آلية استعادة الأموال المنهوبة لخزينة الدولة بعد انتصار الثورة (3)

المعالجات علي المدي القصير

آليات ملاحقة واستعادة الأموال المنهوبة

الهادي هباني

هنالك آليات متعارف عليها علي نطاق واسع في ملاحقة واستعادة الأموال المنهوبة في الداخل والخارج. تختلف هذه الآليات باختلاف أماكن تواجد هذه الأموال. وفي حالة السودان هنالك أموال منهوبة لا زالت موجودة في الداخل في شكل أموال نقدية في البنوك كودائع، ولكن في ظل ظروف أزمة السيولة التي بدأت منذ عام تقريبا وبعد انطلاق الثورة الشعبية في ديسمبر 2018م غالبا ما تكون هذه الأموال النقدية قد خرجت من البنوك وتم تحويل جزء كبير منها لعملات أجنبية وتخزينها في منازل مجرمي الأموال العامة من رئيس وأقارب ووزراء وكبار مسئولين وتجار ورجال أعمال مرتبطين بالمؤتمر الوطني وبالحكومة وكذلك حكام الولايات وكبار مسئوليهم، أو في مخابئ أخري يعلمونها.

أو أن تكون موجودة في شكل أصول نقدية كأسهم وصكوك إسلامية وشهادات استثمار، أو في شكل سلع ومعادن نفيسة كالذهب والمجوهرات، أو في شكل أصول عينية كالعقارات والمجمعات السكنية الخاصة والفنادق والأراضي والمزارع والمنشآت الخدمية كالمستشفيات الخاصة والمدارس والجامعات الخاصة والمؤسسات الترفيهية الخاصة وغيرها، أو في شكل مشاريع صناعية أو زراعية أو تجارية ... إلخ. هذه الأصول يتم التعامل معها بآلية مختلفة عن الآلية الخاصة باستعادة الأموال التي تم تهريبها للخارج. وفيما يلي نتناول كيفية تطبيق الآلييتين:

أولا: آلية استعادة الأموال المنهوبة والموجودة بالداخل:

  1. هذه الآلية في تقدير الكاتب، أصلا موجودة وتتمثل في استخدام وتفعيل قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2014م والذي ألغى قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2010م مع الإبقاء على جميع اللَّوائح والإجراءات والقرارات الصادرة بموجبه سارية إلى أن تُلغى أو تُعدل بموجب أحكام هذا القانون. علي أن يتم العمل علي تطويره وتعديله فيما بعد لأنه قانون تنقصه العديد من الجوانب الهامة جدا التي تتفق مع الأعراف والمعايير الدولية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وبما أن سرقة الأموال العامة تدخل ضمن نشاط غسيل الأموال كما شرحنا في صدر هذه الورقة، وكما تنص عليه أيضا مواثيق مجموعة العمل المالية (The Financial Action Task Force (FATF) التي أصدرت 40 توصية عام 2012م التزمت بها حتي آخر تحديث للتوصيات في أكتوبر 2018م 180 دولة من دول العالم بما فيها السودان. وتحدد هذه التوصيات المعايير التي يجب أن تلتزم بها الدول الأعضاء في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وبالتالي تسهل عملية ملاحقة واستعادة الأموال المنهوبة والتي لا زالت موجودة داخل السودان بموجب هذا القانون.
  2. تنص المادة 21 من القانون المشار إليه أعلاه في فصله الخامس علي تكوين اللَّجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويـــل الإرهاب ويحدد مقرها وعضويتها المكونة من 17 عضوا هم وكيل وزارة العدل رئيساً، نائب المحافظ نائبا للرئيس، وعضوية كل من وكيل وزارة المالية والاقتصاد الوطنى، وكيل وزارة التجارة الخارجية، وكيل وزارة الخارجية، الأمين العام للجهاز القومي للاستثمار، مدير الإدارة العامة للمباحث الجنائية، مدير إدارة الشرطة الدولية والإقليمية (الإنتربول)، مدير الإدارة العامة لشرطة الجمارك، المدعي العام عضواَ، مدير شرطة السياحة، الأمين العام لديوان الضرائب، رئيس دائرة الأمن الاقتصادي، مدير عام المركز القومي للمعلومات، مدير سوق الخرطوم للأوراق المالية، مدير عام هيئة الرقابة على التأمين، المدير العام للوحدة عضواً ومقرراً. وتعتبر هي السلطة العليا في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وكل ما تحتاجه الحكومة الانتقالية هو إعادة تشكيل عضوية اللجنة وتقليصها حيث أنها تشتمل علي وزارات وأجهزة لا لزوم لها.
  3. تنص المادة 12 من القانون في فصله الرابع علي تكوين (وحدة المعلومات المالية)، ويَمنح محافظ البنك المركزي صلاحية تشكيل الوحدة، من مدير عام يعينه المحافظ بناءاً على توصية من اللَّجنة الوطنية، وعدد من العاملين يتم تعيينهم بقرار من اللَّجنة الوطنية بناءاً على توصية المدير العام للوحدة .ومن بين صلاحياتها التي يعطيها لها القانون فإن وحدة المعلومات المالية لها صلاحية أن تطلب من المدعى العام إصدار أمراً فورياً بتجميد الأموال محل الاشتباه، ويجوز له أن يأمر بتجميد الأموال لمدة لا تزيد عن أسبوعين وأن يطلب من المحكمة المختصة مد الفترة لأكثر من أسبوعين لمواصلة الإجراءات. ويقصد بالتجميد وفقا للقانون نفسه، التحفظ مؤقتاً على الأموال وحظر نقلها أو تحويلها أو التصرف فيها أو تحريكها استنادا إلى أمر صادر من المدعى العام أو قرار قضائي، أو من الوحدة مع جواز ترك إدارتها للمؤسسة المالية أو الجهة التي كانت تديرها قبل صدور قرار التجميد، وذلك بالطبع حتي يتم صدور الحكم القضائي. وبما أن معايير مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب تتطلب أن يُبَتُ فيها من قِبَل الهيئات القضائية خلال وقت سريع، فإن القانون المشار إليه ينص أيضا علي سرعة البت في قضايا جرائم غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وكلما ما يمكن أن تفعله الحكومة الانتقالية هو إعادة تشكيل وحدة المعلومات المالية وفق معايير تتفق مع المعايير الدولية المتعارف عليها والتي تقوم بمباشرة مهامها لتجميع ورصد حالات الاشتباه وتقديمها للمحاكم المختصة.
  4. كما يعطي القانون في المادة رقم 39 من الفصل الثامن، المحكمة في حالة الإدانة بإحدى جرائم غسيل الأموال وتمويل الإرهاب أن تأمر بمصادرة الأموال موضوع جريمة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والمتحصلات بما في ذلك الأموال المختلطة بها أو المتأتية منها أو المستبدلة بها، والدخل والمنافع الأخرى المتأتية من المتحصلات، بالإضافة للأدوات.
  5. خلال فترة ملاحقة مجرمي سرقة المال العام أو خلال فترة محاكمتهم قد يتقدم بعضهم بطلبات للتسوية الودية لإرجاع الأموال العامة التي نهبوها إلي خزينة الدولة من تلقاء أنفسهم. فمثل هذه الطلبات يمكن قبولها والتعامل معها وفقا للأعراف والقواعد التي تقوم عليها قوانين مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وهنالك كثير من القوانين للكثير من الدول الملتزمة بتوصيات مجموعة العمل المالية (FATF) تنص علي قبول مثل هذه التسويات ولكنها تربطها بضرورة تعاون المتهم مع السلطات المختصة للإرشاد عن جرائم أخري شريطة أن يترتب علي هذا الإرشاد القبض علي الجناة واستعادة الأموال، بل وأن بعض هذه القوانين تُعفي مرتكب جريمة غسل الأموال أو تمويل الإرهاب من عقوبتي السجن والغرامة المنصوص عليهما في هذه القوانين، إذا بادر بإبلاغ الجهات المختصة بأي معلومات عن الجريمة وعن الأشخاص المشتركين فيها، وذلك قبل علمها بها، وأدي ذلك إلي ضبط باقي الجناة أو الوسائط ومتحصلات الجريمة كقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (4) لسنة 2010م الخاص بدولة قطر. إلا أن قانون السودان لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2014م المشار إليه سابقا لم يتضمن مادة صريحة تسمح بالتعامل مع طلبات التسوية أو إمكانية الإعفاء عن المدانين في حالة تعاونهم مع السلطات بالإرشاد عن جرائم أخري. وبما أنه من المفيد في مثل هذه الحالات التي يتقدم فيها المتهم بمشروع للتسوية الودية إيجاد مخرج قانوني للتعامل معها، كأن يتم النظر فيها بموجب قانون آخر غير قانون مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب أو تحويلها لمحكمة اختصاص أخري. وذلك لأن الهدف الأساسي من ملاحقة مجرمي المال العام هو استعادة الأموال العامة المنهوبة وأن البلاد تحتاج هذه الأموال لإعادتها للشعب وتوظيفها في التنمية وفي ترقية حياة الناس علي المستوي المعيشي والصحي والتعليمي والبيئي والاجتماعي وغيرها. بالإضافة إلي أن التسوية هي أقصر الطرق وأسهلها وأقلها تكلفة لاستعادة الأموال المنهوبة ولكن من الضروري أن تُحدد سقوف لهذه التسويات وتوضع لها ضوابط وأسس لا يحيد عنها أحد بحيث تضمن استعادة كل الأموال المنهوبة غير منقوصة، وأن يقوم المتهم الذي يتم إجراء تسوية معه بمساعدة السلطات المختصة في الإرشاد والمساعدة وتقديم المعلومات والبيانات والأدلة الدامغة لأموال أخري نهبها آخرون من مجرمي نظام الإنقاذ الفاسد وتكون المحصلة النهائيةة لهذا الإرشاد هو استعادة الأموال.