مفهوم العمل الديمقراطي وسط الشباب(1-2)

بندر نوري

  • المتغيرات العالمية:

في فترة مابعد الحرب العالمية الثانية بعد أزمة التراكم الراسمالي في الثلاثينيات ازدهرت الكينزية والنموذج الفوردي للتنمية وتنظيم الانتاج وكان التراكم الراسمالي يعتمد علي الانتاج بوفرة مع زيادة الاستهلاك علي طريق تدخل الدولة في اعادة توزيع الدخل وزيادة القدرة الشرائية للعاملين عن طريق تكوين نقابات عمالية قوية.

مع أزمة التضخم والركود وأزمة التراكم الراسمالي في السبعينات تم التحول من الكينزية إلي الراسمالية المالية ( اللبرالية الجديدة) والتعبير السياسي لهذا التحول كان انتخاب ريغان وتاتشر فيما عرف بالريغانية والتاتشرية(Chapman 2010)

تم التنظير للاساس الاقتصادي للتحول من الكينزية لللبرالية الجديدة في جامعة شيكاغو وكان من ابرز من المنظرين الاقتصاديين ميلتون فريدمان الذي قال(بان الإقتصاد الخالي من القيود وتدخلات الدولة سوف ينمو بشكل اسرع والفوائد سوف تعود علي الفقراء).برنامج التكييف الهيكلي (Structural Adjustment Program) هو الوسائل العملية التي تستخدمها المؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدولي ((IMF والبنك الدولي ((WB لنشر وتنفيذ اقتصاد السوق واللبرالية الجديدة عبر التفاوض المباشر مع وزراء المالية في الدول المختلفة عن طريق استخدام برنامج التكيف الهيكلي كشرط لجدولة الديون القديمة واقراض ديون جديدة في المستقبل. إذا لم ينجح التفاوض في احداث التغييرات المطلوبة يتم اللجوء إلي التدخل العسكري المباشركما حدث في حالة حرب العراق وليبيا وأشار لذلك بروف ديفيد هارفي في كتابه عن اللبرالية الجديدة(Harvey 2005).

وضعت المؤسسات المالية شروط علي الدول يجب أن تفي بها وتمثل هذه الشروط مكونات برنامج التكيف الهيكلي وهي:

  • أن تقوم الحكومات بتخفيض القوي العاملة في القطاع الحكومي.
  • تخفيض الأجور
  • تخفيض ميزانيات القطاعات الحكومية خاصة قطاع الخدمات ( التعليم والصحة)
  • إلغاء الدعم الحكومي للسلع الضرورية وتدخلات الدولة لحماية الأسعار.
  • تعويم العملات المحلية.
  • بيع أصول الدولة, مما يعني تمدد القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني (NGOs)في تقديم الخدمات الاجتماعية.
  • تقليل الضرائب علي الإستثمار الأجنبي.
  • إضعاف تدخلات الدولة في حماية البيئة وحماية العمالة عن طريق إضعاف النقابات العمالية التي استمدت قوتها ووزنها السياسي في الفترة الفوردية, بالاضافة الي تغيير قوانين العمل لمصلحة راس المال من ناحية الحق القانوني في تسريح العمالة بدون قيود واضعاف قوانين الصحة المهنية.
  • عدم تدخل الدولة في حركة راس المال والحركة العكسية لفائض القيمة.

في عام 1989 تم صك مصطلح إجماع واشنطن للتعبير برنامج التحالف الذي يجمع صندوق النقد الدولي, والبنك الدولي, ووزارة الخزانة الأمريكية من اجل التعامل مع إقتصاديات مابعد التكيف الهيكلي ( فرض اقتصاد تقشف)     .(Chapman 2010)

بحلول عام 1991 أصبحت 75 دولة فقيرة   مستقبلة للدعم المرتبط بالتكيف الهيكلي. 30 دولة في افريقيا, و 18 دولة في أمريكا اللاتينية.

في السودان أول محاولة لتطبيق برنامج التكيف الهيكلي كان عام 1968 (السودان حروب الموارد والهوية). ثم تمت إعادة محاولة لتطبيق التكيف الهيكلي في عهد الرئيس جعفر نميري بعد المصالحة الوطنية عام 1978. في عام 1989 بعد إنقلاب الجبهة الاسلامية تم الشروع في تنفيذ كل مراحل البرنامج ( التثبيت و التكيف) لكن بدون مساعدات تقنية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كما أشار لذلك د. عبد الحميد الياس في احدي بحوثه(Suliman 1997).

من تاثيرات برنامج التكيف الهيكلي انه أدي إلي خلق طبقات راسمالية مسيطرة ( راسمالية مالية), أو اعادت السيطرة الطبقية مع خلق اليات جديدة للتراكم الراسمالي تمثلت في التراكم عن طريق النزع ((Accumulation by dispossession أو التراكم البدائي بلغة كارل ماركس في راس المال (نزع الاراضي وأصول الدولة .(Marx 2010)إضافة الي الفساد ,المضاربات, تجارة العملة, والتحول في أشكال وشروط التوظيف من الوظائف الدائمة إلي المؤقتة وما يصحب ذلك من استغلال للعمالة كما أشار لذلك ديفيد هارفي (Harvey 2005).

التحولات في البنية   التحتية أدت إلي تمظهرات علي مستوي تنظيم جهاز الدولة وتنظيم العمالة حيث ظهرت الية جديدة مرنة للتنظيم تجنح إلي التماهي مع سهولة حركة رؤوس الأموال عبر القارات للهروب من أماكن ارتفاع تكاليف الإنتاج والقيود الصارمة علي أسواق العمالة وحماية البيئة. فيما عرف بالحداثة السائلة بلغة زيجمونت باومان(Bauman 2005) او الحداثة الأخري بلغة أولريش بيك(Beck 1986) للتعبير عن متغيرات البنية الفوقية(Harvey 1992)

هذه المتغيرات طرحت اسئلة عن جدوي التنظيم حيث ظهرت مفاهيم مثل سياسة الفضائات المفتوحة او politics without politics بلغة سلافوي جيجك نتيجة التحولات من الفوردية الي التراكم المرن الذي يتبني اليات مرنة في التنظيم مثل المبادرات والإجسام المؤقتة التي لاتراكم للتجارب المختلفة وتطرح حلول للأزمات لكن ليست لها إجابات لما بعد الأزمات أو مايسمي ب  Morning After.

أن أهم درس يمكن أن نخرج منه من دراسة هذه المتغيرات هو ضرورة ممارسة العمل السياسي والديمقراطي عبر التنظيم المحكم الثوري أي بمعني اخر الابحار عكس متغيرات الراسمالية المتاخرة وما تبتدعها من اليات تنيظيمية وهذا نفس الإتجاه الذي ختم به جيجك كتابه إعادة لينين (Zizek 2002).

متغيرات الليبرالية الجديدة تستدعي إعادة النظر في العمل الإصلاحي الخالص كونه من اليات اعادة انتاج السيطرة الطبقية عن طريق انسحاب الدولة من تقديم الخدمات وملئ الفراغ الناتج بواسطة القطاع الخاص. وتعمل مؤسسات العمل الطوعي (منظمات مجتمع مدني وحركات إجتماعية مثل شارع الحوادث) علي تخيف حدة هذه التحولات الإجتماعية علي الطبقات الكادحة وما يتستتبعه من تخدير الوعي السياسي كما تذهب لذلك أرونداتي روي(Roy 2014). لذلك ما نقترحه في هذه الورقة هو ضرورة المزاوجة ما بين العمل الإصلاحي والسياسي في عمل المنظومات الديمقراطية. بالإضافة إلي ضرورة التحلي بالمرونة التنظيمية اللازمة لجذب شباب الأجيال الحالية للعمل الديمقراطي وذلك من خلال استقلالية الفروع والتكوينات التنظيمية لهذه المنظومات. والإستفادة من السوشيال ميديا في العمل الإعلامي وعكس نشاطات ومشاريع المنظومة الديمقراطية.

يمثل اتحاد الشباب احدي المنظومات الديمقراطية وهو في طبيعته تنظيم ديمقراطي ثوري يتكون من التحالف الاستراتيجي بين الديمقراطيين والشيوعيين لانجاز مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية وبالتحديد فيما يخص قضايا الشباب من هذا البرنامج. يمثل الشباب جزء كبير من التركيب الديمغرافي للمجتمع السوداني مما يضع تنظيم هذه الفئة ومخاطبة قضاياها أولوية في عملنا الديمقراطي. حيث تشير تقديرات التعداد السكاني لعام 2008 أن 47.61% من السكان هم من الفئات العمرية (5-24 سنة).

((CBS) 2014)

  • طبيعة التحالفات الديمقراطية:

هي تنظيمات تقوم علي أساس التحالف الإستراتيجي بين الشيوعيين والديمقراطيين وسط قوي الجبهة الوطنية الديمقراطية وهي الجماهير العاملة والمزارعين والمثقفين الثوريين لانجاز مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية(الماركسيةوقضايا الثورة السودانية).

مقترح برنامج

.التضامن الأممي: المتغيرات العالمية تستلزم موقفا تضامنيا واضحا للتنظيمات الديمقراطية وفي مقدمتهم اتحاد الشباب مع المنظومات المماثلة ضد السياسات الليبرالية الجديدة, وخاصة في المنطقة الافريقية والعربية حيث اصبحت تتشكل معالم الدولة الليبرالية الجديدة مما ادي إلي تفاقم مجموعة من القضايا السياسية ومنها:

  • تسليع الخدمات الاجتماعية وفي مقدمتهم الصحة والتعليم
  • التلوث البيئي الناتج من طبيعة الراسمالية نفسها جيث أن الانتاج غير مرتبط بالحوجة الإجتماعية مما يؤدي باستمرار إلي فائض في الإنتاج وبالتالي إستهلاك الموارد الطبيعية وزيادة في المخلفات وانبعاثات الغازات الضارة بالبيئة. مع العولمة وسيطرة الشركات المتعددة الجنسية اصبحت دول الجنوب هي اكثر الدول تعرضا للتلوث البيئي وذلك لهروب رؤوس الاموال الي هذه الدول نتيجة ضعف او عدم وجود قوانين واضحة لحماية البيئة.
  • التعدي الواضح علي الديمقراطية حتي في صيغتها اليبرالية الشائهة حيث تحولت الديمقراطية الي مجموعة من الحريات المفروضة (Forced Free Choices) مثل الحريات الجنسية وذلك لعدم لحوجة راس المال للديمقراطية في عملية التراكم الراسمالي عكس العهد الكينزي والفوردي.تحديدا في عهد تكنولوجيا الجينات الحيوية (Biogenetic) حيث نجد أن وزارة الدفاع الصينية محددة في أهدافها تحديد البنية السكولوجية واعادة تركيبها متي ما لزمت الضرورة. نفس الشئ وزارة الدفاع الأمريكية بصدد تطوير تكنولوجيا يمكنها الإتصال بالدماغ البشري لتحديد أي نوع من التفكير الإرهابي والتدخل لتعطيله(Zizek 2008).
  • التهديد المستمر بنشوب حرب عالمية ثالثة مما تستوجب التضامن العالمي ضد الحروب ومع الديمقراطية والسلم. حيث اصبحت الولايات المتحدة تفقد هيمنتها داخل التحالف الراسمالي مع صعود قوي جديدة مثل الصين وروسيا مما ينذر بقرب حرب عالمية جديدة. بالإضافة الي التمركز المستمر للثروة في ايدي 1% من سكان العالم والإفقار المستمر لبقية السكان. التمدد المستمر للملكية الخاصة علي فضاءات الملكية العامة (Common property) كما سماها ماركس مثل خصخصة المعلومات ودخول الملكية الفكرية في مجالات البذور المحورة جينيا وملكيتها من قبل أشخاص وفي نفس الوقت الفقر المستمر والعطالة وخصخصة الخدمات الإجتماعية أدي الي مايسمي عند علماء الإجتماع Structured Violence حيث اصبحث البنية الإجتماعية مولدة للعنف في إشكاله المختلفة(Leatherman 2009)
  • تكوين جباه عريضة ضد نزع الأراضي وللدفاع عن المرافق العامة.

نواصل

 

///