دبلجة الصور على مواقع التواصل الإجتماعي .. إنتهاك إعلامي لحقوق المرأة

الخرطوم: الميدان

لعب الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، دوراً كبيرا في تعبئة المشاركين في حركة الاحتجاجات، التي اندلعت في السودان أواخر العام الماضي، والمُنددة بسوء الأوضاع المعيشية الحالية، والمُطالبة بتنحي الرئيس عمر البشير وحكومته عن السلطة، وبجانب الرصد بمقاطع الفديوهات والصور بغرض التوثيق للمواكب الإحتجاجية ونشرها في هذه الوسائل، وتوثيق الانتهاكات التي ترتكبها الشرطة وأجهزة الأمن، بحق المتظاهرين، نجد أن هؤلاء الناشطون وقعوا في مِصيدة لا تقل خطورة عن تلك الأوضاع التي انتفضوا ضدها، وهي نشر صور رجال مُدبلجة على هيئات نساء، إعتبر الناشطون مواقف أولئك الرجال مُضادة لمطالب الشارع السوداني المنتفض، وهذه الصور تحمل في طياتها معاني كثيرة من بينها التهكم والسخرية وصار الناشطون ينشرونها ويتبادلونها على نطاق واسع، سيما أن من قاموا بدبلجة هذه الصور غير معروفين في كثير من الأحيان.

نالت الصور "المُدبلجة" حظا واسعا من الانتقاد والادانة كونها تنتهك حقوق المرأة، وتحط من مكانتها الاجتماعية وكرامتها، وفي هذا الإطار عبّرت الناشطة نادية أمين على صفحتها على الفيس بوك عن حزنها واستيائها عن هذه الصور وقالت :"أنا أرى وأقرأ وأسمع بعض الناشطون والناشطات، يشبهون العديد من الشخصيات المغضوب عليها بالمرأة، من خلال الكتابات أو الرسومات أو تعديل الصور بالفوتوشوب حيث يصورون الرجل على هيئة إمرأة، وذلك بغرض الانتقاص من قدر الرجال وإنزالهم إلى مرتِبة دنيا"، وإعتبرت نادية إن هؤلاء الناشطون يفعلون ذلك عن وعي و قصد، وأحيانا بلا وعي وبدون قصد"، وتابعت:"هذا ناتج عن الإرث الثقافي المتجذر في المنظومة المجتمعية التي ترى بأن المرأة مخلوق أقل درجة في الإنسانية والأهلية العقلية من الرجل وأنها غير مؤثرة وغير قادرة على الفعل والتغيير". وترى نادية بإن حالة اللاوعي  تتمظهر أكثر جلاءا في الكثير من البنات والنساء اللائي يحتفلن بهذه الصور بالمشاركة والتعليق، وشددت على أن العقلية الذكورية لا تنحصر في الرجال فقط، بل تمتد حتى للمرأة نفسها.

هذه الصور كانت مصدر اشمئزاز للكثير من السياسيين، حيث قال مشرح حملة "سودان المستقبل"، لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2020م، الأستاذ عادل عبدالعاطي "الناس شفقانة تنشر طوالي من دون تفكير"، ونصح عادل الناشطين بالتفكير مليا قبل ارسال أية مادة لا يعرفون مصدرها على صفحاتهم، وتوخي الحذر من استخدام أية مادة ترمز إلى العنصرية أو التعصب الديني أواحتقار المرأة، واوضح بأن الكثير من المواد تكون جزء من الحرب النفسية وتحمل رسائل سالبة، وأشار إلى أن التغيير نحو الافضل لا يمكن أن يتم بتوجية رسائل سالبة، وإن الاهداف النبيلة لا يمكن الوصول إليها باستخدام وسائل خاطئة.

فيما رأت نادية أن السياسات الحكومية الراهنة قد ساهمت وإلى حد كبير في ترسيخ النظرة الدونية تجاه المرأة، واضافت بإن الحكومة هي الجهة الفاعلة الرئيسة في توجيه التغيرات الثقافية والاجتماعية فبالتالي أصبح الخطاب الموجه نحو المرأة في مجمله ناتجة من توجيهات الدولة. وأشارت إلى أن الخطاب الديني والسياسي حول المراة في السودان، هو الذي أدى إلي تماثل في الخطاب الاعلامي الموجه تجاه المراة ونظرة المجتمع كذلك.

وقالت نادية بأن الإعلام الجديد اتاح مساحات للناشطون للدفاع عن حقوق الإنسان بصفة عامة وعن المرأة بصفة خاصة، ومكن الناشطون لمُناقشة الكثير من القضايا  المسكوت عنها، وأكدت بأن هنالك حوارات دارت حول القضايا النسوية ذات الطابع الحقوقي وكانت في منتهي الجرأة وعدم التقليدية، وقطعت بالقول هذا يبرهن بأن هناك خطابا موازيا في أهميته للخطاب الرسمي. وحثت نادية الناشطون باستغلال هامش الحرية التي توجد في وسائل التواصل الاجتماعي لبث الوعي بحقوق المراة وكشف خطورة انتهاكها، وتحدي التنميط المجتمعي ضدها، والعمل على إطلاق طاقاتها الإيجابية المؤثرة وعدم نشر الصور أو الكاريكاتيرات التي تقلل من شأنها أو تلك التي  تحتقرها.

من ناحيته قال الناشط السياسي ياسين أحمد أن هذه الصور المدبلجة تمثل انتهاكا لحقوق المراة وتنتقص من شخصيتها، واعرب عن اسفه بما سماه سخرية الناشطون من المراة من خلال نشرهم هذه الصور المدبلجة، وأضاف إن بعض الناشطون يعرفون الكتابة ولكنهم ينسون بأن المراة هي الأم والأخت والزوجة والخالة والعمة، بيد أنه التمس العذر لبعض الناشطين الذين يراهم بأنهم غير ناضجين سياسيا وثقافيا. واعتبر ياسين إن هذه الصور المدبلجة تمثل ظلما للمرأة وجريمة ترتكب بحقها، وإعتبر ذلك جزءً من عدم ممارسة حقوق المواطنة المتساوية بين الجنسين في السودان، وأضاف "هذا جزء من الازمات التي يعاني منها السودان"، فيما استنكر دبلجة هذه الصور بما هي عليه، وقال حتى لو كانت هذه الصور تسخر من الرجال اتخذوا اتجاه مضادة لمطالب الحركة الاحتجاجية المشروعة فإن هذا لا يبرر دبلجتها على هيئات نساء، ودعا ياسين الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي للحفاظ على حقوق المراة واحترامها، والنظر إليها بأنها إنسانة ويجب أن تتمتع بكاملة الحقوق والواجبات، والتحقق من الصور قبل نشرها.

بينما قال الناشط يعقوب ادريس إن المرأة نصف المجتمع، وبدونها لا يمكن أن تتقدم الشعوب، وإنها كانت المفكرة والقائدة طوال التاريخ الإنساني وحتى اليوم، ورائدة في الكثير من المجالات، وقادت الكثير من الثورات التي ادت تغييرات جزرية في المجتمعات حتى صارت مضرب مثل لجدارتها وقولها كلمة الفصل في زمن الشدة، ورغم هذه الحقيقة إلا أن بعض الرجال في المجتمع السوداني يعتبرون إن المرأة ضعيفة ومن الممكن النيل منها بكل سهولة، وأضاف:"أن منظومة الموراث الثقافية والاجتماعية في السودان تنشئ الرجل منذ طفولته على انه الاقوى والجدير بالاحترام  أكثر من المرأة وتصويرها على إنها ضعيفة أمامه، وحتى عندما يجئ الحديث عن العمل"، وأشار إلى أن هذا ما جعل النساء محطة للسخرية وحقوقها عُرضة للانتهاك في الكثير من الأحيان، وعززتها بعض من القوانيين المعمول بها في السودان، والتى تقهرة النساء جسديا ومعنويا، واستدرك قائلا:" ولكن الحقائق وتجارب المرأة تخالفان ذلك، واستشهد بحركة الاحتاجات التي عمت المدن السودانية، حيث كانت المراة جنبا على جنب مع الرجل في مواكب التظاهر".