آلية استعادة الأموال المنهوبة لخزينة الدولة بعد انتصار الثورة (5)

المعالجات علي المدي الطويل

الهادي هباني

تهدف هذه المعالجات إلي تأسيس منظومة مُحكَمة ذات كفاءة عالية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب بما فيها الفساد والتعدي علي المال العام، تقوم علي أسس متينة تتفق مع الأسس والمعايير الدولية، خاصة وأن السودان من الدول المنضوية والمتعاونة مع مجموعة العمل المالية (FATF) والمتعهدة بتطبيق التوصيات الأربعين الصادرة عنها. وعلي الرغُم من أن السودان قد خطي الخطوات الرئيسية المطلوبة في توصيات مجموعة العمل المالية حيث أجاز قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لعام 2014م، وقام بموجبه بتشكيل اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ووحدة المعلومات المالية. وقد قام البنك المركزي، قطاع المؤسسات المالية والنظم، بإلزام كافة المصارف بتعيين مديرا للإلتزام بموجب منشور رقم 1/2015 الصادر بتاريخ 15/06/2015م بعنوان متطلبات عمل مدير الالتزام بالمصارف، معنون لكل المصارف العاملة، حدد فيه متطلبات عمل مدير الإلتزام ومؤهلاته، والمهام التي يقوم بها، واشترط أن يكون تابعا لمجلس إدارة البنك ويقدم تقاريره له، وكذلك أصدر دليل الرقابة علي التزام البنوك بنظام مكافحة غسل الأموال.

ولكن برغم هذه الخطوات إلا أن الفساد، وعمليات التعدي علي المال العام، واستغلال ودائع العملاء في البنوك العاملة، وتزايد عمليات التهريب لثروات البلاد القومية وغيرها من جرائم غسيل الأموال لا تزال مستمرة وفي حالة تزايد. فضلا عن أن هذه الخطوات التي قامت بها الدولة وهذا التعاون مع مجموعة العمل المالية (FATF) لا يبدو أن الهدف منه هو المكافحة الحقيقية لغسل الأموال وتمويل الإرهاب وإنما مجرد حبر علي ورق وديكور الهدف الأساسي منه التغطية علي جرائم النظام المالية، وإلغاء العقوبات الإقتصادية المفروضة علي السودان والخروج من قائمة الدول الراعية للأرهاب. ولكن للأسف فقد رفعت العقوبات الإقتصادية في اكتوبر 2017م، وقامت مجموعة العمل المالية (FATF) في اجتماعها المنعقد بباريس في أكتوبر 2015م بشطب السودان من قائمة الدول التي تعاني قصورا في إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ولكن لا يزال السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب. فالإجراءات التي تم اتخاذها من قبل البنك المركزي لا تكفي لوحدها لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في ظل إنعدام إرادة حقيقية للمكافحة، وفي وضع أصبح فيه مجرمي غسيل الأموال والفساد هم المتحكمون في أجهزة الدولة التي من المفترض أن تُدير وتُشرف علي هذا الملف، وهم متحكمون أيضا في القطاع المالي والمصرفي الذي من المفترض أن يُراقِب ويرصد حالات الإشتباه في غسيل الأموال التي تتم بشكل يومي داخل البنوك والمؤسسات المالية ولا تقوي إدارات البنوك علي الإفصاح عنها وتصعيدها بل وتتستر عليها. وبالتالي من الطبيعي أن تتزايد عمليات غسل الأموال وينمو نشاطها إذا كان الحامي للبلاد هو حراميها، وإذا كان الحكم هو الجلاد. ففي تقرير منظمة الشفافية العالمية للعام 2017م الصادر عام 2018م احتل السودان كعادته، المركز الرابع (مشترك) مع اليمن للدول الأكثر فسادا في العالم بعد الصومال وجنوب السودان وسوريا.

 وبالتالي فإن الضمان الوحيد لمحاربة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب بشكل دائم في السودان هو تأسيس منظومة وأجهزة مستدامة متطورة وفعَّالة تقوم علي الأسس والمعايير الدولية تتضافر فيها جهود كل الأجهزة الحكومية ذات العلاقة بعملية مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب لتضمن تجفيف منابع هذا النشاط الهدَّام وتكون قادرة علي مراقبته ورصده في مراحله الأولي، وفي نفس الوقت تكون قادرة علي تأسيس علاقات قضائية دولية تقوم علي معرفة غير منقوصة بكافة القوانين والمواثيق والدولية والاتفاقيات الدولية والإقليمية متعددة الأطراف، وعلي التعاون مع كل هذه الأطراف لمحاربة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وخاصة نهب وتهريب الأموال العامة. فبنفس القدر الذي تمكنت فيه سلطة الإنقاذ من سرقة وتهريب أموال الشعب وخيراته للخارج فهي قد جعلت أيضا السودان ملاذاً آمناً لمجرمي غسيل الأموال وتمويل الإرهاب في دول الجوار وفي العديد من دول العالم الذين نهبوا أموال شعوبهم وحولوها للسودان. وبالتالي يقع علي عاتق السودان أن يضرب مثالا في التعاون الدولي لمساعدة تلك الشعوب علي استعادة أموالها الموجودة في السودان ومحاكمة المجرمين الذين شاركوا في مثل هذه الجرائم وكانوا غطاءا لها. ويمكن أن يقوم بناء هذه المنظومة المستدامة علي محورين:

المحور الأول

أن تظل الهيئة الوطنية للتعاون القضائي الدولي في المجال الجنائي المقترحة سابقا في المعالجات قصيرة المدي قائمة بشكل دائم  وتكون مهمتها إدارة ملف التعاون القضائي الدولي في مجال إستعادة الأموال المهربة للخارج وفي نفس الوقت التعاون مع حكومات البلدان الأخري في ملاحقة الأموال العامة المهربة للسودان والعمل علي إرجاعها لدول منشأ هذه الأموال، وهذا بجانب كونه واجب تفرضه المعايير المهنية والقانونية والسياسية الدولية، فهو أيضا يساعد السودان أيضا علي استعادة أمواله المهربة للخارج استنادا لهذا التعاون المشترك. ولضمان كفاءة هذه الهيئة يجب أن يتم تشكيلها من خبراء في القانون والتعاون الدولي وأن تشتمل عضويتها أيضا علي ممثلين ذوي خبرة يتم اختيارهم بعناية لكل من وزارات الخارجية، العدل، الداخلية، المالية، البنك المركزي، النيابة العامة أو المحكمة العليا، وممثّل للأمن الإقتصادي. كما يجب أن يتم توظيف عدد من الشباب (من الجنسين) من ذوي الكفاءات والمؤهلات العلمية بهدف رفع كفاءتها وضمان الاستمرارية وتوارث الخبرات والمعارف في هذا المجال. أما تبعيتها فمن الممكن أن تكون تابعة للجنة الوطنية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب المذكورة سابقا.

المحور الثاني

وهو المحور الذي يضمن تجفيف هذا النشاط المجرم الهدَّام لأنه يقوم علي أساس العمل اليومي وفق نظام متماسك لحوكمة ومراقبة القطاع المالي والمصرفي وكافة الكيانات عالية المخاطر التي شملتها توصيات مجموعة العمل المالية (FATF). وكما قلنا سابقا في هذه الورقة أن السودان قد خطي الخطوات الرئيسية المطلوبة في توصيات مجموعة العمل المالية (FATF). وعلي الرغم من أنها كانت مجرد خطوات شكلية ومجرد ديكور بهدف خداع المجتمع الدولي والتغطية علي جرائم الإنقاذ إلا أنها خطوات يمكن تعديلها وتطويرها وترجمتها بالفعل علي أرض الواقع. وتتمثل هذه الخطوات في:

أولا: صدور قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2014م. وهو قانون يحتاج فقط للتعديل والتطوير ومناقشة مسودته علي نطاق واسع من خلال مؤتمر خاص بهذا الشأن تمهيدا لعرضه وإجازته من قبل السلطة التشريعية التي تفرضها قوي الثورة.

ثانيا: إعادة تشكيل اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بحيث تضم عضويتها جميع الوزارات والمؤسسات السيادية التي لها علاقة مباشرة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

ثالثا: إعادة تشكيل وحدة المعلومات المالية وتحديد مهامها وصلاحياتها وفقا لقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وعلي الأسس والمعايير والموجهات والمطلوبات العامة المحددة في التوصيات الأربعين لمجموعة العمل المالية (FATF).

رابعا: إلزام القطاع المالي بكافة عناصره بنوك، شركات تمويل، شركات استثمار، صرافات، شركات تأمين، سوق مالية ليس فقط بتعيين مدير التزام بل إنشاء إدارات متكاملة للالتزام وفقا للمعايير المهنية المتعارف عليها وتزويد هذه الإدارات بأنظمة آلية متطورة للمراقبة والرصد والإدارة والإبلاغ عن كافة حالات الاشتباه وفقا للتعليمات الصادرة من البنك المركزي ومن وحدة المعلومات المالية ومجازة من قبل اللجنة الوطنية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. هذا بجانب إلزام كل هذه المؤسسات ببرامج تدريبية الزامية لكل العاملين بها في مجال مفاهيم وأسس وطرق أكتشاف حالات الاشتباه وكيفية الابلاغ عنها بحيث لا يقل عدد هذه الدورات التدريبية عن ستة دورات سنويا، بالإضافة للبرامج والمواد التثقيفية في مجال غسل الأموال وتمويل الإرهاب التي تقدمها إدارات الالتزام باستمرار لكافة العاملين بهذه المؤسسات. بجانب الزامها بأن تحتفظ بكافة التعليمات الارشادية الخاصة بغسيل الأموال وتمويل الإرهاب بما في ذلك توصيات مجموعة العمل المالية (FATF) في ملف عام علي نظامها الآلي متاح لكل موظف عامل بهاء مهما كانت درجته الوظيفية علي سطح جهاز الكمبيوتر الخاص به. بل وأن تضع مقاييس للأداء الوظيفي في مجال الالتزام بضوابط وتعليمات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وطرق الابلاغ عنها وأن يتم تضمين هذه المقاييس ضمن مقاييس بطاقة الأداء المتوازن لتقييم الموظفين نهاية العام.

خامسا: لا نود هنا الخوض في شرح تفاصيل التوصيات الأربعين لمجموعة العمل المالية (FATF) فهي موجودة علي موقع البنك المركزي ومتوافرة لدي البنوك وبعض المؤسسات المالية، وأيضا علي موقع مجموعة العمل المالية. ولكن من المهم جدا التطرق لبعض هذه التوصيات التي نري أنها ذات أولوية أخري حيث أن عدم الالتزام بها يشكل مخاطر عالية جدا علي السودان. هذه التوصيات هي:

  • التوصية رقم 12: وتختص هذه التوصية بالأشخاص السياسيين الذين يشكلون مخاطر عالية في عملية مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وهم الأشخاص الموكل إليهم أو أحد أفراد أسرهم أو أحد شركائهم المقربين إليهم وظائف عليا عامة في الدولة. ومن ضمنهم رؤساء الدول، رؤساء الحكومات المركزية أو الإقليمية، الوزراء ونوابهم أو مساعديهم في الحكومة المركزية أو الحكومات الإقليمية، نواب المجالس التشريعية المركزية والإقليمية، كبار السياسيين، كبار المسئولين في الأحزاب السياسية، المسئولون القضائيون، أعضاء مجالس إدارة البنك المركزي، السفراء والقائمون بالأعمال الدبلوماسية والقنصلية، ضباط الرتب العليا في القوات المسلحة والشرطة والأمن والجمارك وكافة القوات النظامية، كبار المديرين التنفيذيين والمدراء الماليين في المؤسسات المملوكة للدولة، أعضاء مجالس إدارات البنوك، كبار التنفيذيين في كل القطاع المالي والمصرفي. وتصنفهم هذه التوصية بأنهم يشكلون مخاطر عالية لأنه من الممكن أن يستغلوا مناصبهم والحصانات التي يتمتع بها بعضهم في ممارسة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب أو بالتغطية عليه. علما بأن كل عمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب في العالم تتم بتغطية من أحد أو بعض الذين يحتلون هذه المناصب. ولذلك فإن التوصية نصَّت علي ضرورة مراقبة حساباتهم المصرفية في الداخل والخارج مراقبة لصيقة جدا والإبلاغ عن أي حركة مشبوهة في حساباتهم لوحدة المعلومات المالية، وعن حجم التمويلات المصرفية الممنوحة لهم من قبل البنوك والمؤسسات المالية، بالإضافة إلي الالتزام بإجراء ما يعرف ب (الفحص الدولي World Check) في حالة تقدمهم للحصول علي أي تمويل من البنوك والمؤسسات المالية أو تنفيذ أي خدمة مصرفية للتأكد من أنهم غير مدرجين في قوائم مجموعة العمل المالية، وغيرها من القوائم المعتمدة لدي الأمم المتحدة. بل ومن الضروري جدا أن تلزم وحدة المعلومات المالية كافة البنوك والمؤسسات المالية بالاشتراك الإجباري الدائم في موقع (الفحص الدولي World Check) باعتباره أهم المواقع التي تزود المصارف والمؤسسات المالية في العالم بأحدث المعلومات عن قوائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لأنه موقع مربوط ربط مباشر بقوائم الأمم المتحدة، مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، مجموعة العمل المالي، الملاذ الضريبي، الاتحاد الأوروبي، الدول الراعية للارهاب، ولايات بها قصور استراتيجي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ولايات متعلقة بغسل الأموال، قانون الوطنية الأمريكية القسم 311، مركز الولاية المالية الخارجية.
  • التوصية رقم 22: وهي توصية تختص بالأعمال والمهن غير المالية المحددة والتي تصنَّف أيضا ذات مخاطر عالية. وتشتمل علي المنظمات غير الهادفة للربح كالجمعيات الخيرية، المنظمات غير الحكومية وغيرها، محلات الفن والأنتيكات، محلات الذهب والمجوهرات، شركات الاستيراد والتصدير، شركات التخليص الجمركي والشحن، شركات السياحة والسفر، شركات الوساطة والسمسرة، الشركات التي تتعامل بالنقد، شركات الأراضي والعقارات وغيرها. وبالتالي يجب مراقبة حساباتها باستمرار، ومراقبة حركة سقوفها الائتمانية في البنوك، وإجراء الفحص الدولي لها مع أي طلب تمويل جديد أو مع أي خدمة مصرفية، والإبلاغ عن حالات الاشتباه لوحدة المعلومات المالية للبحث والتحري. وتنبع أهمية هذه التوصية في أن السودان لا يفرض أي رقابة علي حركة حسابات هذه الأعمال وخاصة محلات الذهب والمجوهرات والتي تتعامل بمبالغ نقدية كبيرة ولا توجد تعليمات خاصة بها وبالتالي فإنها من أفضل المنافذ التي يستغلها مجرمي غسيل الأموال وتمويل الإرهاب في إيداع أموالهم الفاسدة في النظام المالي والمصرفي، الأمر الذي يتطلب وضع ضوابط وتعليمات خاصة بها تصدر عن البنك المركزي لضمان الإفصاح عن مصدر أي أموال يتم تداولها في هذه المحلات، ويضمن وجود نظام خاص للإبلاغ عن العمليات المشبوهة. تجار وسماسرة الأراضي والعقارات أيضا لا توجد تعليمات خاصة بهم أو نظام يضمن الإفصاح عن مصادر الأموال والإبلاغ عن الحالات المشبوهة. ونسبة لصعوبة وضع هذه التعليمات أو الضوابط مباشرة للتجار أنفسهم، فبالضرورة أن تصدر هذه التعليمات والضوابط للجهة الحكومية المسئولة عن توثيق وتسجيل الأراضي والعقارات ويتم التعامل معها ضمن منظومة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. هذا باعتبار أن الأراضي والعقارات هي أيضا منفذ خصب لهذا لمجرمي غسيل الأموال لإيداع أموالهم القذرة في القطاع المالي والمصرفي خاصة وأنه سوق يتم فيه التعامل بمبالغ كبيرة. ولعل التفسير الوحيد المنطقي لارتفاع أسعار الأراضي والعقارات في السودان بمستويات تفوق نظيرتها في مانهاتن أو لندن أو طوكيو، هو نشاط مجرمي غسيل الأموال وتمويل الإرهاب المكثف في هذه السوق التي لا يوجد فيها أدني ضوابط للإفصاح عن مصادر الأموال.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )