سَيِّدِي زَيْنَ العَابِدِينِ .. التَّهْرِيجُ لَا يَلِيقُ بِمَجْلِسِكُمْ (2 ـ 2)

بقلم/ كمال الجِّزولي

(4)

مع تفاقم قضيَّة دارفور بدرجة أقلقت العالم بأسره، أنشأ كوفي أنان، الأمين العام السَّابق للأمم المتحدة، في الأوَّل من أكتوبر 2004م، وبناء على طلب من مجلس الأمن، لجنة دوليَّة، برئاسة القاضى الإيطالي أنطونيو كاسيسي، للتَّحقيق في أحداث الإقليم خلال الفترة من الأول من يوليو 2002م. وفى يناير 2005م استكملت هذه اللجنة عملها ورفعت إلى الأمين العام تقريرها الذي خلصت فيه إلى أن ثمَّة ما يدعو للاعتقاد بأن «جرائم ضدَّ الإنسانيَّة» و«جرائم حرب» قد ارتكبت من جانب القوَّات الحكوميَّة، ومليشيا الجَّنجويد التي تدعمها، إضافة إلى عناصر حركات التَّحرير، وأرفقت مع التَّقرير مظروفاً مغلقاً يشمل أسماء 51 متهماً بارتكاب تلك الجَّرائم،

وأوصت بإحالة Referral هذا الملف من قِبَل مجلس الأمن إلى المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة التي كانت قد اتَّخذت من لاهاي مقرَّاً لها. لكن اللجنة استبعدت وقوع جريمة «الإبادة الجَّماعيَّة»، وإن لم تستبعد وقوع «أفعال إبادة جماعيَّة» من بعض المسئولين الحكوميِّين مِمَّا قد يشكل «الرُّكن المادِّي» لهذه الجَّريمة، لكنها تشكَّكت في توفُّر عنصر «القصد الجنائي Mens Rea» الذي يشكل «ركنها المعنوي»، تاركة هذا الأمر لتبتَّ فيه المحكمة بنفسها.

بالاستناد إلى تلك التَّوصية، أصدر مجلس الأمن، في 31 مارس 2005م، قرار الإحالة بالرقم/1593، مستخدماً صلاحياته تحت المادة/13/ب من «نظام روما»، مقروءة في ضوء «الفصل السَّابع» من ميثاق الأمم المتَّحدة، باعتبار أن الوضع فى الإقليم يشكِّل تهديداً للأمن والسِّلم الدَّوليَّين، ثمَّ طالب حكومة السُّودان، وكلَّ الدُّول الأعضاء في المنظمة الدَّوليَّة، بالتَّعاون مع المحكمة.   

أمَّا بشـأن «الإبادة الجَّـماعيَّة» فقـد اســتقرَّ الرأي، داخـل مجلس الأمـن، على ترك أمرهـا لتبتَّ فيه المحكمة نفـسها، حسـب توصية اللجنة، كما صرَّح بذلك، لدى زيارته للخرطوم، أواخـر سبتمـبر 2005م، خـوان مانديـز، المستشـار الخـاص للأمـين العـام للأمم المتحدة لمنع الإبادة الجَّماعيَّة (الأيام؛ 27 سبتمبر 2005م).

بعد استلامه ودراسته للملف الذى حوى محفوظات ووثائق اللجنة، دون أن يتقيَّد به، أو بقائمة الـ 51 متَّهماً، وبعد إجراء تحقيق مستقل، علاوة على تلقيه معلومات بآلاف الوثائق من مصادر أخرى، واستجوابه لأكثر من خمسين خبيراً مستقلاً، أعلن لويس مورينو أوكامبو، المدَّعي العام للمحكمة، وقتها، أن كلَّ المتطلبات القانونيَّة الأوَّليَّة قد استوفيت، فاتَّخذ قراره، فى السَّادس من يونيو 2005م، بفتح الدَّعوى، مطالباً السُّودان وكلَّ الأطراف المعنيَّة بالتَّعاون معه.

التَّحقيقات المستقلة التي أجراها الإدِّعاء الدَّولي، شاملة 17 بلداً، وأكثر من 100 شهادة، إضافة إلى الاطلاع على تقرير لجنة التَّحقيق الوطنيَّة التي كانت حكومة السُّودان قد كوَّنتها في وقت سابق، وشكَّلتها برئاسة دفع الله الحاج يوسف المحامي، أحد رؤساء القضاء السَّابقين، تمخَّضت عن توجيه الاتِّهام لعدد من المسؤولين، ابتداءً بأحمد هارون الذي كان وزير دولة بوزارة الدَّاخليَّة، وعلي كوشيب، الذي كان يقود مليشيا الجَّنجويد سيِّئة السُّمعة في ما يتعلق بجرائم الإقليم، وانتهاءً بعمر البشير، رئيس الجُّمهوريَّة، والقائد الأعلى للقوَّات المسلحة، ورئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم. كانت التُّهمتان اللتان وُجِّهـتا لهارون وكوشـيب ارتكاب «جـرائم حـرب» و«جـرائم ضدَّ الإنسـانيَّة»، أمَّا التُّهـم

التي وُجِّهت للبشير فتشمل تينك التُّهمتين زائداً «الإبادة الجَّماعيَّة» بحقِّ الجَّـماعات الإثنيَّة

للفور، والمساليت، والزَّغاوة.

ورغم التَّعاون الذي كانت حكومة السُّودان قد أظهرته، في البداية، مع فريق التَّحقيق التَّابع

لمكتب المدَّعي العام الدَّولي، لدرجة خضوع وزير الدِّفاع نفسه لتلك التَّحقيقات التي شملت السَّماح لذلك الفريق الدَّولي بإجرائها، ليس في الخرطوم وحدها، بل وفي دارفور أيضاً، ورغم شمولها لمعسكرات اللجوء في شرق تشاد، إلا أن لحظة توجيه الاتِّهام لرئيس الجُّمهوريَّة، لاحقاً على توجيهه لهارون وكوشِّيب، شكَّلت اللحظة التي دفعت بالحكومة إلى النُّكوص عن تعاونها ذاك، لتتَّخذ، تحت تأثير غضبة مضريَّة، موقف العداء للمحكمة إلى درجة وصفها بأنها مجرَّد أداة في يد الاستكبار الدَّولي، بصرف النَّظر عن حقيقة تأسيسها التي فصَّلنا بشأنها أعلاه. بل إن ذلك العداء بلغ حدَّ التَّراجع وسحب التَّوقيع على «نظام روما» بدلاً من المصادقة عليه. وأعقبت ذلك تصريحات حكوميَّة غاية في التَّخبُّط، تارة بأن أجهزة السُّودان القانونيَّة «راغبة» في، و«قادرة» على تعقُّب الجُّناة، وتقديمهم للعدالة الوطنيَّة، ومع ذلك فإنَّها ما تنفكُّ تجرجر أقدامها، ولا تفعل شيئاً! وتارة أخرى باستنادها إلى أن السَّبب في عدم القبض على المتَّهمين وإخضاعهم للمحاكمات هو هروبهم إلى بيئات تصعب ملاحقتهم فيها! وتارة ثالثة بتكوين وتشكيل محاكم عاديَّة في دارفور، بزعم اختصاصها بمحاكمة المتَّهمين، لكن تلك المحاكم ما تلبث أن تتكشَّف عن الاختصاص بالنَّظر في قضايا جنائيَّة عاديَّة لا شأن لها بالجَّرائم الدَّوليَّة، وهلمَّجرَّا!

مارست الحكومة، أيضاً، بالإضافة إلى تلك الحجج المتهافتة، نوعاً من «المساومات» المفضوحة، مع بعض القوى والمؤسَّسات الدَّوليَّة، بغرض تخليص متَّهميها، وعلى رأسهم البشير، من مطاردة المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، متوهِّمة قدرة هذه القوى والمؤسَّسات على سحب هذا الملف من أمام المحكمة مقابل بعض «الصَّفقات» السِّياسيَّة من تحت المائدة! ولعلَّ ذلك ما حدا بريتشارد ديكر، خبير القانون الدَّولي في منظمة هيومان رايتس ووتش، لإطلاق استنكاره السَّاخر بشدَّة لفكرة السَّماح للبشير بـ «التَّفاوض» السِّياسي لإيجاد مخرج من اتهامه رسميَّاً بجرائم دارفور، حيث أن الأمر، على حدِّ تعبيره، ليس «مزاداً» على موقع «آي باي للتِّجارة الالكترونيَّة»! كذلك مارست الحكومة «إغواءات» للكثير من الزُّعماء الإقليميِّين، خصوصاً الأفارقة، وبالأخصِّ في مؤتمرات قممهم، دون أن تحصل منهم سوى على «طق حنك» بشجب المحكمة، أو على «تلويح» بالخروج الجَّماعي للمندرجين في قائمة عضويَّتها، دون أن يعدو شئ من ذلك محض «مضمضة شفاه lip service»! وليت الحكومة استمعت إلى نصح وليم روتو، نائب الرَّئيس الكيني، أثناء زيارته للبلاد، بين 9 ـ 11 أبريل 2018م، حيث شدَّد، بوجه مخصوص، على خبرة الرِّئاسة الكينيَّة في التَّعامل مع المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، إذ كان هو والرَّئيس أوهورو كينياتا متَّهمين فيها، فاختارا الطريق القانوني بأن يمثلا أمامها، ويبرِّئا ساحتيهما.  

(5)

ظلَّ المعارضون لحجج الحكومة البائسة يضيئون السَّبب الحقيقي الذي يحول دون اقتدار أجهزة إنفاذ القانون وتصريف العدالة فيها على محاكمة أولئك المتَّهمين، خصوصاً من النَّاحية الموضوعيَّة، لولا أنَّها أصمَّت أذنيها عن سماع تلك الأسباب، وفي مقدِّمتها أن القانون الجَّنائي السُّوداني لم يعرف، أصلاً، وطوال تاريخه، عناصر القانون الجَّنائي الدَّولي، إلا بالتَّعديلات التي أدخلت عليه عام 2010م (قوانين السُّودان، المجلد/13، الطبعة/8، الباب/18)، بينما الجَّرائم الدَّوليَّة موضوع التُّهم الموجَّهة للمذكورين تعود بتاريخها إلى العامين 2003م ـ 2004م، ومعلوم للرَّائح والغادي، دون شك، أن القانون لا يسري بأثر رجعي. كما وأن «نظام روما» الذي تأسَّست عليه المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، شاملاً الجَّرائم الدَّوليَّة المشار إليها، صدر عام 1998م، ودخل حيِّز النَّفاذ عام 2002م، الأمر الذي يحجب الاختصاص عن المحاكم السُّودانيَّة، ويعقده للجَّنائيَّة الدَّوليَّة، ويجعل من ولايتها أمراً حتميَّاً.  

إزاء هذه المعطيات تعيَّن على النظام السودانى أن يختار بين طريقين لا ثالث لهما:

أ/ فإما أن يكابر ويصادم المحكمـة، ومن ورائها المجلس، فى ظـرف وطـنى وإقليمى غير مواتٍ، أقـله تفكُّـك جـبهته الدَّاخـليَّة سـياسيَّاً وعسـكريَّاً، فيضـع نفسـه والبـلاد بأسـرها فـى مواجهة غير محسوبة مع الفصل السَّابع، وأهون مآلات ذلك العزلة عن الجَّماعـة الدَّوليَّة، بكلِّ ما يترتب عليهـا من تبديد حتَّى للأرصـدة الشـَّحيحة التي ظـلَّ النِّظام يعـوِّل عليهـا فى علاقاته الخارجـيَّة، بحيث يخسـر حـتَّى دعـم الصِّـين وروسـيا له فـي «جـردته» الشَّـعواء على المجتمع الدَّولي، ومواثيقه التي ما تزال تمثِّل بخيرها وشرِّها أساس الشَّرعيَّة الدَّوليَّة؛

ب/ أو أن يسـتمسـك جـيِّداً بوضعـه ضمـن الجَّماعـة الدَّوليَّة، فيتقـن التَّعاطـى مـع قـرارات المجلس والمحكمة، متبصِّراً مواطـئ أقدامـه، بلا عنتريَّات، وسـط تيَّارات الاسـتراتيجيات الدَّوليَّة المتلاطمة، بكلِّ ما يفرضه منطق العلاقات والقانون الدَّوليَّين.

اختارت حكومة السُّودان، للأسف الشَّديد، السَّير بالطريق الأوَّل، وبمنهج ملتبس يتقاطع فيه خطاباها «القانوني» و«السِّياسي»، حيناً، ويتطابقان، حيناً آخر، ويحلان محلَّ بعضهما البعض أغلب الأحيان، دون أن تنجـح، ولو مرَّة، في تأسيس أيَّة حجَّـة يؤبه لها، وبالأخص الحُجَّـة الوحيدة التي كان مفترضاً فيها التَّركيز عليها، حسب مقتضى المادة/1 من «نظام روما»، وهي إثبات زعمها بتوفَّر عنصري «الرَّغبة» و«القدرة» لديها فى تعقُّب ومحاكمة الجُّناة لمنع الافلات من العقاب، بما يمكنها من استصدار قرار من «محكمة ما قبل المحاكمة Pre - trial Court» بعدم مقبوليَّة الدعوى، تحـت المادة/17/أ من النِّظام، أو يقنع مجلس الأمن بأن يطلب من المحكمة عدم البدء أو، على الأقل، عدم السَّير فى إجراءات التحقيق أو المقاضاة Deferral، لمدَّة 12 شهراً، حسب المادة/16. وغنيٌّ عن القول أن السبيل الوحيد الذي كان من الممكن أن يؤهِّلها لإثارة مثل هذا الحجاج القانونيِّ المستقيم هو أن تتجِّه ، بالجديَّة كلها ، لتأسيس الاجراءات القانونيَّة الكفيلة بفتح البلاغات ضَّد الجُّناة، وملاحقتهم، والقبض عليهم، والتحقيق معهم، تمهيداً لتقديمهم لمحاكمات عادلة أمام قضاء مستقل، في ما لو كانت هي نفسها جزءاً من الحلِّ وليست جزءاً من المشكلة!

هكذا اعتمدت الحكومة خيار المواجهة الخاطئة مع المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة على النحو الآتي:

أ/ أنكرت، في البداية، أيَّ التزام لها تجاه المحكمة، استناداً إلى المغالطة، فحسب، بشأن توقيع السُّودان على «نظام روما»، حسبما أبلغ وزير العدل النَّائب العام، فى منتصف أكتوبر 2005م، سيما سمر، المقرِّرة الخاصَّة، آنذاك، لحقوق الانسان في السُّودان، بأن ".. السودان غير ملزم وغير خاضع لقوانين المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة نظراً لعدم توقيعه على اتفاقيَّة روما!" (الرأى العام، 18 أكتوبر 2005مم). وهي مغالطة مكشوفة، بطبيعة الحال، بل محض تهريج، كون الثَّابت، كما سبق وأشرنا، أن السُّودان قد وقع، بالفعل، في الثَّامن من سبتمبر 2000م، بل وكان قد أسهم، قبلاً، وبنشاط جم في «مؤتمر روما الدِّبلوماسي» الذي انعقد بالعاصمة الإيطاليَّة صيف 1998م، ونتج عنه «نظام روما» الذي أسَّس للمحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة.

ب/ ثم ما لبثت الحكومة، عندما تبيَّنت صعوبة الاستمرار في تلك المغالطة، أن عدَّلتها، لاحقاً، إلى ما بدا لها، خطأ، أنه قد يقوم مقام الحُجَّة المُفحِمة، بقولها إن السُّودان قد وقَّع، لكن لم يصادق، على ذلك النِّظام. وهي حُجَّة واهية تماماً، بالنَّظر إلى أن المادة/19 من «معاهدة فيينا للاتفاقيَّات الدَّوليَّة لسنة 1969م» تحظر على الدَّولة الموقعة ممارسة أيِّ تصرُّف من شأنه إعاقة إنفاذ ما وقعت عليه، دَعْ أن إحالة ملف دارفور من جانب مجلس الأمن إلى المحكمة قد تمَّت تحت المادة/13/ب من «نظام روما»، مقروءة في ضوء الفصل السَّابع من «الميثاق»، الأمر الذي لا يتطلب المصادقة، أو حتى التوقيع، ابتداءً، على «النِّظام».

ج/ وما أن أدركت الحكومة ضعف حُججها بهذا الاتِّجاه، حتَّى تحوَّل خطابها، في واحد من أخطر انقلاباته غير المنطقيَّة البَّتة، بل والعدميَّة تماماً، لا ليحتج «قانونيَّاً»، كما كان الأمر في البداية، على مجرَّد إحالة الملف إلى المحكمة، بل ليشجب المحكمة نفسها «سياسيَّاً»، وبلا هوادة، في كلِّ مناسبة، وكلِّ منبر، وعلى ألسنة كلِّ رسميي الحكومة، وبأقلام جميع صًحفيِّيها وإعلاميِّيها، بزعم أنها محض ثمرة لـ «الاستكبار الدَّولي»، وأداة لـ «الهيمنة» و«التسلط»، ومعول هدم لـ «السَّيادة الوطنيَّة»، استناداً إلى مفهوم «السَّيادة» الذي عفى عليه الزَّمن من عهد «وستفاليا»، وليعلن، من فوق ذلك كله، عن عدم استعداد الحكومة للتَّعاون معها، بل وليُعَمِّد كلَّ من لا يوافق على هذه السِّياسة «خائناً أعظم»! هذا الموقف يثير، من فوره، ملاحظتين غاية في الأهميَّة:

الملاحظة الأولى: أن الحكومة وضعت نفسها، بموجب هذا الخطاب، أمام قضيَّة منطقيَّة لا فكاك لها من مجابهتها سياسيَّاً وأخلاقيَّاً: فإما أنها، عندما وقعت على «نظام روما»، لم تكن تعلم بالطبيعة «الاستكباريَّة» لمؤسَّسة «الهيمنة الدَّوليَّة» التي ينشئها، أو أنها كانت تعلم، ومع ذلك وقعت عن تضعضع وخور! وأيُّهما كان خيارها فهو، بلا شك، أمرُّ من الآخر!

الملاحظة الثانية: أن مجابهة الحكومة مع المجتمع الدَّولي خطت، في هذا الشَّأن، خطوة أكثر وسعاً، وأقلَّ تحسُّباً، لا في المستوى الرَّسمي، فحسب، وإنَّما في المستوى المدني أيضاً! فالمحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة لم تتأسَّس، مطلع الألفيَّة، كمحض عمل من أعمال العلاقات التَّواثقيَّة بين الدُّول، بل، أيضاً، وكما قد رأينا، كتتويج لجهد مدنيٍّ خارق، وحملة شعبيَّة عالميَّة ضارية شارك فيها، على مدى عشرات السَّنوات، ملايين النَّاس من شتَّى البلدان، وآلاف الأحزاب والتَّنظيمات السِّياسيَّة، والمنظمات الطوعيَّة والإنسانيَّة، والمراكز الأكاديميَّة والبحثيَّة، والجَّمعيَّات العلميَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة، والمؤسَّسات الصَّحفيَّة والإعلاميَّة المستقلة، والشَّخصيَّات البارزة، من مختلف المدارس والاتِّجاهات الفكريَّة الدِّيموقراطيَّة. ولا تزال هذه الحملة تتصاعد، في الوقت الرَّاهن، بتنسيق من «التَّحالف الدَّولي لأجل المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة CICC»، للدَّفع باتِّجاه المزيد من الانضمام إلى «نظام روما»، إما بالتَّوقيع والمصادقة، أو باستكمال إجراءات المصادقة، كما كانت حالة السُّودان قبل سحب توقيعه. والأهمُّ إثارة الاهتمام، وخلق الوعي، بضرورة هذه المؤسَّسة العدليَّة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، وجدواها «التَّكميليَّة»، بالنِّسبة للشُّعوب، خصوصاً ملايين المدنيِّين العاديِّين من ضحايا الانتهاكات ذات الطابع الجَّنائي الدَّولي بالأساس، كلما تعذَّر، لأيِّ سبب، تطبيق القوانين الوطنيَّة. تلك هي الحقيقة الابتدائيَّة الأساسيَّة التي ينبغي أن توضع نصب الأعين دائماً، وألا تغيب عن الأذهان لحظة، لدى أيِّ حديث عن هذه المحكمة، كونها مطلباً ديموقراطيَّاً عالميَّا، لا محض مؤامرة «استكباريَّة» دوليَّة!

إذن، فالقول بأنها مؤسَّسة «أجنبيَّة» لا يجوز لـ «الوطنيِّين» أن يرضخوا لها، والزَّعم بأننا لا نحتاجها لأن لدينا من «القوانين» ما يكفل محاكمة أيِّ متَّهم بجريمة دوليَّة، لهو مجرَّد تهريج كانت تمارسه الإنقاذ، جهالة أو مكابرة، فمن العيب أن تتورَّط فيه مؤسَّسة المجلس العسكري الانتقالي، ومن يمثِّلونها!

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).