سلمية الزمان والمكان..

  الاحتجاجات السودانية هي سلسلة من الاحتجاجات التي اندلعت يوم 19 ديسمبر/كانون الأول من عام 2018 في بعض المدن السودانيّة بسببِ ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وتدهور حال البلد على كلّ المستويات.وعلى رأسها الاوضاع الاقتصادية والتي وصفها البعض بانهيار اقتصادي ينذر بالخطر على الدولة السودانية والتي ما زالت مستمرة رغم اتخاذ الرئيس البشير لقراراته الاخيرة:

ما يهمنا في هذا الجانب هو سلمية الاحتجاجات والتزام المتظاهرين بان يظل شعار السلمية هو مبدأ لن يحيد عنه كل المشاركين فيها من الشعب السوداني والشواهد على ذلك كثيرة نورد هنا بعضا منها:

بدأت الاحتجاجات رداً على تردي الأوضاع الاقتصادية وغلاء أسعار المعيشة يوم الأربعاء في مدينتي بورتسودان شرق البلاد وعطبرة شمالها ثم امتدت في اليوم التالي 20 ديسمبر/كانون الأول إلى مدن أخرى من بينها العاصِمة الخرطوم قبلَ أن تتجدّد يومي الجمعة والسبت خصوصًا في الخرطوم وأم درمان والأبَيض في ولاية شمال كردفان. شهدت هذه الاحتجاجات السلميّة رد فعل عنيف من قِبل السلطات التي استعملت مُختلف الأسلحة في تفريقِ المتظاهرين بما في ذلك الغاز المسيل للدموع، والرصاص المطاطي بل شهدت بعض المدن استعمالًا واضحًا للرصاص الحيّ من قبل قوات الأمن السودانية مما تسبب في سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين

رغما عن ذلك تجلت السلمية التي انتظمت الاحتجاجات في اصطفاف المتظاهرين وجلوسهم على الارض ورفع الايادي للأعلى ومواصلة التصفيق وترديد الهتافات امام افراد من قوات الامن وهم ينظرون. ثم انبرى احد الشباب للحديث مع قوات الامن عن ان احتجاجات الشباب سلمية ولن يتعرضوا لاحد من افراد الامن ولا ممتلكات المواطنين بل انها تعبر عن تذمر وسط المجتمع والشباب خاصة بحق القانون والدستور.

ثم توالت الاحتجاجات وتصاعد سقف المطالب وبرز الى السطح شعار الاحتجاجات السودانية 2018 "تسقط بس" مع الالتزام بالسلمية في التظاهرات الواسعة التي شملت كل المدن السودانية حتى صار شعارها يتردد وسط الاطفال والنساء وعلى الجدران وانتشر وسط المجتمع واصبح الجميع لا يهاب السير في الطرقات التي تنطلق منها الاحتجاجات التي تقابلها القوات الامنية بالهراوات مع التمسك بالسلمية وعدم التعرض بالاعتداء على ممتلكات المواطنين او تخريب للممتلكات العامة وشهد على ذلك البعض من قيادات اجهزة النظام اذ خرج المتظاهرون بمدينة بحري وسط زغاريد النساء داخل الاحياء وقدمنا لهم الطعام والشراب وفتحن البيوت لاستقبال المطاردين من قبل القوات الامنية في موقف مشرف للمرأة السودانية.

في البداية استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين فيما شهدت بعض المناطق استعمالًا للذخيرة الحيّة مما تسبب في وقوعِ عددٍ من الجرحى وسطَ أنباء عن سقوط عددٍ منَ القتلى أيضًا دون بيانات رسمية أو شيء من هذا القبيل. شهدت جامعة الاحفاد للبنات انبل المواقف في القيم والاخلاق والشهامة فبعد تدخل الشرطة لفض احتجاجات طالبات الجامعة تعرضت احدى بائعات الشاي لخسائر ما جعل الطالبات يجمعن (شيرنق) لتعويضها عن ما فقدته من اواني اثناء التظاهر خارج حرم الجامعة، وغيرها من المواقف النبيلة قدمها المتظاهرون لإثبات سلمية الاحتجاجات واسكات الاصوات التي تتحدث عن مخربين ومندسين.

ووسطَ دعوات شبابيّة للانضمام للحراك الشعبي ضدّ النظام الحاكم، انضمّت بعض مدن السودان في اليوم الثاني حيثُ خرج ساكنيها – وقد قُدّر عددهم بالمئات – وسطَ الشوارع للتنديد بما قامت وتقومُ به الحكومة فهي التي أقدمت على زيادة أسعار الخبز ليصل سعر الرغيف من جنيه واحد إلى ثلاثة جنيهات. فقد كان الالتزام جانب السلمية حاضرا من المتظاهرين في التدافع لإنقاذ المصابين من الطرفين حتى وسط قوات الامن واسعاف الجرحى للمشافي القريبة من مناطق التظاهرات رغم سقوط البنبان داخل المنازل واقتحام القوات الامنية لحرمة البيوت.

وشهد مستشفى ام درمان اقتحام من قبل قوات الامن واطلاق الغاز المسيل للدموع داخله مع وجود المرضى داخل العنابر وملاحقة المحتجين داخل حرم المستشفى وسط دعوات الاطباء بعدم التعرض للمرضى الا ان القوات الامنية اعتقلت عدد منهم واطلق سراحهم فيما بعد.

تصاعدت وتيرة الاحتجاجات في ظلّ تعنت السلطات في الاستجابة لمطالب المتظاهرين؛ بل عملت على مواجهتهم وتفريقهم بالقوّة مُستعملة في ذلك مُختلف الأسلحة وبخاصة الهراوي والغاز المسيل للدموع. تركّزت الاحتجاجات هذه المرة في عطبرة، أم درمان وشمال كردفان. حسبَ بعض التقارير الإخباريّة فقد قتلت الشرطة متظاهرًا واحدًا على الأقل في مدينة عطبرة.

في ظل تزايد الاحتجاجات وشموليتها؛ علّقت السلطات الدراسة في كل الجامعات وكذلك مرحلتي الأساس والثانوية بولاية الخرطوم لأجل غير مسمى فيما أعلنت حالة الطوارئ وفرض حظر التجوال من السادسة مساءًا وحتى السادسة صباحًا في بعض الولايات. من جهة أخرى؛ خرجَ مئات الأشخاص في مدينة ربك عاصمة ولاية النيل الأبيض ورددوا شعارات منددة بسياسات الحكومة فيما ردّد آخرون الشعار الشهير الذي برزَ في مطلع العام 2011 إبّان ثورات الربيع العربي: الشعب يريد إسقاط النظام.

ردّت الحكومة على كل هذا من خِلال اعتقالها لعددٍ من قادة المعارضة في أم درمان كما قتلت خمسة أشخاص على الأقل في يومٍ واحد حسب تصريحات مدير جهاز الأمن السوداني صلاح قوش الذي ألقى باللوم على «متمردين تربطهم صلات بإسرائيل» وهي ذات اللومة التي ألقى بها النظام السوري على ثوار مدينة حلب خلال بدايات الثورة.

تواصلت احتجاجات الشعب السوداني المناهضة للحكومة حتى الآن وقد شهدت بعض الاشتباكات حيثُ أطلقت شرطة مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع على متظاهرين مناهضين للحكومة في مدينة أم درمان وفي مدن متفرقة أخرى. تميّزت الاحتجاجات بهتافات من بينِها «حرية، سلام، عدالة» في المُقابل؛ ردّت قوات الأمن من خلال إطلاق النار في الهواء واعتقلت نحو 10 أشخاص.

رفعت العديد من المظاهرات عبارة الشعب يريد إسقاط النظام وكذلك يا «خرطوم ثوري لن يحكمنا لصوص كافوري»

وتبقى الحقيقة الدامغة ان سلمية الاحتجاجات ظلت مستمرة حتى كتابة هذه السطور وبعد اعلان حالة الطوارئ، السلمية التي تنطلق من موروثات الشعب السوداني هي سلاح الاحتجاجات التي انتظمت البلاد تحتم العض عليها بالنواجذ حتى تنتصر الثورة.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )