المشهد السياسي

  • اصحاب السترات السوداء:

قرشي عوض

أهلنا فى البادية لهم حكمة تعلموها من تجاربهم القاسية في التعامل  مع الطبيعة، وهى ان السيل لا يغير مجراه ابداً. فهناك سيول قد تنقطع عدة سنوات، لكن في يوم من الايام سوف تأتي مندفعة.  والويل لمن يبني في مساحة سيلانها. الثورة كذلك لها طريق تسلكه وان تأخرت، لكنها يوماً ستاتي، ومن يظن انقطاعها غافل وسوف تكنسه.

ظنت الانقاذ انها سيطرت على حركة الجماهير من خلال تدجين ادوات النضال الجماهيري من نقابات واتحادات ومجالس شعبية، بان عينت على قمتها المرتزقة. واخذت تنظر الى غرسها وهى مختالة فخورة و تردد (هل يبيد هذا). وفي ظل تلك الغفلة راحت تضيق على الناس في معاشهم حتى انفجر الشارع ، كما هي العادة. من مدينة عطبرة.

تلك المدينة تستعيد تجاربها السابقة في الصمود. ففي نهايات   عهد الاستعمار، حينما دخل العمال في اضراب عن العمل لمدة شهر لانتزاع حقهم في التنظيم النقابي، تضامنت معهم القرى المحيطة بالمدينة.  تبرع اصحاب الخضار والجزارين وتجار الذرة. وتنازل اصحاب المنازل عن ايجار ذلك الشهر. واليوم حين اعلنت المدينة خروجها عن بكرة ابيها على سيطرة الانقاذ واعلنها بنوها محررة وقفلوا الطرق المؤدية الى الاحياء بالصخور واللساتك المشتعلة. اتجهت نفس جماهير تلك القرى لتفك الحصار عن عطبرة التي جاءتها فرق الموت التي يعرفها اهل السودان جيداً حين رفضت الشرطة والجيش ان تطلق الرصاص على المتظاهرين. اتجهت تلك الجماهير التي خرجت على امتداد شارع عطبرة بربر نحو المدينة الثائرة لحمايتها من كيد الكائدين. كما استفادت المدينة من تجربة المتاريس  الام درمانية في اكتوبر بقفل الشوارع بكتل الحديد والصخر. وعلى اثر عطبرة خرجت مدن أخرى( تبرجن وأعلن الهيام) بربر ،واريافها الشمالية، وهم يرتدون (الصديري) حتى اطلق عليهم  اصحاب السترات السوداء. ودنقلا والابيض والدمازين وسنار وبورتسودان.  والاخيرة هذه قدمت درساً بليغاً للنظام لانها خرجت في الوقت الذي زار فيه راس النظام المدينة. هذه التظاهرات جاءت بعد ايام معدودات من حماضة حديث تورط فيه بعض رموز النظام عن شجرة الوطني القوية، وان  الغرب اقتنع بان الانقاذ باقية. لكن ما فات عليهم ان هذه البلاد ليست ملك الغرب، وان لها اهل سوف يحمونها بالغالي والنفيس حين يجد الجد. ودعونا نرقب الايام ونحن نمتع انفسنا بمنظر تلك الشجرة الملعونة وهي تتلوى امام  امواج التغيير.

  • ما بحلك:

حاولت قيادات الحزب الحاكم تحميل التظاهرات الى بعض المخربين والمندسين ، وذهب آخرون الي أن حزباً عقائدياً عجوز يقف خلف هذه التحركات. سواء تلميحاً او تصريحاً فان المقصود بذلك هو نحن. ومع ان المسيرات التي انتظمت البلاد هي تهمة لا لا ننكرها ، ولكننا لسنا اغرار حتى نصدق ما ذهبت اليه تلك الاصوات المرتجفة. نحن جزء لا يتجزأ من شعبنا. وقد خرجنا في المظاهرات مثلنا مثل الاخرين  ولا ندعى فضلاً على احد. كما ان الجماهير التي خرجت في مختلف المدن لم تناد بالاشتراكية، لكنها طالبت بالخبز.

الحكومة الآن لا حائط ينجيها من غضب الشعب الذي ظنت انها قد اسكتته. وحتى سلاح الاكاذيب والشائعات الذي اتقنته قد وصلت به الى درجة الافلاس. لم يعد احد على استعداد ان ينخدع بتلك الحيل البسيطة والساذجة.  فالجماهير التي خرجت للشوارع تعرف لماذا خرجت ، وانها لا تحتاج الى تحريض. خرجت وصممت ان تبقى في الشارع حتى يرحل النظام. وان القوات النظامية قد فهمت الدرس. وبداية الهزيمة تكون دائماً حين تصاب الة القمع بالشلل. وعلى الجماهير ان تتيقظ وترصد القناصة  الذين يظهرون في حرب الشوارع مثلما ما حدث في بربر. يجب تتبعهم  وتقديم درس لهم بان دماء الاهالي ليست ماء. وان ما حدث في 2013 لن يتكرر.

  • أنتهى الدرس يا شاطر:

حملت قوى نداء السودان الالية الافريقية ما حدث في المفاوضات الاخيرة بينها وبين الحكومة. كما جاء في راديو دبنقا يوم الخميس الماضي. يحدث هذا في وقت ملات فيه الجماهير الشوارع تطالب بإسقاط النظام. لذلك أي حديث لا يصب في هذه الوجهة سوف يفتح الباب لتفسيرات عديدة حول موقف من يقولونه. فالواضح ان مزاج الجماهير ليس مع التفاوض والحوار ناهيك عن خوض الانتخابات، ولكنه مع اسقاط النظام. خاصة وان المظاهرات انطلقت قبل جلسة المفاوضات المشار اليها في كل من سنار والدمازين. والعودة للحديث عن الحوار بعد ان بلغت الحركة الجماهيرية هذه الدرجة لن يكون بحسن نية. وسوف يجعل الجماهير تصدق ما يتردد عن ادوار مرسومة لبعض المعارضين، عليهم ان يلعبونها لخدمة بقاء النظام. خاصة ان الحكومة اظهرت زهدها في بعض فصائل نداء السودان واحتفظت من بينهم جميعاً بالصادق المهدي الذي ذكرت ان بينه وبينها تفاهمات. الشيء الذي نفاه حزب الامة على لسان الامين العام سارة نقد الله. وحددت للبعض الدخول تحت العفو الرئاسي عن من حملوا السلاح. في حين لم تذكر اخرين لا بخير او شر. مما يعني انهم لا يمثلون لها  أي تهديد. عليه فان العودة للحديث عن الحوار في هذا الوقت تعتبر اراقة لماء الوجه وسباحة عكس تيار حركة الجماهير. ونحن نعتقد ان اخواننا في نداء السودان خاصة الذين ينبغي ان لا يكون لهم ناقة ولا جمل في مسيرة الانقاذ، قد وعوا الدرس تمامًا. والافضل لهم ان يحسموا امرهم باتجاه اسقاط النظام. الذي تشير كل الدلائل الي انه الان يعيش اضعف حالاته. ويبدو ان ادوات قمعه لم تعد طوع بنانه  وانه ساقط لا محال. وهذه الحقيقة ادركتها حتى قوات الدعم السريع التي اصدرت بياناً تغازل فيه الجماهير، وتؤكد انها ليست عدو للشعب وان فض المظاهرات ليس من اختصاصها، وانه واجب الشرطة. والاخيرة هذه حسب تسريبات لبعض الفيديوهات طلبت من منسوبيها ان لا يطلقوا الرصاص على الجماهير. انتهى الدرس وان النظام ذاهب الى غير رجعة وان لا احد الان يراهن عليه. وعلينا ان نشد ( الرنة) للإطاحة به ونفتح الطريق امام نماء وتقدم شعبنا وتجنيبه حياة المذلة الحالية.

حديث قوش:

بخلاف بعض الاقلام المأجورة التي تترمم على موائد الانقاذ، ذهب صلاح قوش منحى اخر في معالجة الاحتجاجات الشعبية. وحملها لخلية تتبع لحركة عبد الواحد كونها ويشرف عليها الموساد. وان اجهزته بالفعل قبضت على 7 من افرادها في عطبرة وعلى رئيسها في دنقلا. وقد حمل قوش تلك الخلية مسؤولية ما حدث من حرائق واتلاف للممتلكات العامة في البحر الاحمر والقضارف الى جانب مسؤوليتها عن ما حدث في مدن الشمال التي ظلت منتفضة منذ الاربعاء الماضي.

ودون ان يعرض لنا أي تفاصيل عن عمل الخلية وتتبع الاجهزة الامن لها حتى اوقعتها في الفخ او تسجيل اعتراف من بعض اعضائها يوضح ويقول من خلاله (لقد وقعنا في الفخ، او تفخفخنا في الواقع) راح السيد قوش يسرد لنا الاسباب الحقيقية للاحتجاجات ممثلة في الازمة الاقتصادية ودور الكبار من المستوردين في مجال النفط والسكر فيها. وتطرق الى خطة الحكومة المستقبلية للسيطرة على السيولة، والتي تبدأ في منتصف  يناير وتنتهي في منتصف ابريل. ومن تلك التدابير سيطرة الحكومة على الذهب لتدخل به سوق المضاربات وصرف انظار تجار العملة عن الطلب عليها الى شراء الذهب.  الى جانب استثمار الحكومة في الجنوب.

النتائج التي خلص اليها قوش تتعارض تماماً مع المقدمة التي افتتح بها مؤتمره الصحفي ، وهى اشبه ( بخياطة الفرطوقة مع القحف). بل لا علاقة البتة  بين بداية الحديث وخواتيمه. مما يضعنا امام احتمالين لا ثالث لهما، وهما ان السيد مدير جهاز الامن اما انه لا يعني مقدمة كلامه المتعلقة بالقبض على خليه ارهابية، وانه ذكرها لتبرير الافراط في استخدام القوة من قبل اجهزته والتي اودت بحياة بعض المحتجين ، كما انه يمهد بحديثه هذا لارتكاب مزيد من الانتهاكات في مقبل الايام مع ازدياد حدة التوتر. الذي تشير كل الدلائل الى ان الحكومة لن تقدم حلولاً جادة للتخفيف منه، او التعامل معه بغير المزيد من القمع. او ان الرجل غير جاد في الجانب المتعلق، بحديثه عن الازمة الاقتصادية وتحميلها لمستوردي النفط والقمح والسكر.  ولا عن الاجراءات التي قال ان الحكومة سوف تتخذها للتخفيف من حدة الازمة، مثل السيطرة على الذهب والمضاربة به والاستثمار في الجنوب.  وانه قد تفضل بهذه الفذلكة لكسب الزمن وتخدير الرأي العام.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).