من دفتر يوميات الثورة(3)

الحركة الإسلامية السودانية الرهان الخاسر

بقلم/ تيسير حسن إدريس

  • المبتدأ

لقد سقط خطاب الحركة الإسلامية المتسربل بالشعار المقدس، وسقطت معه ورقة التوت التي كانت تخفي خطل مشروع الخداع والمتاجرة بالدين، وذهب عن شعب السودان أخيراً وبغير رجعة حر مقارعة نظام يتدثر بدثار  العقيدة،ويتاجربقيمها النبيلة.

  • والخبر

(1)

وعي جديد تبلور أوساط الأجيال الشابة؛ تلكم الاجيال التي راهنت الحركة الإسلامية السودانية على تدجينها وتغييِّب وعيها، بفرض مشروع الغيبوبة عليها داخل ما عرف بمعسكرات(الدفاع الشعبي)بيد أن الزمن وأعمال المقاومة والتصدي الجسور، التي لم تنقطع طوال حكم نظامها قد أثبتت أن رهان الحركة الإسلامية كان رهانا خاسراً، وأن بضاعتها الفاسدة قد ردت إليها، فالأجيال اليافعة التي استهدفتها وحلمت بإمكانية كسر شوكتها وتغييِّب وعيها هي من تتصدى اليوم لمشروعها الظلامي، وتنتفض في وجه نظام الاستبداد والفساد.

(2)

العطب الذي حدث في كل مناحي الحياة والظواهر السالبة التي ظهرت في ربع قرن من حكم الحركة الإسلامية في السودان، قد كشفت حقيقة تيار الإسلام السياسي، وفضحت ضحالة مشروعه الذي لم يتعد الشعارات العقدية البراقة، وبعض الأشواق والأحلام الكذوبة، التي قادت السودان للوقوع في حضيض واقع بئيس، وأتون أزمة وطنية شاملة يستحيل ايجاد مخرج إصلاحي منها أو صياغة عقد اجتماعي جديد لرتق النسيج الاجتماعي دون دعم من شرعية ثورية؛ وحراك تغيير جذري مكتمل الأركان.

(3)

التجربة السياسية السودانية الحديثة لأكثر من(60)عام قد أوضحت أن استسهال حل القضايا الوطنية، وتجنب مخاطر المعالجات الجذرية لها، يراكم من تعقيداتها، وله تداعيات خطيرة على وحدة وتماسك الدولة؛ خاصة والمجتمع السوداني يتميز بالتنوع العرقي والثقافي والديني، وما انفصال جنوب السودان إلا أحد الشواهد التي تؤكد هذه الحقيقة، أن هياكل الدولة ومؤسساتها تشيخ ويصيبها العجز في ظل النظم الفاسدة، التي تعجز عن القيام بإصلاحات حقيقية تقصي سوالب التجارب الماضية وتحافظ على إيجابيات إرث التراكم الحضاري.

(4)

لقد أصابت سياسة(التمكين)التي انتهجتها الحركة الإسلامية فجر استيلائها على السلطة 1989م الدولة السودانية وهياكلها بأسقام عديدة ، أدت لتحللها ، وتلاشي قوامها الناظم؛ ولا خيار أمام الشعب السوداني اليوم سوى مَوارَاتها الثرى، وإعادة إنتاجها من جديد، مهما كلف هذا الإجراء من تضحيات؛ وهو خيار لا شك صعب ومعقد، فالثورة عملية هدم وبناء استثنائية، تفرضها شروط موضوعية غير خاضعة للرغبات، وبما أنها حدث  استثنائي فلا بدّ أن تتضافر عوامل قوية تقود الجماهير للاندفاع مضحية بالمهج والأرواح؛ في لحظة تتبلور فيها مطالب العامة وتتوافق بتزايد مظالم السلطة، هذه اللحظة يعيشها السودان اليوم، وهي لحظة فاصلة تجاوزت فيها شروط الواقع الماثل بكل تعقيداته منطق الإصلاح، والحلول التوافقية.

 (5)

الوعي والحقيقة هما الجناحان اللذان تحلق بهما الثورة، ومن أهم الواجبات الثورية الاستمرار في نشرهما، وتبصير العامة بجوهر وطبيعة الصراع الجاري؛ فكلما ازدادت حصيلة الجماهير المعرفية، يزداد انحياز قطاعات أكبر منها إلى الثورة، وهكذا يتم التحشيد وبناء الكتلة الحرجة، هذا الجهد التنويري الشاق يجب أن يتواصل خلال مراحل الحراك الثوري، حتى إسقاط النظام، ويدوم بصورة فعالة أيضا في مراحل إعادة إنتاج النظام الجديد، وأي إهمال لهذا الواجب خلال أي مرحلة من مراحل الحراك الثوري قد يقود لمخاطر الانحراف أو الانتكاس، كما حدث في ثورتي أكتوبر 1964م وأبريل 1985م وعاق وصولهما للأهداف المنشودة.

(6)

والجماهير السودانية تستشرف في هذه المرحلة آفاق ثورتها الشعبية الثالثة في التاريخ الحديث، لابد من الوقوف والنظر لأخطاء التجربتين السابقتين التي أجهضتهما وأضعفت مخرجاتهما.

 يقف على رأس هذه الأخطاء الفادحة تقصير الطلائع الثورية في عملية(نشر الوعي) وعدم اهتمامها بتزويد الجماهير بالفهم العميق لمضمون العملية الثورية؛ حيث اكتفت بالتركيز فقط على هدف إسقاط النظام أي عمليهة(الهدم) وإهمال الشق الثاني من المعادلة الثورية المتمثل في (البناء) هذا الخلل أوصل فهما خاطئا للجماهير مفاده أن إسقاط النظام كفيل بتحقيق أهداف الثورة ، مهملا حقيقة أن سقوط السلطة الحاكمة، رغم أهميته ما هو إلا خطوة فقط، في طريق طويل وشاق متعدد المراحل على الشعب اجتيازه وهو في كامل وعيه وتماسكه.

(7)

إهمال عامل(اليقظة الثورية) الذي يؤمن مسار الثورة ـــ خطأ آخر قاتل ـــ قاد التجربتين الماضيتين للفشل، فالثورة تحدث عادة على مراحل، ولكل مرحلة متطلباتها التي يجب استيفاؤها؛ والمتطلب المشترك الأهم لجميع مراحل الثورة هو (اليقظة الثورية) التي تُحصِّن الحراك الشعبي ضد الإنحراف، لتتمكن الجماهير من المضي قدما بخطى واثقة نحو صحوة اجتماعية وحضارية حقيقية تجنبها مخاطر الرِدَّة، فمن الخطأ الاعتقاد بأن الهدف الرئيس من الثورة هو مواجهة السلطة وإسقاطها لتحقيق مطالب ومكاسب ذاتية أو فئوية فقط؛ لأن للثورة أهدافاً وغاياتٍ أنبل، وإسقاط السلطة هي الخطوة المهمة التي تفتح الطريق نحو تحقيق هذه الغايات النبيلة.

(8)

قدمت القوى الثورية في التجربتين السابقتين دعما مجانيا (للدولة العميقة) بإهمالها محاربة الاتجاهات السياسية المنحرفة، وانحيازها لخيارات (الإصلاح) على حساب الخيارات (الثورية) الصريحة وقد تجلَّى هذا الإخفاق بصورة واضحة في ثورة أبريل بعد سقوط نظام الدكتاتور نميري الذي أتاح الفرصة لحزب(الجبهة القومية الإسلامية)ليتمدد ويتغلغل في أجهزة الدولة؛ مكوِّناً دولة عميقة استطاعت بكل سهولة إجهاض الثورة في أبريل 1985م والعودة خلال عام من جديد لصدارة المشهد السياسي، لتبدأ في إعداد وتنفيذ خطة الانقضاض والاستفراد بالسلطة التي أنجزتها بالفعل في أقل من أربع سنوات بانقلاب عسكري لتحكم حتى اليوم؛ وتكمل بناء دولتها العميقة للحد الذي تلاشت فيه الحدود بين الدولة والحزب الحاكم، فغدت الدولة السودانية (دولة الحركة الإسلامية) وليست دولة الشعب.

 (9)

لا بدّ  لنا ونحن نتلمس أخطاء القوى الثورية في التجربتين الماضيتين، من أن نشير بوضوح أيضا لفشل النخبة السودانية في صياغة نظرية ثورية تستند على إيجابيات الموروث القيمي، تستطيع رفد الجماهير بالوعي القادر على محاربة أنماط السلوك السلبي كالرغبة في تحقيق التطلعات الذاتية والمطالب الفئوية دون مراعاة واقع التخلف الاقتصادي الذي تخلفه النظم الدكتاتورية؛ هذه التطلعات رغم مشروعيتها إلا أنها تتيح الفرصة أمام "مضادات الثورة" لتنمو كالخلايا السرطانية داخل البنية الاجتماعية حين تصعد في الوقت غير المناسب؛ وتعوق بهذا مسار الثورة ومشاريع النهوض؛ كما تشيع عدم الثقة؛ وعدم اليقين؛ في جدوى الثورة نفسها.

 (10)

وقد أوضحنا جانب من الاخطاء التي صاحبت التجارب الثورية الماضية؛ لابد لنا من رسم موجهات تعالج هذه الأخطاء، وتعبِّد الطريق أمام التجربة الثورية المندلعة حاليا؛ لتتمكن الجماهير من انجازها على النحو المطلوب وهنا نشير لبعض الخلاصات المهمة المستفادة من تجارب الثورات السودانية السابقة:

1/ ضرورة تخلص الجماهير من الاعتقاد الفاسد بأن سقوط السلطة يعني تلقائيا حل كافة المعضلات التي تواجه الشعب وزوال الظواهر السالبة، فهذا اعتقاد غير واقعي، لأن سقوط السلطة لا يعني تغيير بنية الدولة التي يحتاج تغييرها للوقت والجهد الجماعي.

2/ ضرورة توافق جميع مكوِّنات المعارضة على برنامج حد أدنى يعطل صراع المصالح الحزبية إلى ما بعد اكتمال مراحل الهدم والبناء الثوري، وعدم استعجال المكاسب الذاتية والفئوية(فقد أدّتِ الإضرابات والمطالب الفئوية دورا هداما في فترة الديمقراطية الثالثة).

3/ ضرورة وضع خطط لتنفيذ مشاريع اقتصادية إسعافية بعد الثورة مباشرة، يعود نفعها لصالح المواطن بسرعة تشعره بالتغيير، وتشيع فيه الأمل ليتفاعل معها ولا يقع في الإحباط.

4/ ضرورة الصدق مع الجماهير وتزويدها بالحقائق، فهي قد عانت وتطالب بتغيير تلمس نتائجه يحسن مستوى معيشتها، وهو في الواقع أمر صعب في ظل المعضلات المتراكمة، ولكن لا بأس من تقديم مبادرات رمزية خلاقة تبث الطمأنينة، فالتغيير يحتاج دائما لدفعات قوية من الأمل لتتواصل اليقظة، ويتواصل الفعل الشعبي الجماعي.

5/ ضرورة تواجد قوى التغيير بكثافة وسط الجماهير لتبعد عنها شر مخططات قوى الثورة المضادة المتحفِّزة لإحداث الرِدَّة، فالجماهير عادة تثق بالقوى الحاضرة في عمق البنية الشعبية.

6/ ضرورة اليقظة والانتباه لمحاولات سرقة الثورة من قبل قوى غير ثورية تسعى لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء كما حدث من قبل في أبريل 1985م.

7/ أخيراً المجتمعات تحتاج لمن ينظمها ويكسر سكونها لتُخرِج أحسن ما في جعبتها، وهذا دور النخبة الوطنية التي يجب أن تتصدر المشهد وتمثل مرجعية الشعب لاستعادة نشاطه وتحمل أعباء مرحلة البناء الشاقة.

** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )