجة عالية من الذكاء، لا يفترض وجودها في من يستمعون إليه. اذاً نحن نشهد عصر سقوط المنصة و الداعية. فالمعلومات والمعارف والأفكار متوفرة وتحت الطلب لكل من يجيد التعامل مع مؤشرات البحث. أنتهى عهد الفرجة وبث المعلومات والمعارف وفرضها على الناس ما لم يطلبونها. كما لم يعد هناك متلقي ومرسل. ولكن هناك تشارك في عملية الإرسال والتلقي. ولم يعد هناك متفرج سالب يمكن اعادة صياغته ولكن هناك مشارك في العملية الاعلامية. لا داعي للتحلق حول متحدث ذرب اللسان. لقد انتهى عهد الصيونات والكراسي والساوند سيستم. ويمكن للانسان ان يشارك عدة الاف من الناس افكاره وابتكاراته من مخدعه في المنزل أو وجوده  في رحلة خلوية. كما يمكنه ان  لا يسمع أو يشاهد ما لا يريد.

الرسالة الاعلامية في هذا الوضع مطالبة بالتركيز على مطالب الناس الحقيقية، لا تقديم أفكار عامة أو دعوة لفكرة، هي اصلاً موجودة بتفاصيل كافية وبصياغة متقنة داخل الشبكة العنقودية والوصول اليها لا يكلف أي مجهود. القاري أو المتابع يتسأل حينما يقبل على مطالعة ما هو مكتوب، هل من جديد للأجابة على مطالبه الحياتية. ايها الأخوة الكتاب ابتكروا حلولاً لمشاكل الناس، وجاوبوا على اسئلتهم الحقيقية وكونوا على مقربة منهم لكي تتعرفوا عليهم بشكل افضل.  والا لن يقرأ لكم احد، اذا كان ما تكتبونه  قد قيل من قبل، ويحمله صبي داخل صندوق ازرق في يده.

  • تقنين النزوح:

كنا نتوقع ان يكون الهبوط الناعم على حساب عودة النازحين الطوعية الى قراهم الاصلية. و التي استقرت فيها مجموعات سكانية أخرى ومنعتهم من زراعة أراضيهم. وذلك قبل ان نستمع الى خطاب السيد رئيس الجمهورية  في منطقة كاس وهو يأمر بتخطيط معسكرات النزوح ووضع خطة اسكانية لها. بحجة انهم يعيشون في أوضاع غير إنسانية. ومن وفق ذلك دعوته الى من يحملون السلاح  بالالتحاق بركب السلام، وبنبرة تهديدية قال لهم فيها ( لن ننتظركم، الجاي السلام حبابو والمابجي بنصلوا في مكانه). والدعوة للسلام من غير شروط، وعلى رأس تلك الشروط العودة الطوعية وارجاع حقوق الناس واملاكهم ومزارعهم المنهوبة، ومعاقبة المعتدين تعني تقنين الوضع القائم، وتأكيداً لوعد الحكومة السابق بانها لن تضيف الى اتفاقية الدوحة شولة واحدة. كما يتعين على القوى التي لا تحمل السلاح ان تقبل مخرجات الحوار الوطني وحتى لو لم تنفذها الحكومة.  مما يعني ان المعارضة  ان قبلت الدخول في حوار مع النظام، فانها ستوقع في نهاية المطاف على شروط استسلام. اما الحديث عن ملاحقة الاباء الذي لا يلحقون ابناؤهم بالمدارس قضائياً، تنفيه حقيقة ان 70% من أطفال دارفور في سن المدرسة خارج المدارس. كما أكدت ذلك تقارير دولية سبق للميدان ان نشرتها في حوار مع سكرتير الحزب الشيوعي في اقليم دارفور، الاستاذ أدم شريف. والذي أكد في ذلك الحوار ازدياد حالات النزوح في منطقة شرق جبل مرة واستيلاء مجموعات على مزارع الاهالي. واذا تم توقيع اتفاقية سلام في هذه الظروف فان ذلك يعني تسليم مزارع دارفور وقراها الى اخرين وحرمان اهلها منها. فهل هذا هو الهبوط الناعم الذي تريدونه يامن تشكون من معارضة المعارضة لكم؟ وهل ستكونون انتم معارضة في هذه الحالة.