آلية استعادة الأموال المنهوبة لخزينة الدولة بعد انتصار الثورة (1)

الهادي هباني

من المهام العاجلة ذات الأولوية القصوي للثورة بعد انتصارها الوشيك، والتي من المفترض أن تضعها الحكومة الانتقالية علي رأس أولوياتها، هي استعادة الأموال العامة التي نهبها نظام الإنقاذ خلال الثلاثة عقود الماضية خاصة الأموال التي تم تهريبها للخارج. وعلي الرُغم من عدم وجود رصد دقيق لحجم هذه الأموال حتي الآن إلا أنها بلا أدني شك، أموال طائلة يحتاجها السودان لتساهم في الإصلاح الإقتصادي ولتدعم مسيرة التنمية والارتقاء بحياة المواطنين.

هذا فضلا عن كونها أحد أكبر الجرائم الاقتصادية التي ارتكبها نظام الإنقاذ تحت فريَّة المشروع الحضاري مما يستدعي، كأولوية قصوي، المحاسبة والمحاكمة واعادة كل تلك الأموال لخزينة الدولة، وأن تتضافر كل جهود المتخصصين في هذا المجال للاتفاق علي آلية مُحكَمَة لاستعادة هذه الأموال.

وبما أن الأموال التي نهبتها حكومة الإنقاذ خلال العقود الثلاثة الماضية لا تحصي ولا تعد، وقد شملت تقريبا كل شئ، وباستخدام تبويب مجمل مختصر، يمكن حصر الأموال المنهوبة في، خصخصة وبيع مؤسسات الدولة العامة الإنتاجية والخدمية، تدمير المؤسسات والشركات الوطنية العاملة في القطاعات الإنتاجية والخدمية وبيع أصولها، تدمير المشاريع الزراعية وبيعها، بيع الأراضي والعقارات والمنشئآت المملوكة للشعب في الداخل والخارج، الإستيلاء علي المساعدات الدولية والقروض وتبديدها، نهب ثروات الشعب القومية كالبترول والذهب، نهب ودائع العملاء في البنوك، نهب مدخرات الشعب والبنوك وتبديدها عن طريق سياسة السوق المفتوحة وفقاعة شهادات شهامة وأخواتها، نهب أموال الشعب عن طريق الجبايات والنفرات في الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم، نهب خزينة الدولة عن طريق المخصصات الخاصة والنثريات للرئيس وكبار معاونيه وحكام الولايات ومعاونيهم ...إلخ.

تعتبر هذه الورقة مساهمة تصب في اتجاه تكوين هذه الآلية المُحكَمَة لاستعادة الأموال المنهوبة، يمكن أن تستفيد منها قوي اعلان الحرية والتغيير جنبا إلي جنب مع أي مساهمات أخري في نفس الإطار. وهي آلية تشتمل علي تصورين الأول: عبارة عن معالجة علي المدي القصير تهدف إلي البدء الفوري بعد انتصار الثورة بمباشرة الخطوات العملية لاستعادة الأموال المنهوبة الموجودة داخل السودان وأيضا التي تم تهريبها للخارج. والثاني: عبارة عن معالجات علي المدي الطويل لوضع ضوابط وأسس ومعايير لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب بشكل دائم وهي تشتمل علي الفساد والتعدي علي المال العام علي نحو ما سنبين لاحقا.

 

تقديم

 

تُعد سرقة الأصول والأموال العامة قضية إقتصادية إنمائية بالدرجة الأولي نسبة لآثارها الكارثية علي اقتصاديات الدول، خاصة الدول النامية بما فيها السودان. وعلي الرغم من صعوبة تحديد قيمة الأصول والأموال العامة المنهوبة من البلدان النامية بشكل دقيق إلا أن البنك الدولي يُقَدِّر حجم الأصول والأموال التي يتم نهبها سنويا بما يتراوح بين 1 إلي  1.6تريليون دولار. وينهب حكام الدول النامية وكبار المسئولين في الحكومة وأقاربهم خاصة في الدول ذات الأنظمة الديكتاتورية (مدنية كانت أم عسكرية) لوحدهم ما يتراوح بين 20 إلي 40 مليار دولار سنويا تعادل تقريبا الناتج المحلي الإجمالي السنوي لأفقر 12 دولة في العالم يتجاوز عدد سكانها ال 240 مليون نسمة، وتعادل ما يتراوح نسبته بين 20% إلي 40% من حجم المساعدات الإنمائية الرسمية والقروض الدولية. وتتجلي أضرار نهب الأموال العامة في البلدان النامية في تردي المؤسسات العامة وضعف مناخ الاستثمار، وتردي الخدمات البيئية والصحية والتعليمية، وتدني الرعاية الاجتماعية، وتزايد معدلات الفقر والمرض والهجرة والنزوح (البنك الدولي، 2009، استرداد الأصول المنهوبة، دليل للممارسات الحسنة بشأن مصادرة الأصول دون الاستناد إلى حكم إدانة، ترجمة محمد جمال إمام، مراجعة الشحات منصور، مركز الأهرام للنشر والترجمة والتوزيع، القاهرة، 2011).

وعلي الرغم من أن سرقة الأموال العامة تعتبر قضية اقتصادية بالدرجة الأولي فإن عملية استعادتها، بجانب كونها اقتصادية أيضا، إلا أنها قضية سياسية وسيادية وقانونية بالدرجة الأولي. وبمجرد تحويل الأموال المنهوبة إلى الخارج، تتعقد مسألة استعادتها وتصبح أكثر صعوبة برغم حتمية استعادتها في نهاية المطاف. فالبلدان النامية، خاصة المحكومة منها بأنظمة ديكتاتورية، ومن ضمنها السودان في غالبيتها تفتقد لقوانين مُحكَمَة لمصادرة واستعادة الأموال المنهوبة دون وجود حكم قضائي، وتفتقد للأنظمة والمؤسسات الرقابية المختصة في مراقبة ومتابعة حركة تلك الأموال، وتفتقر مؤسساتها المالية وأجهزتها المصرفية لتعليمات وإجراءات ونظم آلية فعَّالة ومبتكرة لمراقبة وتتبع حركة أموال الحكام وكبار المسئولين السياسيين في أجهزة الدولة وأفراد أسرهم وأقاربهم داخل الجهاز المالي والمصرفي والإبلاغ عنها بشكل يومي من قبل المؤسسات المالية والمصرفية لإدارات الالتزام بتلك المؤسسات والمصارف والتي تقوم بدورها بالإبلاغ عنها للهيئة الرقابية العليا المسئولة عن مراقبة ومحاربة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب داخل هيكل الدولة وداخل هياكل البنوك المركزية لتلك الدول. بل وفي الغالب الأعم يكون هنالك تواطؤ بين كبار المسئولين السياسيين وأقاربهم في تلك الدول مع بعض تلك المؤسسات أو مع بعض كبار العاملين فيها.

وتكمن صعوبة استرداد الأموال المنهوبة المحولة للخارج بالنسبة للدول النامية أيضا في أنها (أي الأموال المنهوبة) تدخل ضمن تصنيفات الأموال غير الشرعية وفقا للنظم المتعارف عليها دوليا في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. فمكافحة غسيل الأموال لم تعد عملية، كما كانت في السابق تختص فقط بالأموال التي يتم الحصول عليها من تجارة المخدرات، والدعارة، وعمليات التهريب، وقرصنة وسائل النقل، وسرقة البنوك والمؤسسات المالية، والتزوير، وتجارة الآثار، وأنشطة عصابات المافيا المختلفة، بل أصبحت تختص أيضا بالأموال التي يتم الحصول عليها من عمليات الغش والتدليس والرشوة والفساد والتعدي علي المال العام. كما أصبحت أيضا لا تقتصر فقط على الأموال التي يتم الحصول عليها من مصادر غير شرعية، فقد تتسع لتشمل أيضا الأموال المكتسبة بصورة شرعية، حيث يسعى مجرم غسيل الأموال في هذه الحالة إلى إعادة تعريف طبيعة الأموال ذاتها بهدف تجنب إخضاعها لبعض النظم القانونية مثل قوانين الرقابة على الصرف الأجنبي أو الرسوم الجمركية أو الضرائب على الدخل. مثال ذلك أرباح الشركات التي يرغب أصحابها في إخفائها عن السلطات الضريبية تجنبا للضرائب، أو ما يعرف بالتهرب الضريبي.

وبما أن عمليات غسيل الأموال تهدف إلى إخفاء المصدر الأساسي للأموال، والبحث عن تغطية قانونية لأصل ما أو لملكية أموال تم الحصول عليها بصورة غير شرعية، بحيث تبدو في نهاية المطاف كأنها أموال تم الحصول عليها من مصادر شرعية، وتصبح بالتالي غير خاضعة لقوانين المصادرة أو غيرها من القوانين التي تحارب إيرادات الأنشطة غير الشرعية في كافة أنحاء العالم. وبما أنها (أي عمليات غسيل الأموال) في جوهرها ومضمونها تعتبر عمليات غِش للسلطات المسئولة عن مكافحة غسيل الأموال، فإن الأفراد العاملين والمؤسسات العاملة في غسيل الأموال توظف أو تتعاون مع أشخاص ذوي مهارات مالية ومصرفية وقانونية عالية جدا، تتوافر لديهم المعرفة الكاملة بالنظم المالية والمصرفية والقانونية في مختلف أنحاء العالم، بل وفي أغلب الأحيان يكون هؤلاء الأشخاص من كبار العاملين بالدولة أو بالقطاع المالي والمصرفي بما في ذلك سلطات وهيئات الرقابة النقدية نفسها. فضلا عن أن عمليات غسيل الأموال في سعيها لإخفاء المصدر الحقيقي (غير الشرعي للأموال) بما فيها الأموال العامة المنهوبة تمر عادة بثلاثة مراحل متعارف عليها، تجعل من ملاحقتها عملية معقدة. وتتمثل هذه المراحل في الآتي:

المرحلة الأولي: مرحلة الإيداع أو ما يصطلح عليه (Placement) وهي المرحلة التي يتم فيها التخلص من الأموال غير الشرعية (بما فيها الأموال العامة المنهوبة) وإيداعها في النظام المالي والمصرفي الشرعي والقانوني في البلد وذلك باستخدام عدة أساليب كشراء السندات والأسهم والصكوك في البلدان التي تقبل شراء هذه الأدوات الاستثمارية نقدا ولا تتبع نظما صارمة للإفصاح عن مصدر الأموال، كما يحدث في السودان في عمليات شراء شهادات شهامة وأخواتها حيث تسمح القوانين بشراء تلك الأدوات من شركة السودان للخدمات المالية أو نوافذ البنك المركزي في العاصمة والأقاليم نقدا دون أدني حاجة للإفصاح عن مصدر هذه الأموال. كما يمكن إيداع هذه الأموال مباشرة في البنوك بالتواطؤ مع بعض العاملين بالبنوك نفسها، أو بشراء العملات الأجنبية، أو عن طريق شراء العقارات والأراضي والمزارع والسيارات الفارهة والبواخر واليخوت والطائرات وغيرها من الأصول الثابتة والسلع المعمرة بأسعار عالية جدا تفوق قيمتها السوقية الحقيقية وبيعها بأسعار متدنية وقبض ثمن البيع باحدي وسائل الدفع المصرفي القانونية المتعارف عليها كالشيك أو التحويل المصرفي أو الاعتماد المستندي أو خطاب الضمان ...إلخ. وتعتبر هذه المرحلة من أصعب مراحل غسيل الأموال بالنسبة لمجرمي غسيل الأموال فردا كان أو مؤسسة وذلك لأنها في العادة تكون كمية مهولة من النقود السائلة. وبالتالي فإن عملية إيداعها في النظام المالي والمصرفي أمر يمكن اكتشافه، لذلك فإن مجرمي غسيل الأموال يستعينون بشخصيات متنفذة جدا تُصبِح غطاءا لعملياتهم الفاسدة في هذه المرحلة وأيضا في المراحل التي تليها. بل وفي كثير من الأحيان يستخدمون حاجة البعض من الطبقات الوسطي والفقيرة لمساعدتهم علي ايداع هذه الأموال في حساباتهم الشخصية ولكن بمبالغ صغيرة يصعب ملاحظتها ولكنها متكررة، ومن ثم إعادة تحويلها فيما بعد في المرحلة الثانية من مراحل غسيل الأموال لحسابات يحددها لهم مجرمي غسيل الأموال أنفسهم.

المرحلة الثانية: مرحلة التمويه أو ما يصطلح عليه (Layering) وهي المرحلة التي يتم فيها فصل هذه الأموال الفاسدة عن مصدرها غير الشرعي حيث يقوم مجرم غسيل الأموال باجراء عمليات مصرفية مشروعة معقدة جدا ومختلفة من حسابه في البنك لكي يجعل من عملية متابعة مصدر هذه الأموال عملية غاية في التعقيد وذلك عن طريق إجراء عمليات تحويل متكررة لتلك الأموال من حساب بنكي إلي حساب بنكي آخر في نفس البلد أو خارجه، وأيضا بإجراء التحويلات الألكترونية في البلدان التي تسمح أنظمتها بذلك عبر الانترنت أو الهاتف المصرفي أوغيرها من الوسائل الألكترونية المتطورة. وعادة ما يتم تحويل هذه الأموال لحسابات في دول تتميز قوانينها بالتشدد في سرية الحسابات، وبسهولة التحويلات وسهولة شراء العقارات وتأسيس الشركات كجزر الكايمن وماليزيا والإمارات وإندونيسيا علي سبيل المثال لا الحصر.

المرحلة الثالثة: مرحلة الدمج أو ما يصطلح عليه (Integration) وهي المرحلة الأخيرة في عملية غسيل الأموال والتي يتم فيها دمج الأموال الفاسدة تماما في النظام المالي والمصرفي وتصبح بالتالي وكأنها أموال شرعية حيث يتم دمجها في الدورة الأقتصادية من خلال النظام المالي والمصرفى القانوني حتي تبدو مصادرها وكأنها مصادر شرعية وإيرادات طبيعية لصفقات تجارية، وذلك بعقد مجموعة من العمليات التجارية في الداخل والخارج باستخدام الحسابات المصرفية المودعة فيها هذه الأموال كفتح اعتمادات مستندية أو إصدار خطابات ضمان أو تحويلات مصرفية لاستيراد سلع من شركات يمتلكها مجرمي غسيل الأموال في الخارج بأسمائهم أو بأسماء أقاربهم أو أصدقائهم أو شركائهم من مافيا غسيل الأموال سواء من جنسيات بلدانهم أو من جنسيات أخري، وكذلك تقديم هذه الأموال كضمانات سائلة للبنوك مقابل الحصول علي تمويلات تجارية أو عقارية أو تمويل عمليات استيراد ...إلخ. وعادة ما يصعب خلال هذه المرحلة الفرز بين الأموال المغسولة والأموال الشرعية إلا من خلال منظومة محكمة من البحث والتحري الدقيق المعقد بتضافر جهود عدد من الأجهزة المالية والمصرفية والرقابية والمخابراتية والأمنية والقانونية والدبلوماسية.

وتتحول الأموال العامة المنهوبة المهربة للخارج في هذه المرحلة إلي أصول مختلفة كأصول نقدية في شكل ودائع واستثمارات سائلة في بنوك خارجية، أو في شكل أسهم وحصص في شركات وبنوك ومؤسسات تجارية وصناعية وخدمية وغيرها في الخارج، أو في شكل عقارات ومنتجعات وفنادق في الخارج، أو في شكل سفن ويخوت وسيارات فارهة وسلع ومعادن نفيسة وغيرها من الأصول. وعادة ما تكون هذه الأصول النقدية أو العينية مسجلة بأسماء غير أسماء مجرمي نهب الأموال العامة من الحكام وكبار السياسيين وأقربائهم وأصدقائهم وحلفائهم في الخارج مما يجعل عملية استعادتها مسألة معقدة من الناحية القانونية علي نحو ما سنبين لاحقا في هذه الورقة ولكنها بلا شك ليست مستحيلة.