معتز موسى ومسألة السيولة

بقلم :د.صدقى كبلو

يبدو أن مسألة السيولة ستظل شبحا يطارد السيد رئيس الوزراء ووزير المالية حتى يجد الجمهور نقودا في البنوك والصرافات، فالسيد معتز كان قد وعد الجمهور، دون أن يتقصى سبب مشكلة السيولة وكان قد نكرها وقال أنها مسألة كاش وستحل خلال 6 أو 8 أسابيع، ولم تحل. وحينها كنا قد قلنا له أن المسألة ليست فقط مسألة كاش وأن تعريف السيولة أوسع من الكاش وتحدثنا حينها عن:

" لا يمكن اختصار أزمة السيولة في أزمة الكاش في البنوك، إذا لا يمكن أن نختصر "الكل في أحد عناصره"، فذلك مخالف لمنطق الأشياء وهو هنا مخالف للنظرية الاقتصادية ونظرية النقود، فالسيولة هي القدرة على مقابلة المتطلبات أو الالتزامات المالية الناشئة عن طلب النقود، أي أنها المرونة في مقابلة الطلب، دون أن تفقد الأصول أسعارها أو النقود قيمتها، وهذا في البنوك التجارية معناه أن تستطيع البنوك التجارية تلبية طلب عملائها للنقود (الكاش)، اما مباشرة من مخزونها أو احتياطيها من الكاش أو من خلال تحويل أصولها شبه السائلة لكاش دون أن تفقد تلك الأصول أو النقود قيمتها ولهذا تحتفظ البنوك بودائع نقدية لدى البنك المركزي يمكن استدعائها في حالة زيادة الطلب على النقود (الكاش) على  الكمية التي تحفظها البنوك التجارية لتسيير عملها اليومي ولمقابلة الطلب من عملائها، ولهذا تتطلب السياسة المصرفية الرشيدة الحفاظ على نسب معينة تقاس بها السيولة لدى تلك البنوك وهناك ثلاثة نسب لقياس المقدرة على التسييل لدى أي مؤسسة مصرفية أو غيرها: الأولى تسمى النسبة الجارية وهي تحسب على أساس بسيط نسبة الأصول السائلة  current or liquid asset)) للالتزامات أو الخصوم الجارية   (Current liabilities) أما النسبة الثانية قياس درجة التسييل (او الحموضة أو النسبة السريعة) وهي نسبة تستبعد الأصول الثابتة وكل الأصول التي لا يمكن تسييلها أي تحويلها لكاش بسرعة من قيمة الأصول الجارية والتي ستشمل فقط الكاش+ العائدات المتوقعة + الاستثمارات قصيرة الأجل ويقسم ذلك على الالتزامات أو الخصوم الجارية، أما النسبة الثالثة فهي نسبة أكثر صرامة فهي تقيس بشكل مطلق قدرة المؤسسة على التسييل لذلك فهي تحسب الكاش+ شبيه الكاش والاستثمارات قصيرة الأجل على الالتزامات والخصوم الجارية وفي تقديرنا أن المصارف لم تلتزم بأي من هذه النسب ولم يراقبها بنك السودان ولم يساعدها في لحظات أزمتها بسرعة حتى لا يفقد العملاء ثقتهم فى المصارف."

وكنا قد طالبنا حينها بتحقيق لمعرفة الأسباب الحقيقية التي أدت للخلل  الذي أفقد البنوك ثقة المودعين ولم يحدث التحقيق ولكن السيد معتز موسى عاد في لقائه مع بابكر حنين في تلفزيون السودان، ليعلن لنا اكتشافه للخلل بقوله أن نمو الكتلة النقدية لم يكن مواكبا لنمو الإنتاج القومي الاجمالي   وذكر بالانجليزي نظرية كتلة النقود لتكون مرجعيته التي تعم وجهة نظره وقال أن كمية النقود يجب أن تكون 10% من اجمالي الناتج المحلي. ولعل معظم الاقتصاديين الذين استمعوا لرئيس الوزراء قد اندهشوا مثلي لحديثه.

ما المقصود بكتلة النقود

لن أذهب لشرح مفهوم عرض النقود كما في كتب الاقتصاد ولا وفقا لجداول بنك السودان المنشورة، لأن ذلك سيبعدنا كثيرا من قضية السيولة التي تثير هذه المسألة، ولكن للنظر فقط لما يشكل نقودا بالنسبة للجمهور وهو ما يطلق بوسائل الدفع الجارية ويرمز له في الأدب الاقتصادي ب (M1) وهي تتشكل من العملة لدى الجمهور والودائع تحت الطلب، ودعونا من ما يسمى ب (M2) وهي تسمى شبه النقود وتتشكل من العملة المحلية والأجنبية، فما يهم الجمهور بالنسبة لمشكلته الحالية هي ودائع تحت الطلب (وتشمل ودائع الحكومة المؤسسات والشركات والأفراد) والذي يريد أن يحولها لعمل في يده وقت ما يريد وقت ما يشاء ولكن البنوك عجزت عن ذلك وكان يجب على رئيس الوزراء ووزير المالية أن يجيب لماذا؟ وهي نقود وردت بواسطة المتعاملين مع البنوك أو أودعت نيابة عنهم بواسطة دافعي أجورهم أو من استلم منهم بضاعة أو خدمة ومسجلة كنقد كأي عملة في حسابهم، والسؤال هو أين هي؟ هل كان التوريد والايداع افتراضيا دون أن تكون هناك عملة؟ وهل تقبل البنوك شيكات أو تحويلات بدون رصيد؟ إذن الرصيد هناك فأين ذهب وهذا هو السؤال الأساسي يا سيادة رئيس الوزراء ووزير المالية! وهذا ما يتطلب التحقيق وليس التنظير الاقتصادي. ولكن لا بأس فلنعد لنظرية كمية النقود (Quantity of money theory) فأنت افترضت أن تكون كمية النقود 10% وهذا يعني أنك افترضت أن سرعة تداول النقود هي 10 ولا أظن أن بنك السودان ولا الاقتصاديين سيوافقونك على ذلك. ولكن دعنا نرى ما هي العلاقة بين الإثنين في الواقع، مع ملاحظة أنني أخذت عنصرين فقط من عناصر عرض النقود وهما ما يمثلان أهمية للجمهور في أزمة السيولة فأنا أخذت وسائل الدفع الجارية كما يوضح الجدول المرفق وهي جميعها أرقام من تقرير بنك السودان في عام 2017 (ص 37 لبيانات النقود وص 104 لبيانات اجمالي الناتج المحلي بالأسعار الجارية) فسنجد أن العنصرين الذين يشكلان وسائل الدفع الجارية أكثر من 10% في العامين المتوفرين وإذا اضفنا لهم ما زاد فعليا من كمية الكاش في 2018 أو حتى منذ