توثيق الانتفاضة اغسطس 1973 الجماهيرية(1)

بقلم : علي عسيلات

لان الاهتمام بتلك الانتفاضة والتوثيق لها لم يتم بالشكل المطلوب لهذا وجد اعلان الاخوان المسلمين الفرصة في تشويه معالمها. عليه اجتمع لفيف من جماهير تلك الاحداث والمهتمين بها من اجل التوثيق الكامل لمآثرها سدا لمحاولات تشويه معالمها في أوساط الاجيال التي لم تعاصرها.

د.حسن الجزولي الميدان 28 اغسطس 2018

من العيوب التي يقع فيها أفراد من القيادات السياسية السودانية في كل الأفراد الاحجام والتناقض عن كآبة ما حدث في أزمانهم وتوثيقه للأجيال القادمة والحاضرة ولا يخرج عن هذا حتى القيادات النقابية والذين قامت على أكتافهم الحركة النقابية السودانية واتحاد المزارعين والمعلمين والممرضين الخ..

وهذا الإحجام عن التوثيق ربما يكون مرده نحو ذلك الشعور الخفي الذي يلازم السياسي السوداني عند الحديث حينما يتعلق الأمر به أو كيانه السياسي وكأنه لو ذكر مكافحته ونضاله كما لو قدم فاتورة محاسبة للشعب الكريم أو اظهر الامتنان بما فعل غير أن ذلك ليس صحيحا بالمرة بل يعد الإحجام عن التوثيق للمواقف الشخصية إهدار لحقوق الأجيال القادمة وحرمانها من التعرف على تاريخ بلادها وما حدث فيها والذين شاركوا في تلك الأحداث سلبا أو إيجابا وبالطبع متاح لكل الذين شاركوا في الأحداث التاريخية أن يكتبوا تجاربهم وللباحث أو القارئ الوصول للحقائق بعد الاطلاع على كل وجهات النظر أن ضعف التوثيق والإحجام عن الكتابة أحاط كثير من الأحداث بالغموض وقد أشار د.حسن الجزولي عرضا لذلك الغوض والتشويش وقلب الحقائق وإخفاء ادوار كل الذين شاركوا أو دافعوا وبما أني احد الذين شاركوا فيها ومن موقعي في السكة حديد سأورد بعض ما عايشته ورايته وتجرعته سجنا وفصلا عن العمل كسائر زملائي العمال الذين شاركوا ولعبوا أدوارا هامة في تلك الانتفاضة الجماهيرية الباسلة وسأورد ضمن سهمي هذا شهادات بعض الذين شاركوا في تلك الأحداث من كل فصائل شعبنا الكريم إن أحداث أغسطس 1973 والتي سماها الإخوان المسلمون حركة شعبان المباركة باعتبار أنهم الذين صنعوها وأشعلوا شراراتها وامسكوا وحدهم مع حلفائهم الأمة والاتحادي بزمام قيادتها وهذا ليس صحيح. كانت هنالك إرهاصات وحركات عمالية وخاصة في السكة الحديد والمنطقة الصناعية بحري بل وكانت أغسطس 73 مولودا للمقاومة الباسلة والتي كان وقودها الأنصار في ود نوباوي والجزيرة أبا وهي أول مقاومة مسلحة لنظام 25 مايو حيث استنكر الحزب الشيوعي تلك البشاعة والقتل للمدنيين ودفع الشهيد عبد الخالق ثمنا لهذا حي جرى اعتقاله وإبعاده لمصر مع السيد الصادق المهدي في طائرة واحدة وكان الحزب الشيوعي قد وجه رسالة قوية للرئيس جمال عبد الناصر فحواها لا يمكن أن تكون مصر منفى للسودانيين. ثم جاءت حركة يوليو التصحيحية 71 ولم تستمر سوى ثلاثة أيام ليعود السفاح نميري يوم 22 يوليو 71 ويعيد سلطته وسط برك من الدماء ويتم اعتقال آلاف الشيوعيين والديمقراطيين والوطنيين عامة وتنصب المشانق لقيادة الحزب الشيوعي ويواجه عشرات الضباط والجنود الإعدام رميا بالرصاص في بسالة نادرة كل تلك الأحداث وغيرها هي الحاضنة التي خرجت منها انتفاضة أغسطس/شعبان- ولم يفجرها مزاج الإخوان المسلمين وحدهم ورغبتهم في القضاء على نظام السفاح نميري وان كان هدفهم هو هذا فعلا. كتب الإخوان المسلمين عن هذه الانتفاضة كثيرا وضمن أدبياتهم وطالما تباهوا كثيرا بها (ثورة) شعبان وتصور بعض من شارك فيها منهم بأنهم وحدهم أبطالها ووحدهم من دفع ثمن فشلها وقالوا انها من صنعتهم(الإسلامية) بأسمائهم المختلفة فقط لا غير ولم يذكروا حتى دور الأحزاب التي كانت معهم وشاركت بقوة وكانوا يسمونها(الأحزاب النظيفة) ويقصدون الأمة والاتحادي حسب تحالفهم آنذاك.

غير أن ساحة النضال الواسعة لم تكن حكرا لهم وحدهم أو ملكا حصريا لتنظيمهم فقد كانت الحركات الاجتماعية والتي أقضت مضاجع سلطة السفاح نميري وأزعجت أجهزته الأمنية تندلع في كل الورش وقد أمكن لعمال الحركة والبضائع في الخرطوم وبورتسودان وعطبرة وبابنوسة موقف مشهود قبل اغسطس/شعبان 73 واشير هنا لحركة القطرجية وعمال الورش لاصلاح بيئة العمل واشهر المواقف ببورتسودان عندما حوكم احد رؤساء القطرجية بجريمة (التسبب في قتل مواطن) عند احد البوابات بالسجن اثناء عمله وكان هذا في العام 72 بعد اشهر من احداث يوليو 71 وقد تضامن عمال الحركة وسائقي القطارات بجانب زميلهم المسجون وتم ايقاف عدد كبير من العمال عن العمل وطلبت ادارة السكة الحديد بورتسودان حينها من الاقسام امدادها بعمال بدلا عن الموقوفين وللتاريخ لقد كان موقف الحزب الشيوعي بالخرطوم(السكة حديد) قويا ومؤازرا لعمال بورتسودان فقد قرر فرع الحزب ان يسافر الى بورتسودان العمال الملتزمين بقضية عمال الحركة وهذا ما قد كان اذ تطوع للسفر عدد من العمال الشيوعيين والديمقراطيين- بينما كان العمال في بورتسودان الموقوفين عن العمل يترقبون وصول عمال الاقليم الذين سيحلون مكانهم ولكن انقلب السحر على الساحر لان العمال الذين وصلوا لبورتسودان من الخرطوم وعطبرة اتخذوا نفس الموقف الذي اتخذه عمال بورتسودان بل وضعوا انفسهم عمليا تحت قيادة الاضراب مما ادى لنجاح التفاوض مع ادارة السكة حديد وانتزاع المطالب واقرار اتفاق مع النقابة في بورتسودان وفي الخرطوم اتخذ عمال الحركة نفس الموقف وانتصروا في المفاوضات حدثت مواقف كثيرة قبل اغسطس/شعبان والذين شاركوا فيها احياء وشهود.

أما عن احداث اغسطس/شعبان نفسها فان الذين شاركوا فيها من مختلف الاتجاهات السياسية والنقابات كان لكل منهم حساباته الخاصة والتي تتماهى مع اتجاهه السياسي وقد ذكر الاستاذ عروة ان ما قام به الاخوان المسلمون وحلفائهم في الامة والاتحادى كان بهدف الى(تغيير النظام) خرج الطلاب من الجامعة والمدارس الثانوية وقد تصدت لهم قوات الامن بالعنف المفرط وراح بعض الطلاب شهداء كما اورد حسن الجزولي. كانت بعض القيادات النقابية ضعيفة ومترددة بل ان نقابة عمال السكة حديد والتي وقف على راسها الاخ مسلم كانت سلبية في الموقف من عمال الحركة والادارة والذين هم عضويتها ونقابة السكة حديد بعد ترميمها بعد ردة 22 يوليو الدموية حيث كانت اغلب القيادات النقابية خارج دائرة العمل وذلك لفصلها تعسفيا واعتقال وسجن كوادرها المصادمة. ولذا كانت العناصر التي تولت مقاليد النقابات ضعيفة وقليلة الخبرة. وقد ظهر ذلك عندما تم اعتقال النشطاء من الطلاب بمختلف اتجاهاتهم السياسية.

  • شهادة حية:

كانت العاصمة تمور بحركة الطلاب والنقابات ووقع صدام راح ضحيته عدد من الطلاب جرحى- وكانت الاحزاب تتحرك حسب إمكاناتها فى ذاك الوقت. اذكر خطاب داخلي من الحزب الشيوعي السوداني تلك الايام وعنوانه(ادفعوا احداث الخميس الدامي الى الامام) كان بيان الحزب الشيوعي لعضويته في كل المجالات واضحا لم يمنيهم بان الانتفاضة ستسقط نظام السفاح نميري بل اوضح ضرورة الاستنكار القوى والتظاهر ضد قمع الحركة الطلابية والنقابية.

كانت حركة الشارع والتي من قياداتها طلاب الاخوان لم يقو عودها بل حتى تلك الجبهة ضعيفة وزادها ضعفا تاثير الاخوان المسلمون بشعاراتهم الفجة الفطيرة مثل شعارهم التخذيلي(الشعب جعان لكنو جبان) كان بوجود الطلاب الديمقراطيين والشيوعيين والوطنيين عموما اثر  قوي في هزيمة الشعارات الضعيفة وطرح الشعارات القوية الهادفة – تحرك تحرك ايها الشعب- دماء الطلبه دماء الشعب- الارهاب لن يثنينا- عاش كفاح الشعب السوداني- عاش كفاح الطبقة العاملة- وهكذا كان لوجود العمال وباعة السوق العربي وسط الطلاب اثرها القوي في توجيه الشعارات قدر الامكان.