المشهد السياسي

  • الحديث عن صراع العلمانيين والاسلاميين في هذا الوقت، (استهبال) سياسي.
  • من ثمار صحيفة الانتباهة فصل الجنوب
  • الاسلاميون غير مؤهلون اخلاقياً لاصدر احكام على الاخرين.
  • توافقت الاحزاب الوطنية على ان (لكل حزبه والنقابة للجميع)
  • وهتفت الجماهير امام القيادة العامة( الجيش جيشنا ونحن اهله وبنستاهله)

 قرشي عوض

  • يوم من أيام السودان:

 في مدخل الاعتصام تقف مجموعة من الشباب يحملون كيس وينادون على الداخلين إلى الساحة( كان عندك خت، كان ماعندك شيل) سائق عربة تعمل في خدمة المعتصمين (قطع ) بنزين. ولم يجد في  شلته من يملك ثمن الوقود، وفجأة لمعت الفكرة في ذهن أحدهم، وسأله لماذا لا يذهب إلى الشباب أصحاب الكيس. وقف أمامهم وشرح مطلبه، فاستغرب الشباب حديثه بتحفظ. ثم بادره احدهم قائلاً:( أسمع يا شاب القروش دي ماحقت زول ، شيل منها طوالي) بعد ان تتجاوز هذه المجموعة، يستقبلك شاب ويطلب منك ان تبتسم، بل وان تضحك. ثم اخر يقوم بالتفتيش بحثاً عن الاسلحة البيضاء وهو يصيح ( يديك فوق تأمين لأخوك) ثم يردف:(يديك فوق والتفتيش بالذوق) وفي وقت الجميع يتفهمون أهمية الخطوة، إلا أنه يعتذر بلطف، مع أن احداً لم يعترض).

 شباب/ت في العشرين من عمرهم/ن تعاملوا بمسؤولية غابت عن تفكير  الدولة، باصرارهم على (سلمية) الثورة، وأدهشوا العالم وسماسرة سرقة الثورات، بأن الشعب السوداني يختط طريقاً غير سيناريو اليمن وليبيا. لأن الشعب السوداني ليس مثل هذه الشعوب . في هذا المقام لابد من التحية للأسرة السودانية التي ربت هذه الاجيال في ظروف بالغة التعقيد كما يظهر ذلك في طريقة تعاملهم وهمتهم العالية واحترامهم  للكبير وتعاطفهم مع الصغير.

  • سجل يا تاريخ:

سوف يكتب التاريخ عن ثورة السودان كل شيئ. لأن كل ما حدث مدهش ومثير ويستحق التوثيق، لكنه سوف يتوقف كثيراً عند ظاهرة أنها الثورة الوحيدة في المحيط العربي التي لم يسجل فيها الإعلام حالة تحرش جنسي واحدة، علماً أن شعبنا من هذه الناحية لا يتميز عن الشعوب الأخرى، وأنه يعرف التحرش كما تشير إلى ذلك سجلات المحاكم ومضابط الشرطة وأدبيات المنظمات الحقوقية، لكن التميز ناتج من تقدير أهل السودان وشبابه وشاباته لأهمية الحدث الذي توارت أمامه كل نواقص النفس وشحها، ومن الصعوبة بمكان أن يوافق الرجل السوداني ان تقضي البنت الليل خارج المنزل ، لكن ذلك حدث في أيام الثورة والعصيان، بنات وأولاد في مقتبل العمر قضوا أكثر من سبع ليالٍ في مكان ينعدم فيه القانون وتغيب الشرطة، ولكن يسود بدلاً عنهما الانضباط الثوري التلقائي. البنت لم تكتفي بتحميس الاولاد للمواجهة والتصدي، لكن كنا في قلب المعركة، و(الكر والفر) وفي الخطوط الأمامية حتى ساد بين الحضور مصطلح ان الثورة أنثى، وأيقونتها(كنداكة) وينطلق الهتاف ليخلق جو من المرح، وربما اللهو البرئ( حاتسقط  حاتسقط وحانعرس كنداكة) ثم ترد الفتيات ( حا تسقط حا تسقط وحا نعرس شفاتة) ويضحك الجميع قبل ان تخترقهم جموع تهتف بعد مغيب الشمس وهى تتقاطر  صوب ساحة الاعتصام:( ثوار احرار وحانكمل المشوار) فيرد عليهم الخارجون من الميدان( ثوار الليل وروهم الويل) في إشارة الى ان هذه المجموعة سوف تبيت الليل في ساحة الاعتصام كل حسب ظروفه الاسرية وطبيعة عمله، لكن المهم ان لاتخلو ساحة الاعتصام من الحشود الضخمة خلال ساعة اليوم الـ24.

  • إسعاف بشري:

العربات تدخل بصعوب الى الميدان بما فيها عربات الاسعاف. في وقت تكثر فيه حالات الهبوط وكتمة النفس. ولابد من وصول المصابين الى العيادة الميدانية.  فكان الحل من خلال مجموعة من الشباب يلبسون سترات برتقالية وينفخون في وبوق كبير وهم يحملون المريض، فيفسح لهم الواقفون الطريق  وهم ينطلقون بأقصى سرعة.

  • أضواء كاشفة

حين تنظر على مد البصر ترى اضواء الهواتف الجوالة وكأنك تنظر الى سماء المدينة من خلال نافذة طائرة تستعد للهبوط. وبرغم مؤامرة التعتيم الإعلامي التي حمل كبرها الإعلام السوداني ، والذي اختار القائمون على امره الانعزال عن شعبهم وان ينضافوا مجاناً الى مركب الانقاذ رغم انها تغرق، الا ان العالم كله تابع ما يحدث امام مقر قيادة الجيش السوداني ، بفعل الإعلام الاجتماعي الذي برع فيه شباب/ت السودان. غاب الاعلام الرسمي ووثق المعتصمون ذلك من خلال لافتة في مدخل الميدان مكتوب عليها(شكراً للإعلام السوداني لأنكم خذلتونا). مع أن المادة الإعلامية التي توفرت من خلال هذه الملحمة لم تتوفر في كل تاريخ السودان و لا أظنها تتكرر في القريب. فقد تجلت ثقافة اهل السودان بما تعني من أسلوب حياة في المأكل والمشرب وتقاسم اللقمة وإعانة الضعيف وإبعاد الحزن عن المكروبين بفعل نشر التهديد من قبل اعداء الحياة، لكن وقبل أن تستسلم للهم والغم، يستقبلك شاب ويطلب منك أن تبتسم، لكن بالمقابل حضر الفن السوداني، المبدعون في ضروب الإبداع من موسيقيين ومغنيين ورسامين وغيرهم كانوا حضوراً إلا من ابى.

  • سننتصر:

ونحن نعبر كبرى المك نمر سيراً على الأقدام، كانت هنالك امرأة تسير بخطوات بطيئة بمساعدة احفادها وبصعوبة بالغة . اقترب منها شابان وسألوا الطفلة إلى أين تمضي بجدتها، وان هذا المشوار شاق عليها فأخبرتهم بانهم في طريقهم الى المستشفى، ولا توجد سيارات. نظر الشابان الى بعضهم البعض ثم انحنوا وحملوا المرأة .تقاطر الشباب خلفهم وظل الجميع يتبادلون حمل المرأة بطول الكبرى والجميع خاصة كبار السن كانوا يغالبون دموعهم وهم يرددون(شعب عظيم) ثم ارتفعت وتيرة الحزن حتى أصبح نحيب مكتوم مصحوباً بدعوات ضد الحكومة ورئيسها الذي ظلت تتنزل عليه اللعنات بلا توقف.. و علت الهتافات حتى توقفت عربة اسعاف وحملت المرأة الى المستشفى.. حينها هتف داخلي صوت يأتي من مكان عميق بأننا سوف ننتصر.

  • قلة المروءة:

على الجانب الآخر وداخل الصف الحكومي والموالي لها كانت الهزيمة كبيرة حتى وصلت إلى التجرد من كل قيم الشعب السوداني. وهذا شيئ طبيعي لأن الصراع أصلاً صراع قيم وأخلاق قبل ان يكون سياسي واقتصادي. ظهر القميئ الطاهر حسن التوم وهو يحرض السلطة كعادته على المعتصمين وهو يجتر الاكاذيب التي مضغها وهضمها اسحاق احمد فضل ثم ذهب الى الخلاء وطرحها فكانت الطاهر حسن التوم.. وهى من على شاكلة ان الاعتصام تدعمه دولة اجنبية.. في حين يرى الناس بأعينهم الطرق المبتدعة في جمع التبرعات،  والتي لم يستطيع الطاهر أن يتجاوزها، فعلق عليها قائلاً: إنها تجمع من غير ضرائب.

  • تلك الشجرة:

قراء صحيفة الانتباهة، او الذين كانوا يتابعونها في بداية عهدها اكتشفوا ان الطيب مصطفى قد اذلهم  بان جعلهم يقربون شجرة العنصرية البغيضة التي كانت ثمارها ذهاب الجنوب. فابتعد عنها الكثيرون ، واصبحت صحيفة بلاهوية بعد ان ادت غرضها الذي انشئت من اجله. لكن الغريب ان الرجل عاد من جديد يدعوا اهل السودان لان يا كلوا من ذات الشجرة، فلم يلتف اليه احد هذه المرة ، فقد اصبح عدواً مبيناً للجميع، وبارت تجارته.

هذه الايام دخل الرجل سوق ( الملجة السياسية) لانه لا يملك رأس مال  سياسي او فكري يؤهله لمنافسة الكيانات السياسية التاريخية، فراح يقدم خدماته للاخرين. مثل اسداء النصح للسيد الصادق المهدي ليعيد النظر في تحالفاته السياسية خاصة موقفه من الحزب الشيوعي وتجمع المهنيين الذي يسيطر عليه الشيوعيين حسب زعم الرجل الذي يشاركه فيه كل الاسلاميين، وهذه النقطة سوف نعود اليها. المهم ان السيد الصادق رجل له مكانته الكبيرة في السياسة السودانية ويعرف كيف يتدبر امره، ولا نظن ان الحكمة يمكن ان تخذله للدرجة التي يقرأ فيه التاريخ، خاصة تاريخ كيان الانصار الذي يجلس على اريكته بعين الطيب مصطفى.  فالصادق بالضرورة يعرف المؤسسة التي يراسها افضل من الاخرين، وربما يحتاج الى نصائح في امور اخرى لا اظن من بينها حزب الامة، كما انه يعرف عيون الطيب مصطفى. لذلك فان النصيحة نفسها لن نتوقف عندها لانها اولاً لا تعنينا، وهى موجهة لجهة اخرى كما لا نخشى ان يتوقف عندها الصادق المهدي ، وهو على ما به من مشغولية ملاحقة ما ينفع الناس. لكن الشي الذي يلفت الانتباه هو ان الطيب كل ما نظر الى كيان سوداني لا يوافق افكاره هم بقطعه  وحرض الاخرين عليه. لكن هذه المرة مهمته عسيرة ، فالشيوعيين لا يعيشون في اقليم وليس لهم حلة اسمها (حلة الشيوعين ) يمكن فصلها وحرق منازل اهلها، وهم موجودون بين اهلهم من شعوب السودان في الاحياء والفرقان والقرى، ويمتلكون شجاعة وصمامة نادرة  اختبرها كل الطغاة منذ قانون مكافحة النشاط الهدام وحتى الان، لدفع استحقاق وجودهم في ارض السودان( وان قناتنا ياعمرو اعيت على الاعداء قبلك ان تلينا). ونقول للرجل هون عليك وابحث عن شجرة ليس لها جذور عميقة في التربة السودانية تعمل فيها فاسك

  • دعوة للخلع المتبادل:

قال الوزير السابق ابراهيم محمود في حواره مع الانتباهة الاسبوع الماضي ، ان الشعب السوداني ليس له ذنب في استمرار الصراع ، بين الشيوعيين والاسلامين.

ابراهيم يضع نفسه خارج هذا الصراع، مع انه اسلامي وخدم في حكومة المؤتمر الوطني. وليس لهذا الحديث تفسير سواء انه نوع من ( الاستهبال) السياسي، ويخدم تاكتيك النظام الذي يستهدف تجزئة المعارضة،  بالطرق المتواصل على هيمنة الحزب الشيوعي على الحراك الجماهيري الحالي، واصرار الاسلاميين على ان الشعب وقواه المعارضة من احزاب سياسية وتجمعات مهنية ومدنية يمكن ان يستجيب لهذا القول يعود الى بعدهم عن الجماهير، التي تعرف لماذا خرجت للشوارع. يصورون الصراع الحالي باعتباره صراع بين الاسلاميين والشيوعيين  ليقولو ا للاخرين ان لا مصلحة لكم فيه، وان العلاقة بين هذين الكيانين صفرية لا تلاقي فيها. والافضل ان تفعلوا كما فعلنا نحن بالتخلص من الاسلاميين وكونا حكومة كفاءات يقف فيها الرئيس على مسافة واحدة من الجميع، فتخلصوا انتم من الشيوعيين، وتعالوا الى كلمة سواء بينا، منكم وزير ومنا وزير. الاسلاميون يقولون ذلك عن انفسهم وعن طريق كوادر تتدعي انها ابتعدت عن الجماعة، ورغم ذلك تحتفظ بنفس العداء للحزب الشيوعي.

اولا الصراع الحالي ليس بين الشيوعيين والاسلاميين ولكنه بين الاسلاميين والشعب السوداني. فليس الشيوعيين وحدهم من تعنيهم سرقة موارد البلاد ورهن اراضيها للاجانب والتفريط في السيادة  الوطنية. كما انهم ليسوا وحدهم المتضررون من انعدام السيولة النقدية وندرة السلع والفساد الاداري والسياسي، وتحويل الوطن الى اقطاعية عائلية وحزبية. لان الوطن ليس حكراً عليهم ولكنه مكان يتقاسمون فيه السكن مع الاخرين. كما ان الفقر لا تتأثر به (حلة) الشيوعيين وحدها. فالجماهير التي تهتف في الشوارع لم تنطلي عليها حكاية حكومة الكفاءات وغيرها من ( الخزعبلات ) السياسية. وهى لا  تفرق بين النظام والاسلاميين وتتوعدهم بالسقوط.  والسيد الوزير السابق تلزمه زيارة الى شارع القيادة العامة وهو مفتوح امام الجماهير ويمكنه ان يصلي العصر او أي وقت يدركه، فالمكان بها ماء ونجيلة للصلاة، حتى يسمع باذنه ما تقوله الجماهير. واذا خشى الفتك به وهذا لن يحدث لان الشعب يتعامل بطريقة متحضرة جداً، فيمكن ان يطلب من احد الحضور ان يحول له ما يدور على طول الشارع في هاتفه النقال. حتى يعيد النظر في زعمه المستعجل بان الصراع بين الشيوعيين والاسلاميين، وان لا ذنب للشعب السوداني في احتماله.

  • النقابة للجميع:

يقول المثل ان الانسان مخبو تحت لسانه. ويقول اخر ( تحدث لكي اراك). والانسان حين يتحدث عن الاخرين هو في الحقيقة يعبر عن خصائصه الذاتية ويعرب عن نفسه ويوضح أي نوع هو من البشر. والاسلاميون حين يرددون ان تجمع المهنيين هو واجه لحزب معين يوضحون علاقتهم بالحركة النقابية القائمة على تزييف ارادة الجماهير واتخاذ مؤسساتها مطية لحزبهم ينفذ عبرها اجندته المعادية للجماهير. لكن الحركة الوطنية السودانية التي لعبت دوراً مهماً في تأسيس الحركة النقابية، توافقت على شعار ظلت ترعاه في فترة وصولها للنقابة او الصراع من اجل استقلاليتها في عهد الانظمة الشمولية ،وهو( لكلٍ حزبه والنقابة للجميع). وفي حالة فوز أي حزب بمقاعد النقابة تتحول كل الاحزاب الاخرى الى خانة العمل من اجل انفاذ اهداف النقابة التي صاغتها الجمعية العمومية. لان فشل النقابة في تحقيق تلك الاهداف المتعلقة بالاجور والمرتبات والاستحقاقات الاخرى يعني فشل الجميع، وليس الحزب الذي فاز في الانتخابات. هذا التقليد ظلت ترعاه كل الاحزاب من اتحاديين وشيوعيين وانصار وبعثيين ، مؤتمر سوداني وغيرهم من التشكيلات السياسية المعروفة. ولم تسجل مضابط الحركة النقابية كما هي منشورة في عدة اصدارات لصديق الزيلعي واخرين، ان حزباً من هذه الاحزاب جير نقابة من النقابات لخدمة خطه السياسي. والجماهير تعرف ذلك جيداً وتقدر هذه الميزة في احزابها الوطنية. ولعل الحزب الوحيد الذ فعل ذلك هو الحركة الاسلامية التي حطمت النقابات وجعلتها تقف ضد مصالح قواعدها. وكان لابد للجماهير ان تبحث عن كيان يقدم حلولاً لمشاكلها الحياتية، فكان تجمع المهنيين. الذي رفع مطلب سياسي، هو ازالة النظام بعد ان تأكدت قواعده انها لا تستطيع ان تقوم بعملها في ظل وجود هذا النظام. هذه هي الحقيقة التي يحاول الاسلاميون تجنبها لانها تعني انهم قد اقتلعوا من جذورهم من ارض السودان، ولن يكون لهم وجود في المستقبل، حتى وان لم تعمل قوى سياسية على اقصائهم.  ونقول لهم انتم لا تحتاجون الى اعداء، انكم تحملون بذور فناكم في داخلكم.

  • وعادوا على جحشهم الاجرب:

فشلت الحركة الاسلامية في اعادة صياغة المؤسسات القومية التي وجدتها. كما لم تستطيع ان تبنى هياكل محترمة يلتف حولها الناس. ورغم التمكين والصرفي البذخي السفيه على منظومات استحلبت ثدي الدولة، لكن لن يتذكر اهل السودان مباني بلا معاني زحمت شوارع الخرطوم. ثلاثون عامأ، الخرطوم عادت بعدها كما هي ، تنام وقت تشاء وتغني مع وردي والكابلي وغيرهم من الفنانين، وتستمع الى مدائح حاج الماحي. وعاد الاسلاميون الى مكونهم الصغير وذهب التمكين ايدي سباء.

فالقوات المسلحة التي ظنوا انهم دجنوها، هاهي الان تعيد النظر في كل تاريخها مع الجماعة منذ ايام تبرع النواب الاسلاميون بعرباتهم لدعم الجيش. وتكتشف بعملية جرد حساب بسيطة انها خسرت الكثير من الافراد والامكانيات.  فقد ادخلتها العصبة الخائنة في حروب اهلية وجعلتها وقوداً لفتن لا تبقي ولا تذر. حروب ليس فيها امجاد وطنية وتتناقض مع مهمة تلك القوات في حماية امن واستقرار المواطن.

وحين حصحص الحق وزحفت الجماهير نحو القيادة العامة لتسمع صوتها للجيش عاد التلاحم القديم بين الشعب والجيش وهتفت الجماهير كالمعتاد ( جيشاً واحد ، شعباً واحد). واضافوا اليها( الجيش جيشنا ونحن اهله وبنستاهله). ولم يحدث ولن يحدث غير ما استقر في الوجدان ورعته التقاليد المؤسسية المنضبطة والعقيدة القتالية العصية على التغيير.  واعادت الانقاذ اكتشاف العجلة وعرفت بعد ان بلغت الروح الحلقوم ان الجيش، جيش الشعب، ومهمته ليست حمايتها حين يقف الشعب باثره يتقاضاها الحساب.

  • فلكلور الثورة:

الفلكلور كما فهمته من خلال كتاب البروفيسور محمد المهدي بشرى بعنوان (الفلكلور في ادب الطيب صالح)،هو تلك الحالة التي تتسم بها الطقوس واللغة والعادات في ثقافة معينة. وللشعب السودان فلكلوره مثل كل الشعوب.  فهناك مفردات اذا سمعتها في خارج السودان لابد ان تلتفت باقصى سرعة نحو قائلها، لانه لن يكون غير سوداني. كما ان هناك تصرفات وسلوكيات لا يمكن ان تصدر الا من سوداني. اهل السودان لهم طقوسهم في المناسبات، مثل يوم الحصاد وبداية الزرع والفزع والافراح والاتراح. لكل مناسبة ما يقال فيها وما يقوم به الناس من اعمال. والثورة بلا شك مناسبة سودانية،  او موسم سوداني.  قد يتاخر في بعض الاحيان حتى يظن بعض الحمقى والمجانين انه لن يأتي ، ولكنه يفاجئهم وهم نيام. في هذا الموسم يرتجل السودانيون الاغاني والاشعار والشعارات، وينحنون على جراح بعضهم باللطف والتقبيل.

اذا اصلحت امرأة ثوبها يرفع لها المارة اياديهم بعلامة النصر، واذا رفع شاب اصابع يده الى راسه او ليحك قفاه هتف من هم بجانبه تسقط بس.  على طول شارع القيادة تصطف اكياس الخبز الطعمية وسندوتشات الفول والماء البارد وتنتصب الخيام. النساء مع الاطفال تحت ظلال الاشجار ،  والبعض يغطون المصلين بعلم السودان حر الشمس في نهار الخرطوم الغائظ. الكل يتحدث الى الكل والهتافات من كل صوب وحدب.

ومن عادات اهل السودان التي تظهر حين يجد الجد، ما يسمونه ب(الركزة) مثل ان يضع شاب باطن رجلة اليسرى على ركبة اليمنى مثل وضع الكركي كما قال صلاح احمد ابراهيم، وهو يرتب للسوط في حلقة البطان دون ان يرف له جفن. ( والركزة) في غير البطان تكون في الملمات التي تمتحن فيها الشجاعة، والتي لا تعني عدم الخوف ، ولكن التقدير العقلاني لاهمية الثبات وتحمل تبعات ذلك. هناء يظهر السوداني ويضع عمامته في زاوية  تقول ،( ان سعيد لا يبالي باحد)، على حد تعبير الطيب صالح في وصف الوضعية المميزة لاحد شخصياته في رواية ضوء البيت. ومن تلك الاوضاع التي تقول ان شباب الثورة لا يبالون بالاخطار، ما شهدته من مجموعة شباب يلعبون (الدومينو) في ظل مصفحة عسكرية تحمل على ظهرها مدفع رباعي. واخرون يقيمون حفلة حنة لعريس وعروس. ومن مظاهر الاستعداد للمواجهة خاصة في المأتم حين تكون( الميتة حارة) حزم الرجل وسطه بالعمامة،  والاولاد يحزمون وسطهم في شارع القيادة بالقمصان، والبنات بالطرحة ويعلو هتافهم في السماء.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )