موكب الرحيل الثالث.. حصاد يوم عاصف

الخرطوم تشتعل و بري تهتف "للصباح..للصباح" حتى مطلع الفجر ومدني تكسر القيد الامني

ثوار مدني يربكون الامن والشرطة بحركة التفاف رائعة والقوات تلاحقهم بالاعيرة النارية في الهواء والبمبان الكثيف

اعتقالات وسط الاطباء  والصحفيين والمواطنين ومنع الفضائيات من البث المباشر

"مهيرات السودان" يظهرن بسالة قوية واعتقالات واسعة وسطهن

وقوع اصابات وتهشيم زجاج نوافذ جراء قذف عبوات بمبان داخل منازل بري

الخرطوم : مدني :عطبرة : خالد فتحي

في البدء اشير الى انني سأروي بعض تفاصيل الموكب الذي وقفت على تفاصيله في شارع السيد عبدالرحمن ووسط السوق العربي بجانب اقوال شهود عيان  تحدثت اليهم لمواكب اخرى انطلقت من النقاط التي اعلن عنها تجمع المهنيين السودانيين عند الساعة الواحدة من بعد ظهر اليوم الاحد السادس من يناير  2019، في مناطق اخرى بالخرطوم في بري وباشدار وابوحمامة وفي مدني بولاية الجزيرة وعطبرة بولاية نهر النيل .

لحظات الترقب والقلق سيطرت على المشهد تماما في الخرطوم ، منذ الصباح الباكر وعزز تقليل الوجود الامني، الاحساس بأن شيء مايدبر في الخفاء لقمع الموكب الثالث بالعنف المفرط كما جرى مع موكبي الثلاثاء 25 ديسمبر والاثنين 31 ديسمبر تمهيداً لخنق الاحتجاجات السلمية، واطفاء جذوة الثورة التي اندلعت في 19 ديسمبر الماضي.

قبل الساعة الواحدة ظهراً تقاطر الشباب والشابات يتسارعون كـحبات الغمام" الى شارع السيد عبدالرحمن وسرعان مادوت الحناجر بالهتاف "حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب"، "سلمية، سلمية ضد الحرامية". 

كما استعادت الجماهير جزءاً من هتاف اكتوبر الشهير "الرصاص لن يثنينا.. البمبان لن يثنينا" بغضب شديد ردت القوة المرتكزة بشارع السيد عبدالرحمن قرب ملاعب كمبوني واطلقت زخات من الغاز المسيل للدموع، لم يلبث الشبان والشابات الا قليلا حتى تجمعوا مرة اخرى في بسالة منقطعة النظير ليدوي الهتاف ، مرة اخرى بشارع السيد عبدالرحمن، ممزوجاً بزغاريد النساء اللائي اعجبتهن بسالة المتظاهرين، ايضا جرى ضربهم بالغاز المسيل للدموع الذي كان اشبه بـكاتم صوت" إذ لاتحدث منه الا وهو يسقط بجوارك والدخان يتصاعد من فوهته.

هكذا استمرت عمليات الكر والفر بين قوات الامن والمتظاهرين لاكثر من ساعة ونصف الساعة دون ان تفلح في اخماد شعلة الثورة. واضطر الامن لاعتقال كميات كبيرة كانوا يقومون بحملهم على عربات "بوكس" وتجميعهم في منطقة ابوجنزير قبل نقلهم الى مقرات امنية عبر عربات الميني بص "الحافلات" وميكرو بص "الهايس" التي تعرف شعبياً بـالشريحة". وكان التركيز شديداً في موكب اليوم على اعتقال الفتيات بشكل اساسي، ووجهوا اليهن اساءات بالغة اثناء عمليات اعتقالهن أونقلهن الى المقرات الامنية. في محاولة لكسر صمود وثبات  "مهيرات السودان" اللائي اظهرن بسالة منقطعة النظير ومتوقعة تماماً من بدء الثورة الشعبية.

وجرى اعتقال صحافيات وصحفيين بينهم مراسل الشرق الاوسط احمد يونس ومراسل وكالة بلومبيرغ محمد امين والصحافيات بجريدة الجريدة سارة تاج السر وسارة ضيف الله ورابعة ابوحنة ، وعبدالرحمن جبر بجريدة الاخبار . قبل اطلاق سراحهم لاحقاً، وتعرض عبدالرحمن جبر لاصابة في كتفه جراء اطلاق بمبان .

وفي خطوة تصعيدية، أصدرت السلطات أوامر بإيقاف خدمة البث المباشر من وكالة رامتان التي تقدم الخدمات الفنية لعدد من القنوات، بينها الحرة الأمريكية، التلفزيون العربي وغيرها.

كان لافتا انتشار عربات الاسعاف الامر الذي اثار تساؤلات كثيرة وسط المتظاهرين..!! ايضا قلة عربات الشرطة مقابل عربات الامن التي نشطت في ضرب المتظاهرين. بجانب ظهور عربات لاندكروز "تاتشر" بيضاء اللون بدون لوحات، ولاتحمل اي علامات تدل على الجهة التي تنتمي اليها.

القوات الامنية كانت منتشرة "راجلة" وسط السوق العربي بينما وزعت عرباتهم في تقاطعات الشوارع الرئيسية ليمنحوا الجميع احساس بعدم وجود تعزيزات امنية كما حدث في الموكبين السابقين لكن مع بدء التظاهرة ظهرت القوات الامنية بكثافة مع عربات اللاندكروز "تاتشر".  واندلعت داخل السوق العربي تظاهرة جديدة في صينية القندول وجرى ضربها ايضا بالغاز المسيل للدموع.

في حي بري التي تعد واحدة من اشهر معاقل الثورة السودانية، تجمع حشد ضخم في صينية بري قرب كوبري القوات المسلحة ودار الشرطة وبدأوا في الهتاف "نحنا مرقنا مرقنا ضد الناس السرقو عرقنا"،" دم الشهيد بكم ولا السؤال ممنوع"،"طاير طاير في يناير".."حكومة العسكر تسقط بس"..  وغيرها من هتافات الثورة لكن القوات الامنية والشرطة ردت عليهم بالغاز المسيل للدموع ورصد شهود عيان اكثر من (9) عربات شرطة وامن مرتكزة بالمكان.

الحشود تفرقت داخل الاحياء وبدأت عمليات الكر والفر وتنظيم تظاهرات بشوارع الحي لساعات طويلة وسببت ارهاقا شديدا لقوات الامن والشرطة الذين قذفوا المنازل بعبوات البمبان ماتسبب في تهشيم زجاج العديد من المنازل واصابة الكثيرين بينهم مواطنة اصيبت في يدها.

وتداول النشطاء مقاطع لرجل يتحدث من داخل مسجد بري الدرايسة "احد اعرق مساجد البراري" ورفض تسليم المواطنين الذين لاذوا به،  والهب مقطع الفيديو الذي جرى تداوله على نطاق واسع حماس الذين شاهدوه كأبلغ دليل على روح الثورة التي سادت وسط المواطنين الذين رفعوا شعار "للصباح للصباح" لاستمرار التظاهر حتى مطلع الفجر .

و في اول ظهور منذ بدء الاحتجاجات توهجت ود مدني بموكب حاشد بدأ من امام مستشفى ود مدني التعليمي وشارع "الدكاترة" حيث تنتشر عيادات الاطباء، وفي حركة التفاف رائعة اربكت حسابات الاجهزة الامنية والشرطة توغل الموكب الحاشد لمحطة المواصلات العامة بوسط المدينة، وداخل السوق في توقيت صادف ساعة الذروة، وفشلت  قوات الامن والشرطة  في السيطرة على الموقف لوقت طويل، واطلقت الغاز المسيل للدموع بكثافة وزخات الاعيرة النارية في الهواء، قبل ان تلاحق المتظاهرين الذين تفرقوا من الموكب. واكدت مصادر وجود حالات اعتقال كثيرة وسط الاطباء.

وذكر شهود عيان ان القوات الامنية والشرطة في حالة استعداد 100% والضباط الذين اشرفوا على القوات ميدانياً كانوا برتب رفيعة. 

وخرجت مواكب اخرى في مناطق باشدار وابوحمامة بالخرطوم لاتقل قوة ولا بسالة عن المواكب التي سردنا قصتها.

 وعادت عطبرة التي شهدت اندلاع شرارة الثورة في 19 ديسمبر الماضي الى الميدان مرة اخرى، استبق المواطنون زيارة البشير المقررة غداً الإثنين بالتظاهرات التي تهتف بإسقاط النظام والإعتصام بميدان الجيش بمنطقة الحصايا ، قبل ان تطلق  السلطات الغاز المسيل للدموع، في حين حرست قوة امنية ميدان الجيش حيث كان ينتظر ان يعتصم المتظاهرون، ومنعهم من الوصول اليه.

ثمة ملاحظات مهمة في خضم موكب الرحيل الثالث على رأسها ان ميزان القوى غير متكافيء بين الطرفين حيث يواجه المتظاهرون السلميون الالة الباطشة للنظام بصدور عارية وحناجر تدوي بالهتاف، بالرغم من ذلك يوجد ثبات يستحق التقدير  .

ايضا هناك شعور قوي بدأ يتمدد في نفوس الكثيرين بأن ليس لديهم مايخسرونه فالاوضاع السياسية والاقتصادية بالغة السوء كما ان اوضاعهم الانسانية لاتقل عنها سوءًا في ظل نظام لايحترم ولا يراع اي حق من حقوق الانسان، وابلغ دليل انك ما أن تدعو الى اي تجمع سلمي في اي مكان في السودان الا وتجد قوات الامن والشرطة  قد سبقتك الى احتلال المكان

كما ان الناس وصلت الى قناعة تصل حد الرسوخ بأن لاسبيل سوى المواجهة مهما كان الضوء خافتاً ومهما كانت الظروف عصيبة

  تفاصيل ما حدث في الموكب الثالث

تظاهر السودانيون يوم الأحد للمطالبة بالتنحي الفوري  للبشير ونظامه من الحكم  في الخرطوم ومدني وعطبرة.  وقوبلت المواكب السلمية للمتظاهرين بالعنف المفرط والاستخدام الكثيف للغاز المسيل للدموع من قبل الاجهزة الامنية مصحوبة بحملة اعتقالات واسعة النطاق  وسط المتظاهرين . ورغم الانتشار الامني الواسع  والعنف الشديد الا ان الآلاف من المتظاهرين الشباب  استطاعوا أن يكسروا هذا الطوق بتكتيكات وخطط متنوعة من أبوحمامة مرورا بوسط الخرطوم حتى بري وهم يهتفون سلمية سلمية ضد الحرامية والشعب يريد اسقاط النظام  وحرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب وتسقط تسقط بس وثوار احرار حنكمل المشوار

   في الساعة الواحدة من ظهر الاحد انطلقت المواكب في المدن الثلاث استجابة لإعلان تجمع المهنيين السودانيين وسط الخرطوم كانت الشوارع شبه خالية ، حالة قلق وترقب سيطرت على المشهد ، منذ صباح باكر ، الوجود الامني سجل غيابا او قل حضورا اقل ، ما يشى بان هناك امرا مدبراً، كما قال عدد كبير من الثوار ( لك ان تتخيل ان الثوار لم يعودوا مشغولين بالطوق الامني الذي كسروه اكثر من مرة ، وصرحوا مرارا ان الرصاص المنهمر او الغاز المسيل للدموع، لن يثنيهم عن قضاياهم التي تحركوا من اجلها)

  في تمام الساعة الواحدة لاحت حشود مسرعة ، تشعر بانها جاءت مشتاقة لمعانقة الهتاف السلمي ، وترديد احلامهم التي ظلت سجينة وحبيسة في صدورهم

في دفعة واحدة اشهرت الجماهير هتافها المدوي "حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب"، "سلمية، سلمية ضد الحرامية، واضافت له هتافا قديما متجددا" .

"الرصاص لن يثنينا.. البمبان لن يثنينا" ، تحركت  الجماهير المصصمة في انتظام وخطوات شديدة الوثوق

 

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )