من تجاوز الطوارئ إلي الانتصار

بقلم : تاج السر عثمان  

 خرجت الالاف من الجماهير في مواكب التحدي يوم الخميس 28 فبراير تعبيرا عن رفضها لحالة ومحاكم الطوارئ التي الهدف منها المزيد من القمع لوقف مسيرة الثورة، وتكون الجماهير عمليا بذلك قد تجاوزت حالة الطوارئ، وتسير قدما نحو الانتصار بإسقاط النظام وقيام البديل الديمقراطي.

  نتيجة للضغوط المحلية والعالمية والرفض للعودة للحكم العسكري الإسلاموي، وإعلان حالة  ومحاكم الطوارئ التي تتعارض مع الدستور والمواثيق الدولية، صرح النائب الأول عوض ابوعوف أن " حالة الطوارئ التي فرضت مؤخرا في السودان لا تستهدف إنهاء المظاهرات ضد الرئيس عمر البشير، بل التصدي للتهريب"، لكن الواقع غير ذلك فقد تم حتي الآن تقديم حوالى أكثر 870 متظاهر أمام محاكم الطوارئ تعرضوا لعقوبات السجن والغرامة، وهذا يتعارض مع الدستور الذي يكفل حق التجمع والتظاهر السلمي، ومع المواثيق الدولية التي تكفل حق الشعوب في تغيير حكوماتها التي تسومها سوء العذاب، وتهدد الأمن الدولي مثل نظام الحكم الاسلاموي الفاشي الدموي الحاكم في السودان.

 الواقع أن هذا النظام ظل لمدة ثلاثين عاما يمارس أبشع أنواع التنكيل بالمعارضين السياسيين والنقابيين وأبناء مناطق الهامش ، وتشريد مئات الالاف من أعمالهم، واطلاق النار علي المظاهرات السلمية، وما نتج عنه من استشهاد وجرح المئات واعتقال الالاف وممارسة أبشع أنواع التعذيب ، والدهس "بالتاتشرات " إضافة لحروب الابادة في مناطق الحروب مما أدي ليصبح رموز النظام مطلوبين للمحكمة الجنائية ، تم ذلك قبل حالة الطوارئ الحالية بعد خرق لدستور 2005.

   جاء إعلان ومحاكم الطوارئ ليواصل خرق دستور 2005، فإعلان حالة ومحاكم الطوارئ غير دستوري، فضلا عن أنها فشلت في وقف تقدم الثورة الذي كان جارفا بمواكب ووقفات الخميس 28 فبراير. بالتالي من المهم مواصلة تصعيد النشاط الجماهيري والقانوني لإلغاء حالة ومحاكم الطوارئ ، وكشف كل التجاوزات فيها.

  أشرنا سابقا أن ما تم من انقلاب عسكري وإعلان حالة ومحاكم الطوارئ يهدف لإجهاض الثورة، ومصادرة الحقوق والحريات الأساسية وحق الحياة، والافلات من العقاب تحت ستار الطوارئ، وتمرير الزيادات المرتقبة في أسعار الوقود والخبز والخدمات وفرض المزيد من الضرائب ومنها الغرامات الباهظة علي المتظاهرين أمام محاكم الطوارئ، بهدف تمويل أجهزة قمع النظام، بعد أن ارهقته الثورة التي استمرت أكثر من شهرين، ولم يفت في عضدها استشهاد أكثر من 55 وجرح المئات، واعتقال أكثر من 2000 مواطن، إضافة للقمع الوحشي للمتظاهرين السلميين بالهراوات والغاز المسيل للدموع، والتعذيب الوحشي للمعتقلين مما أدي لاستشهاد بعضهم، والتحرش بالنساء اللائي لعبن دورا كبيرا في الثورة، واقتحام البيوت وحرم الجامعات والكليات والمدارس والداخليات بما فيها داخيات الطالبات وضربها بالبمبان، واقتحام دور الأحزاب واعتقال وضرب من بداخلها. كما يقدر ما ينفق في اليوم من الاستعداد وحالة الطوارئ حوالي 4 مليون دولار.

  كما أن الهدف من الانقلاب العسكري الذي دعمه الاسلامويين وحالة الطوارئ إعادة أنتاج النظام الاسلاموي الدموي، بعد تغيير جلد الحية وفي جوفها السم الزعاف، كما يتضح من مسرحيات الاتجاه لتغيير اسم المؤتمر الوطني، والدعوة للحوار في ظل حالة الطوارئ !!، وغير ذلك من شهدناه سابقا من تغيير الاسم " الإخوان المسلمون ، جبهة الميثاق الإسلامي، الجبهة القومية الإسلامية، المؤتمر الوطني الذي انشق منه الشعبي والاصلاح والتغيير ..الخ، فالمحتوى واحد وإن تغير الشكل، فضلا عن التجربة الطويلة لمدة ثلاثين عاما في نقض العهود والمواثيق ونتائج الحوار والاتفاقات، وآخرها حوار الوثبة الذي نقضه النظام وحل الحكومة، مما اضطر الاتحادي الديمقراطي الأصل ليعلن عدم مشاركته في الحكومة القادمة، وهذا الخطوة وإن جاءت متأخرة ، فإنها تعبر عن عزلة النظام وتصدعه ، ولم يبق غير تشييعه لمثواه الأخير.

  كما أن الحل الأمني لا يحل الأزمة المالية والاقتصادية والسياسية التي يعيشها النظام ، فقد أكدت التجربة السابقة أن الهجوم علي تجار العملة قد يؤدي لانخفاض سعر الدولار، ولكن سرعان ما يعود إلي الارتفاع بشكل أعلى من السابق، ويستمر انخفاض قيمة الجنية السوداني في غياب الصادر، إضافة للفساد وتدمير الانتاج الزراعي والصناعي والحيواني، والصرف الضخم علي الأمن والدفاع الذي يمتص أكثر من 70 % من الميزانية، والتفريط في أصول البلاد. وبالتالي، فإن النظام يكابر ويحاول إطالة عمره، ولكن هيهات ، فقد توصلت الحركة الجماهيرية لشعار " تسقط بس ".

  تواصل الثورة تقدمها مع المزيد من التنظيم وبناء لجان الأحياء والمدن والقرى ومجالات العمل والدراسة، ومواصلة كل اشكال المقاومة من مواكب ومظاهرات ووقفات احتجاجية واضرابات ومذكرات، وحملات جماهيرية لإطلاق سراح المعتقلين، وإلغاء حالة ومحاكم الطوارئ، وكشف انتهاكات حقوق الانسان باسم الطوارئ، ومواصلة التضامن مع الشعوب كما حدث في التضامن مع شعب مصر في حادث القطارات، ومع شعب الجزائر ضد العهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة، كما حدث في مواكب 28 فبراير، واستعادة تقاليد التضامن مع الشعوب التي كان شعب السودان رائدا فيها، واستمرار المقاومة وتكثيفها مع العمل الدعائي وحملات التضامن من السودانيين  حتي الانتفاضة الشاملة والاضراب السياسي العام والعصيان المدني حتى اسقاط النظام وقيام البديل الديمقراطي.