تعليقات في السياسة الداخلية

قراءة أولى في تصريحي الرئيس عمر البشير

وعلي عثمان محمد طه وتناقضهما مع حقائق التاريخ والواقع المعاش(4/4)

سليمان حامد الحاج

الأخوان المسلمون والحركة الاسلامية في السودان:

انطلاقا من هذه الايديولوجية التي لا تستطيع الحركة الاسلامية في السودان وعلى رأسها الاخوان المسلمون التبرؤ منها او انكارها او انفكاك من ممارسة تعاليمها، حتى الآن، فانهم آخر من يتحدث عن الوطن والتحرر الوطني. لا نلق الكلام على عواهنه، كما يفعل علي عثمان محمد طه وانما نؤكد ذلك بالحقائق التاريخية والراهنية والادلة الدامغة من السياسات التي يتبعها نظام الحكم القائم على تلك الايديولوجية.

منذ الساعات الاولى اعلنوا تعطيل الدستور وحل البرلمان والاحزاب السياسية والنقابات والجمعيات التعاونية وشرد العاملون في القاع العام ووضع مكانهم الموالون لهم وفرضت السيطرة على القطاع المصرفي وانتهاكا واسعا لقوانينه واعرافه وسرية تعامله، مغيرة القوانين الراسخة له بوضع محافظ موال لهم بديلا لسلطة مجلس ادارة بنك السودان المركزي، وشوهت النظام الضريبي وحولته من آلية لتجميع وحشد الموارد وتوزيعها بعدالة واستخدامها للتنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي، الى اداة للنهب المباشر بكل فظاظة وقسوة. واصدر مجلس قيادة الانقلاب المرسوم الدستوري الثالث لعام 1989 الخاص ببيع كل مؤسسات الدولة بما فيها الرابح منها.

واصبح الفساد ينهب اموال الدولة ومؤسساتها احد المصادر الاساسية لتراكم رأس المال في يد الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة، واعاقت نمو وتطور الزراعة والصناعة والخدمات والثروة الحيوانية ووضعت الاقتصاد السوداني على حافة الانهيار. وحولت جهاز الامن من جهاز بسيط يتمثل دوره في جمع المعلومات وتسليمها لجهات الاختصاص للتنفيذ الى قوة ضاربة لحماية النظام.

هذا بالضبط هو ما تسعى اليه الرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية القيام به في كل بلدان العالم الثالث. ولهذا فان تصريح الرئيس الامريكي كلينتون الذي قال فيه ردا على تصريح النظام الطفيلي والذي جاء فيه ان النظام السوداني ينهج سياسة اقتصادية مؤسسة على التحرير الاقتصادي وحرية السوق، بانه مندهش ان يكون من ركاب(قطاره العولمي) نظام اسلامي اصولي.

ان الانطلاق من ايديولوجية ترفض الوطن،كما ذكرنا، على استعداد للتفريط في أي جزء منه مقابل ضمان بقائها في السلطة. وهذا ما قام به النظام الطفيلي في السودان انصياعه للادارة الامريكية بموافقته على فصل الجنوب، تهاونه الخانع تجاه حلايب وشلاتين، والسكوت عن سلب اخصب الاراضي الواسعة في الفشقة على الحدود الاثيوبية، بيع ملايين الافدنة الصالحه للزراعة لبلدان اجنبية لمدد تصل الى التسعين عاما وبشروط خانقة ومتساهلة تجعل من هذه البلدان دولا داخل الدولة السودانية.

كل هذا يدحض ما قاله علي عثمان محمد طه عن التحرر الوطني . فاي تحرر هذا الذي تفقد فيه الدولة عبر الخصخصة جميع مؤسساتها  الزراعية والصناعية والخدمية التي كانت تدر العملات الاجنبية. ان من لا يملك دولاره لا يملك قراره ولا حولية وطنه التي تصبح رهينة لمن يمن عليها بالدولارات. وكيف يتثنى لعلي عثمان ان يستكمل التحرر الوطني الناقض كما اشار في تصريحه ونظامه يعمل ما فعله في البلاد ما فعله الثور في مستودع الخزف- مع الاحترام التام للثور لانه لا يعي ما يفعل- ولكننا لا نحترم من يدمر ويخرب الوطن ويفقر شعبه مع سبق الاصرر والترصد لمقابلة مصالحه واحتياجاته الطبقية الانسانية التي لا ترق لاي خلق ناهيك عن تعاليم الاسلام التي يتمشدقون بها.

اما إشارة طه الى ان (هذه معركة لن نستكمل كرامتنا الا اذا أزحنا هذه التركة وأحللنا مكانها ما نقنع به). فرغم انه يريد ان يوهمنا بانه سيحل مكان التركة المقصود منها(المجتمع الجاهلي) الراهن على حد سيد قطب (بمجتمع إسلامي). الا ان الواقع يدحض هذا الزعم ويؤكد انه يشير الى العام 2020 حيث ينتخب عمر البشير مرة ثالثة لرئاسة الجمهورية او أى شخص آخر غيره. ما يهم علي عثمان هو بقاء نظام شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة الذي اثرى الكثيرون عبره بعد فقر مدقع على حساب الملايين من ابناء شعب السودان، للمحافظة على ما إمتلكوا في ظله من اموال لاستمرار ما يتمرغون فيه من نعيم على حساب تجويع الشعب.

اما اتهام علي عثمان محمد طه للحركات الوطنية العلمانية او الفكر اليساري باستنصار المستعمر بها، فهو تزييف متعمد لتاريخ هذه الحركات. فهذه الحركات هي التي ناضلت ضد الاستعمار البريطاني وقدمت التضحيات الغالية حتى اجبرته على الخروج من البلاد في وقت كانت فيه الحركة الاسلامية التي يرأسها طه في رحم الغيب. وفي الوقت الذي كان الوطنيون العلمانيون واقول هنا بالصوت العالي وعلى رأسهم الشيوعيون يناضلون ضد الجمعية التشريعية في الخمسينات حتى اطاحوا بها كانت الحركة الاسلامية السودانية جنينا يتخلق في رحم المخابرات الامريكية. وعندما كان الشيوعيون ضد مشروع ايزنهاور في الستينات ويهتفون مع شعب السودان، عد الى بلادك يا نيكسون ويناضلون ضد قبول حكومة عبدالله خليل كان الاخوان المسلمون يحيكون المؤامرات لحل الحزب الشيوعي وكما قال ابراهيم السنوسي لطلاب الجامعات(كنا في ذلك الوقت مشغولين بالصراع مع الشيوعيين). وهو الدور الذي كلفهم به الاستعمار العالمي والرأسمالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في السودان بعد اتساع دور الحزب الشيوعي وتأثير سياساته يمتد الى جماهير واسعة في البلاد، وهو يقف عقبة في تنفيذ مشاريعها ومخططاتها في المنطقة. وهذا ما جعلها تنفذ الانقلاب الذي تم بموجبه تسليم عبدالله خليل السلطة الى الفريق ابراهيم عبود.

هذا ما اكده الرؤساء كلينتون واوباما وترامب الذي توالوا على حكم الولايات المتحدة الامريكية. كل هؤلاء الرؤساء، كما اشرنا من قبل. في هذا المقال، اجمعوا على ان الاخوان المسلمين توفرت فيهم كل مواصفات العميل الاستراتيجي، وان امريكا راهنت على حكم الاخوان كي يكونوا اداة وبداية لتنفيذ الاستراتيجية الامريكية الخاصة بتقسيم العالم العربي وتجزئته لتسهل السيطرة على ثرواته ولتحافظ حكوماته على المصالح الامريكية في بلدانها وكل المنطقة مقابل بقاء هذه الحكومات واستمرارها في الحكم. وقبول نظام علي عثمان محمد طه بالدور الفعال والمتقدم في المخابرات الامريكية في افريقيا وتبرع رئيسه بتمويل(السيسا) وصيرورة رئيس جهاز الامن والمخابرات السوداني رئيسا (للسيسا)، يؤكد مصداقية ما ذهبنا اليه.

يحق لنا الآن ان نسأل طه السؤال المشروع: من هو المستنصر به الاستعمار، الشيوعيون وكافة الوطنيين ام الحركة الاسلامية وعلى رأسها الاخوان المسلمون. وفي ذات الوقت نتحدى علي عثمان محمد طه ان يشير الى أي موقف او فكرة قام بها الشيوعيون استنصارا للاستعمار.

مهم القول في نهاية هذه المقالات ، انني لم اكتبها لاقناع الرئيس البشير او علي عثمان محمد طه، فهما بحكم موقعهما ومسؤوليتهما في النظام منذ اقتلاعه القسري للسلطة على دراية تامة بكل ما ذكرت. إلا انني قصدت من ذلك توضيح الحقائق لشعب السودان وننبيه من لا تتوفر لهم معرفتها.

اخيراً أقول لعلي عثمان محمد طه شيئين هامين: اولاهما، انك في اول ايام حكمكم كنت تردد(الثورة) لن تتراجع، و(الثورة) (فعلت وتركت)الخ.. الآن في تصريحك الذي نحن بصدده تكلمت عن (الانقلاب) وانكم لن تعتذروا عن تنفيذ (الانقلاب). ثانيهما: تعتذر او لا تعتذر فهذا امر لا يهم ولا يفيد الشعب السوداني في شيئ بعد ان وقع الفأس في الرأس. واوشكت ممارساتكم ان تطيح به.

شعب السودان قد حدد كيفية ازاحة تركتكم التي لا علاقة لها بالتحرر او الوطنية او الاسلام عندما قرر النضال المتواصل مهما كلفه من تضحيات لاسقاط النظام الرأسمالي الطفيلي المتاسلم طال الزمن أم قصر، وهذا ما سيحدث . هذه حتمية التاريخ.