ماذا سيحدث غداً يا تولستوي؟

عبدالرزاق دحنون

(يلقي مجنون حجراً في بئر فيعجز أربعون حكيماً عن إخراجه)

مثل أرمني

  يطرح الكاتب الفرنسي فرانسوا جاكوب الحائز على جائزة نوبل في الطب وعضو الأكاديمية الفرنسية، في كتابه «الفأر والذبابة والإنسان» سؤالاً يدور على ألسنة كثير من الناس العاديين، ماذا سيحدث غداً؟ ولماذا يحدث بهذا الشكل؟ حيث إن مخيّلة المرء لا تتوقف أبداً عن استعراض الصورة المتجددة دوماً لما سوف يحدث، إن ما نتنبأ به أو نتوقعه اليوم لا يتحقق، والنفس البشرية ديدنها التنبؤ بما هو آت، فلماذا الأمور عصيَّة على التوقع، حتى و إن بدت بعد ذلك قابلة للفهم؟

 1

تناول الأديب الروسي ليف تولستوي هذه الحالة  وحلًّلها  في الفصل الأخير من ملحمته الخالدة «الحرب والسلام». فليس هناك، بالنسبة لتولستوي، أي توافق بين الأحداث وما يريده بنو البشر،  بين مسار المعارك في الحملة على روسيا وجهود قائدي تلك الحرب ، نابليون و كوتوزوف. المثال الساطع على انعدام التوافق ذاك منحته لنا معركة «بورودينو» فلا الفرنسيون ولا الروس يمتلكون أدنى مبرر لخوضها ونتيجتها كانت بالنسبة للروس خطوة إلى الوراء باتجاه فقدان جيشهم، وهو الأمر الذي كانوا يخشونه أكثر من غيره. وكانت  كذلك خطوة إلى الوراء نحو خسارة الفرنسيين لجيشهم وهو أكثر ما كان الفرنسيون يخشونه. والحال هذه، فقبل بداية المعارك بوقت طويل، لم  تكن تلك النتيجة تُثير أدنى ريبة أو شك، ولكن ذلك ما كان ليمنع نابليون من الزج بجيشه في أتون تلك المعركة، ولا كوتوزوف من قبول خوض غمارها. لقد حاول كوتوزوف مطولاً أن يتصور ويتمثل في ذهنه قدرات نابليون على المناورة. فقد تصور أن يستجمع جيشه ويركزه في حيز معلوم منعاً للتصدع، أو أن يقوم بنشره على قطاعات أو ألوية لتفادي تطويقه. استحضر تجاربَ سابقة، وأمعن في التفكير وتصور حلولاً عديدة. ولكن الأمر الوحيد الذي ما كان يتوقعه هو الذي حصل بالضبط، إنه حالة الكرّ والفرّ غير المعقولة  والمتشنجة التي استبدَّت بجيش نابليون. 

 
2

عن ذلك يقول تولستوي في روايته تلك: «ما كان لأحد أن يتوقع ما يبدو لنا اليوم  أمراً بديهياً، انهار جيش قوامه ثمانمائة ألف جندي، هو الأفضل في العالم، يقوده أحسن القادة في مواجهة جيش أضعف منه مرتين،  بلا تجربة ميدانية، يقوده جنرالات بلا خبرات تذكر. إنه ليس فقط أمراً ما كان لأحد أن يتوقعه قط إلا أنه وبينما كان الجانب الروسي يُجهد نفسه، كما لو أن ذلك كان يمتعه،  في التخلص من الإجراءات التي كان بإمكانها أن تُنقذ روسيا، كان الفرنسيون في الجانب الآخر، على الرغم من عبقرية نابليون العسكرية المزعومة، يبذلون قصارى  جهودهم للوصول إلى موسكو مع نهاية الصيف، أي بعبارة أخرى القيام بما سوف يتسبب في ضياعهم التام». وهكذا، يواصل تولستوي قائلاً: إن قادة الحرب يعتقدون أنه بإمكانهم التنبؤ بمجرى الأحداث، واتخاذ القرارات القيادية والتحكم في مسار الأمور، وفي الحقيقة فالأمر برمته قد يتعلق بعمل يقوم به عرضاً أحد المتنفذين، أو الإتيان بحركات عفوية تقوّم جيوشاً بأكملها أو تتسبب بكل ارتجالية في انكسارها. إن أي قائد عسكري أو أي رئيس يجد نفسه دوماً وسط سلسلة متتالية ومتصاعدة من الظروف وبذلك يكتمل الحدث ويأخذ معناه شيئاً فشيئاً.  

3

وتأكيداً لهذه الفكرة  يحكي تولستوي في سياق رواية لم تكتمل  عن زمن بطرس الأول يقول  " لم يكن ذلك حقيقة , بل هو القدر . ويد القدر جليَّة في ما ارتكبت. يد القدر, لمعرفتها علامة أكيدة : يد القدر ترسمها حشود لا تفكر على طريقتها. إنها تتدفق إلى إحدى كفتي الميزان بالألوف, بأعداد لا تُحصى, وما الذي يدفعها؟ إنها لا تعرف. لا أحد يعرف. ولكن هذه القوة هي التي تقلب  الحكومات وتُغير مجرى التاريخ".

من المؤكد أن  الأحداث المعاصرة,  تختلف عن تلك التي صارت  تاريخاً، في أننا لا نعرف النتائج التي ستسفر عنها، بينما الأحداث التاريخية نستطيع أن نقيّم مغزاها وندرسها  ونتتبع آثار العواقب التي جلبتها في أعقابها، وأيضاً نتعلم منها ونزداد حكمة ومعرفة. وسيكون الأمر مختلفاً لو أننا أُعطينا فرصة أن نعيش مرة ثانية الأحداث التاريخية نفسها. فهل نتصرف بالطريقة ذاتها لو عشنا الأحداث الماضية  من جديد؟ يُجيب القائد السياسي: نعم  كنتُ أخطو الخطوات  ذاتها، وأسير في الدرب نفسه الذي سلكته. ولكن أليس من الغباء أن نكرر السير في الطريق ذاته -بعد معرفة شعابه-ونقع في الحفرة نفسها مرتين؟  والظاهر أن من حسن حظنا، على الأرجح، أننا لا نستطيع قط أن تكون لنا هذه التجربة التاريخية الفذّة. و التاريخ، حسب كارل ماركس ، يعيد نفسه أولاً في هيئة مأساة، ثم مهزلة. ولأنه ليس هناك أي تطور محتوم، فإننا يجب ان نتعلم بقدر ما من الماضي، لتجنب تكرار الأخطاء نفسها. ولا يحتاج المرء لأن يكون نبياً لكي يكون على وعي بالأخطار المحدقة بحياته.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )