بعد قرارات الرئيس الأخيرة..

الاحتجاجات.. قراءة في خريطة الشارع..!!

فتح خطاب البشير الباب لتكهنات حول مستقبل الاحتجاجات والمطالبة برحيل النظام وخفض أو زيادة وتيرة الاحتجاجات وكان قد أعلن من خلاله حل الحكومة وإعلان حالة الطوارئ وتأجيل النظر في التعديل الدستورية، وتشهد المدن والأحياء السودانية مظاهرات مستمرة منذ منتصف ديسمبر الماضي ورفع المحتجين خلالها شعارات تطالب بإسقاط النظام والحرية والسلام والعدالة، ورغم خروج المتظاهرين عقب الخطاب بشكل كثيف في الشوارع رفضاً له إلا أن بعض المحللين مازالوا يرون الإجراءات التي اتخذها الرئيس قادرة على تهدئة الشارع واصفين الذي يحدث بالتظاهرات المحدودة التي سينخفض تدريجياً، مما يجعلنا نتساءل عن حقيقة ذلك والمالآت التي ستفضي إليها هذه الخطوات أو القرارات .

  • الشارع المعطى الأقوى في المعادلة

  الخطوة قام التي بها البشير بحل الحكومة والإعلان بالجلوس مع المعارضة وتشكيل حكومة كفاءات ذهب البعض بأنها أتت بمباركة أن لم تكن بطلب من الولايات المتحدة، وذلك ضمن ما يسمى بسيناريو الهبوط الناعم، وتوقعوا أن يعقب الخطوة إعلان تقديم دعومات مالية وعينية من دول إقليمية للسودان، ايضا ذهب آخرون بأنها محاولة  التفاف من المؤتمر الوطني والإسلاميين، كذلك ذهبت التوقعات الى إخضاع المعارضة من قبل المجتمع الدولي و إنخراطها في الحوار، لكن أغفل كل هؤلاء بأن المعطى الأقوى في هذا المعادلة هو الشارع الذي فعلياً هو من فرض اللجوء لهذه السيناريوهات أو الالتفافات، ويقول المراقبون:(فهم مستقبل حركة الاحتجاجات يتطلب أولاً تحليل المسببات التي شكلتها، والمطالب التي رفعتها، فضلاً عن القوى المتحركة فيها، والدوافع التي حفزت استمرارها طيلة الفترة الماضية، ومن ثمة عمل مقارنة بينها وبين الإجراءات التي إتخذها البشير لمعرفة رجع الصدى المتوقع منها على المدى القريب والبعيد).

  • مشكلة الاقتصاد

منذ حوالي شهرين ويزيد  اشتعلت الاحتجاجات الشعبية في السودان على نحو عفوي وتلقائي وكانت في حقيقتها تمظهر لحالة اختناق سياسي انعكس على الجانب الاقتصادي والمعيشي الذي تمثل بدوره في عدة أزمات(وقود، خبز، سيولة ...ألخ) هذا الوضع المختل دفع المحتجين لنزول الى الشارع والتعبير عن رفضهم ومن ثم مطالبتهم بتنحي الحكومة، وعلى ضوء ذلك كما يرى المتابعون أن العامل الاقتصادي من أهم العوامل التي تحدد مستقبل الاحتجاجات والشاهد أن خطاب أمس الأول لم يطرح حل هذه المشكلة بشكل واضحٍ، كما أن المشكلة الاقتصادية تسير نحو التفاقم فهنالك تدهور في سعر صرف العملة المحلية مقابل الاجنبية، بالتالي ارتفاع في معدل التضخم والأسعار، كذلك هناك إشكالات في إيرادات الميزانية التي اعتمدت بشكل كلي على الجمارك والضرائب، الأمر الذي يتطلب بالمقابل سوق متحرك وليس سوقا كاسدا كما يحدث الآن في السودان، ويجزم الخبراء بأن حكومة الكفاءات التي ستشكل ستجابهة بتحديات كبيرة، اولاً مطلوب منها عمل اصلاحات كبيرة على بنية الاقتصاد الكلي، وهذا قد يتطلب وقتاً طويلاً والشارع لن يتنظر، لذلك يرى البعض أنها ستلجأ الى البحث عن دعوم خارجية يتم توظيفها لكسب مزيد من الوقت وفي حالة العدم سيتم رفع الدعم عن السلع الذي دون شك سيرجح كفة مستقبل الاحتجاجات نحو التصعيد. 

  • إختلاف الأهداف والتشخيص

 رفع المحتجون منذ انطلاق التظاهرات الشعارات التي مثلت مطالبهم بإسقاط النظام والحرية والسلام والعدالة، واتسعت كذلك لتشمل القصاص للشهداء الذين سقوط خلال الفترة الماضية، الحكومة في البداية لم تتعامل مع هذه المطالب وفقاً لخطاب سياسي متوازن وبدأت بشيطنة المتظاهرين، لكن مع استمرار الاحتجاجات بدأت تقوم بتقديم تنازلات فيما بعد فقد مدت إيقاف إطلاق النار كما أكدت قيادات الدولة على رأسها البشير التوجه نحو إلغاء قانون النظام العام الذي أعتبره مقيداً للحرية وأحد الدوافع التي حفزت على الخروج، بالمقابل هذه الإجراءات والتصريحات لم توقف حدة الشارع، بل إعتبرها البعض مستفزة دفعت المزيد للإنضمام لمواكب الاحتجاج، حتى جاءت القرارت الأخيرة التي وصفها الكاتب والسياسي المغاربي علي القروي بأنها من الصعب أن تصب في تهدئة الأوضاع، وأشار في مداخلة للقناة الفرنسية أن الشارع السوداني الذي خرج في التاسع عشر من ديسمبر خرج وهو يحمل شعار(تسقط بس) يريد تنحي البشير ولا شيئ آخر، موضحاً أن الذين خرجوا يرون أن السودان خلال (30) عاماً حكم فيها البشير مازال يعاني من اقتصادٍ ضعيفٍ وخدمات أساسية غير متوفرة وحياة كريمة للمواطنة غير متوفرة والفساد منتشر، والدولة التي حلم بها السودانيون لم تتحقق، لذلك لن تكون هذه الإجراءات ذات تأثير في تهدئة الشارع الذي يريد من البشير أن يرحل ومن مارسوا الفساد أن يرحلوا، مبيناً الى أن خطاب البشير جاء ليؤكد بأنه باقٍ وانه سيكون بمثابة والد الأمة وسيكون بمسافة واحد من الجميع الموالية والمعارضين، بالتالي هو جزء من الحل، بينما من خرج يؤكد بأن رحيله هو الحل إذا هناك إختلاف في الأهداف ويضيف القروي: كذلك هذا اختلاف في التشخيص البشير يتحدث عن حوار بين المعارضين والموالين وحاملي السلاح، وأن يكون هناك مكان للشباب، لكن المشكلة أن مشكلة البشير بالأساس ليست مع الأحزاب السياسية والمعارضة، وأنما المواطن السوداني الذي خرج للشارع، وتحاول الأحزاب السياسية اللحاق به، بالتالي من يجب عليه استرضاء المواطن وليس الأحزاب السياسية، تحدث كذلك القروي عن فكرة تأجيلس التعديلات الدستورية أمام البرلمان لا يعني وعد بعدم الترشح مره ثانية، قائلاً بأن: كل الذي تم لا يعدو كونه إنهاء عمل حكومة وتعيين أخرى .

  • القوى الفعالة والمؤثرة

يجزم المحللون السياسيون بأن تجمع المهنيين السودانيين أصبح القوة الفعالة المؤثرة والقادرة على تحريك الشارع، ومستقبل تهدئة الشارع عقب القرارات الأخيرة لا يمر إلا عبر النظر إلى موقفه منها، الذي إتضح قبل إصدارها عبر بيان جاء فيه : (إن أي محاولة للالتفاف على مطالب الشعب السوداني لن تجد منا سوى المزيد من الفعل الثوري السلمي في الشوارع، مطالب هذه الثورة واضحة ولا يمكن القفز عليها وعلى رأسها تنحي النظام ورئيسه …الخ) كذلك تعتبر الأحزاب السياسية الموقعة على إعلان الحرية والتغيير ذات تأثير كبير على الشارع في القوى المنظمة ذات القواعد الجماهيرية المقدرة وحين ترفض القرارات الأخيرة فهو أمر بالتأكيد يصب في مصلحة استمرار الاحتجاجات .

 ويلمح البعض بأن هناك قوى أخرى قد تنخرط هي الأخرى في التظاهرات فهم الرافضين من الإسلاميين وأعضاء المؤتمر الوطني لهذه القرارات .

  • أخيراً

بالمقابل إذا كانت غالبية المؤشرات تؤكد استمرار حركة الاحتجاجات هنالك أخرى تسير في الاتجاه المعاكس المشير الى خفوت الهبَّة استناداً على خطاب أمس الأول، وهي النقاط تتمثل في أنه خاطب العقل الشعبوي وقادم بتقديم (محمد طاهر إيلا) كوجه قد يجد قبولا ورضا من البعض، كذلك الحديث عن محاكمة قتلة المتظاهرين تعتبر نقطة قد تقلل من حدة التوتر وقبل هذا وذاك إعلان حالة الطوارئ، التي تعني ضخ قوة جديدة لفض المحتجين والإحتكام الى قانون مختلف، رغم أنه لم يفلح مع أنظمة دول شهدت أحداثا مماثلة، عموماً الأيام المقبلة كفيلة برسم السيناريوهات المتوقعة بشكل أوضح