شعب السودان يشق طريقه نحو اسقاط النظام

بقلم : تاج السر عثمان

   يواصل شعب السودان مقاومته الباسلة للنظام الفاسد، ودخلت الاحتجاجات اسبوعها الثالث بموكب الأحد 6  يناير الذي دعا له تجمع المعارضة السياسية والمهنية الذي انطلق من الخرطوم من عدة مواقع " شارع السيد عبد الرحمن وابوحمامة، وباشدار وبري" والتي تعرضت لقمع مفرط وحملة اعتقالات واسعة، وحدثت وقفة احتجاجية من أساتذة جامعة الخرطوم بدارهم والذين تعرضوا للقمع المفرط والحصار في الدار، واعتقال أكثر من 8 منهم ، كما انطلق موكب من مدينة مدني وآخر من عطبرة.

  استمرت المواكب والمظاهرات في المدن والأحياء  منذ 19 ديسمبر رغم القمع المفرط بالهراوات والغاز المسيل للدموع والرصاص الحي مما أدي لاستشهاد أكثر من 40 مواطنا، وجرح أكثر من 45 ، واعتقال أكثر من 400، وفي كل يوم تنضم قوى جديدة للمعركة ضد النظام ،وتم تكوين المركز الموحد للمعارضة المهنية والسياسية والمطلبية ، والتوقيع علي ميثاق " الحرية  والتغيير" الذي وقع عليه حتي كتابة هذه السطور 17 حزب وتنظيم مهني ونسائي ومدني وكيان وتيار وتجمع وحركة وتحالف المزارعين، وما زال الباب مفتوحا للمزيد من الانضمام والملاحظات. كما ارتفعت رايات الوحدة والوطنية السودانية التي تنبذ العنصرية، وتكرس دولة المواطنة التي تسع الجميع غض النظر عن الدين أو الثقافة أو العرق أو اللغة.

 من الجانب الآخر اصبحت تناقضات النظام الداخلية عميقة ، واصبح عاجزا عن تقديم أي حلول للأزمة الاقتصادية والمالية، ولا يملك غير الوعود الكاذبة وسلاح القمع الذي تجاوزته الجماهير وكسرت حاجزه، وخرج من النظام 22 حزبا، مما يتطلب المزيد من تصعيد العمل الجماهيري حتي تفكيك النظام واسقاطه.

 كما اتسعت حملات التضامن مع شعب السودان ، كما واضح من استنكار الأحزاب الشيوعية والاشتراكية والوطنية  ومنظمات حقوق الانسان، والاتحاد الأفريقي والاتحاد الاوربي وأمريكا للقمع المفرط للمظاهرات السلمية واستخدام الرصاص ضد المتظاهرين السلميين مما أدي لاستشهاد وجرح العشرات وضد حملات الاعتقال الواسعة ضدهم، إضافة لمظاهرات السودانيين في الخارج التي حاصرت بعض السفارات وفضحت جرائم النظام في الداخل.

اشرنا سابقا إلي أن نهوض الحركة الجماهيرية في 19 ديسمبر الذي شمل  حتي الآن أكثر من 80 مدينة وقرية وحي، كان امتدادا لتراكمات نضالية سابقة خاضها شعب السودان منذ انقلاب 30 يونيو 1989 المشؤوم الذي صادر الحقوق والحريات السياسية والنقابية وشرد الالاف من الكفاءات السودانية لصالح التمكين في الأرض للاسلامويين، والذي مارس أقسي أنواع التعذيب في المعتقلات وبيوت الأشباح، وزّور الانتخابات العامة والاتحادات الطلابية والنقابية، وأطلق الرصاص علي المظاهرات السلمية مما أدي لاستشهاد العشرات من الحركة الطلابية وأبناء البجا وكجبار ودارفور وشهداء هبة سبتمبر 2013 ، وهبة يناير 2018، وحتي انتفاضة 19 ديسمبر التي ما زالت مستمرة.

 كما شرّد الالاف  من المعارضين السياسيين والنقابيين، إضافة للخصخصة وبيع أو تأجير مؤسسات القطاع العام، وتشريد العاملين، وسحب الدعم عن السلع الأساسية ، وأدخل سياسة التحرير الاقتصادي ، واصبح التعليم والعلاج للقادرين مما أدي لإفقار 95 % من شعب السودان. وتم نهب ثروات البلاد وعائدات الذهب والبترول التي تصل لمليارات الدولارات وتهريبها للخارج، إضافة للفساد  الذي نخر في كل مفاصل الدولة ، كما وصلت ديون السودان الخارجية 54 مليار دولار، وفقدت البلاد سيادتها الوطنية وتم فصل الجنوب ، واحتلال أو تأجير مدن " حلايب، شلاتين، سواكن، الفشقة.. الخ"، وتأجير ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية الخصبة لمدد تصل 99 عاما  دون مراعاة لسيادة شعب السودان وحقوق الأجيال القادمة، والتدخل في شؤون بلدان أخرى بإرسال الالاف من الجنود السودانيين لمحرقة الحرب في اليمن.

 

 لقد أصبحت الحياة لا تطاق في ظل هذا النظام ، وحدث شرخ في النظام الحاكم الذي عجز عن تقديم أي حلول للمشاكل الاقتصادية والمالية التي تواجهها البلاد ، ولم يعد يملك غير ترسانته العسكرية وممارسة القمع ضد المتظاهرين السلميين، وتواجه الجماهير ببسالة الرصاص والقمع، وأصبح لا يرهبها شيء ، وليس لديها ما تخسره غير بؤسها وأغلالها.

 كما دخل الأطباء في إضراب سياسي تجاوز ال 13 يوما، وقبل ذلك أضرب معلمو ولاية النيل الأبيض، وتستمر المظاهرات والمواكب في مدن وقري السودان المختلفة.

  اصبحت الجماهير تتحسس تجاربها السابقة في الاضراب السياسي والعصيان المدني كما حدث في أكتوبر 1964، وانتفاضة مارس – أبريل 1985،  وفي الاضراب العام ضد زيادة السكر 1988، والاضرابات العمالية والمهنية ضد هذا النظام منذ انقلاب الجبهة الاسلاموية المشؤوم، كما جربت الجماهير العصيان المدني المحدود كما حدث مثلا في : اعتصامات المناصير و التي استمرت لشهور وتجربة مواطني الجريف شرق الذين أعلنوا العصيان المدني في منطقتهم وأغلقوا المحلات التجارية والحرفية والأسواق والمدارس، وتجربة مدينة  لقاوة والتي قدمت مثالاً فريداً في إمساك الجماهير بقضاياها ومتابعتها، وعصيان نوفمبر 2016، واضرابات  وعصيان التجار واغلاقهم لمحلاتهم التجارية ضد الجبايات كما حدث في عطبرة والحصاحيصا، وانتفاضات المدن كما يحدث حاليا. مما يتطلب المزيد من التنظيم و توسيع قيام لجان المقاومة في كل مدينة وقرية وحي، وعقد الجمعيات العمومية في أماكن العمل والدراسة بهدف استكمال قيام لجانها المطلبية، وتكثيف وتصعيد المظاهرات في الأحياء والمواكب والعرائض والمذكرات ، ومحاصرة المعتقلات حتي اطلاق سراح أخر معتقل، وتصعيد المقاومة حتي اسقاط النظام.

خلاصة القول، راكمت الجماهير تجارب واسعة تجعلها تدخل تجربة الإضراب السياسي العام والعصيان المدني من نقطة متقدمة بعد انجاز انتفاضتها الشاملة التي بدأت تتخلق أمام أبصارنا الآن، بهدف اسقاط هذا النظام واستعادة الديمقراطية ووقف الحرب وتفكيك النظام وقيام دولة المواطنة التي تسع الجميع وتوفير الحياة والمعيشة الكريمة، وفي طريق الحل الجذري وليس بتسوية سياسية تطيل معاناة شعبنا ، أو انقلاب عسكري يكرر تجربة انتفاضة ابريل    1985 ، ويعيد نظام الاسلامويين بشكل أخر.