تعليقات في السياسة الداخلية

سليمان حامد الحاج

أهمية استئصال ايدولوجية شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة:

تفكيك الدولة العميقة للنظام الطفيلي لا يعني فقط المؤسسات والاشخاص رغم الاهمية القصوى لذلك، بل يجب ان يهتم فوق ذلك كله باستئصال ايديولوجيتها التي يقوم عليها كل النظام الطفيلي المتدثر زورا بالاسلام. وهي التي تمده فكريا وسياسيا وثقافيا ودينيا بمقومات استمراره في خداع الجماهير للبقاء اطول فترة في الحكم، بما في ذلك ممارسة كل الاساليب التي تبرر قهره للجماهير بكل الوسائل بما في ذلك التعذيب والقتل، عبر فتاوى فقه الضرورة وغيرها من الاساليب.

ما هي الايديولوجية:

هي مجموع اشكال المعرفة والنظريات التي تنتهجها الطبقة الحاكمة للتعبير عن مصالحها وتبرير التفاوت والاستغلال داخل المجتمع الطبقي وتزييف حقيقة هذا الاستغلال والصراع الطبقي وجوهره الاقتصادي، بهدف التمكين لسلطتها ونفوذها, وهي تعمل على نشر فكرها الديني والثقافي والقانوني والسياسي والاعلامي وحتى المقررات الدراسية بمختلف مراحل التعليم.

فاذا كانت اجهزة النظام الطفيلي النظامية ومليشياته المختلفة تقوم على حراسته بالقمع المباشر للشعب وقهره ولا تتوانى في قتله، فان الايديولوجية بكل اشكالها المعرفية تمثل القمع غير المباشر، وهي تغطي كافة مجالات المجتمع، وتشكل مع اجهزة القمع

المباشر اتساقا تاما من اجل قمع الانسان وتشكيله وفق ما تخطط له الشريحة الطبقية المسيطرة على المجتمع.

هذا ما تقوم به ايديولوجية(الاخوان المسلمين) وجماعات الاسلام السياسي في السودان، وعملت له طوال ثلاثين عاما منذ استيلائها على السلطة بقوة السلاح.

اكد ما ذهبنا اليه قيادتهم في تصريحاتهم المختلفة وفي مشروعهم (الحضاري) ان ضمن برامجهم الاساسية هو(اعادة صياغة الانسان السوداني.) كذلك ما قاله د.حسن الترابي عندما كان عرابا للنظام وواضعا لاسسه ومرتكزاته السياسية والفكرية والدينية. قال(المؤتمر الوطني ليس حزبا سياسيا وانما تنظيم جامع لحركة المجتمع. وانه يحمل توجها حضاريا يعم كل مناحي الحياة، يجتمع فيه العلم والثقافة بجانب السياسية والاقتصاد. ان المؤتمر الوطني هو المحرك للعمل السياسي والتنفيذي وكافة نواحي الحياة وفق منهج الله بعد أن استوعب المؤتمر الوطني باماناته المختلفة توحد اهل السودان بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم. وان السودان يكتب بنهج الانقاذ تاريخه الجديد الذي سيغير كل موازين العالم بتجربته في انزال الدين على واقع الحياة)

(راجع صحيفة اخبار اليوم عددي 13/11/1997 و 14 مارس1998)

تطبيق حزب المؤتمر الوطني للايديولوجية في النشاط العملي:

اولا:

في الجانب السياسي وقضايا الديمقراطية والاقتصاد والحريات:

بعد انقلابهم مباشرة، اعلنوا تعطيل الدستور وحل البرلمان والاحزاب السياسية والنقابات والجمعيات التعاونية واعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال لساعات طويلة. وسنت القوانين التي وضعتها المنظمات العمالية والاتحادات المختلفة تحت سيطرة النظام. وشرد مئات الآلاف من العاملين في القطاع العام ووضع مكانهم الموالين دون اعتبار للقدرات المهنية المختلفة بما فيها القوات المسلحة والقضاء والمناصب التي تشكل مفاتيح السلطة والسيطرة عليها. الشرط الاساسي هو الولاء التام الاعمى للنظام.

السيطرة على الجهاز المصرفي بصفة خاصة وسن قانون مصرفي لتركيز السلطة في يد محافظ بنك السودان الموالي لهم. واصدار مرسوم يقضي بتصفية كافة مؤسسات القطاع العام بلا استثناء،(الصناعية والزراعية والخدمية) بما فيها الرابح منها، وبيعت باسعار بخسة، وبيع العديد منها لافراد في الحزب الحاكم ..الخ

ثانيا: في الثقافة: اصدر النظام العديد من القوانين التي تكبل الحركة الثقافية والفنية والمسرحية في البلاد. وحظر المراكز الثقافية الاهلية والمستقلة مثل مركز الخاتم عدلان والدراسات السودانية ومركز محمود محمد طه وعلي الزين وبيت الفنون، وحل اتحاد الكتاب السودانيين، مبرزا عداءه التام للجمعيات الثقافية والادبية والمسرحية والفنية الاهلية. كذلك قام بهجوم شرس متواصل على الفنون بكافة اشكالها والتي تعبر عن تنوع وتعدد فنون وثقافات شعوب السودان. وتمادى في شن الحرب عليها ومحاصرتها ومنع انتشارها وسد الطريق امام حوار الثقافات والفنون السودانية بحرمانها من المنابر العامة الرسمية والاهلية ومن استعمالها للقنوات الفضائية المرئية والمسموعة، وعرض بعضها مشوها بما يتفق مع الرؤية الايديولوجية للنظام.

قام النظام ايضا بالهجوم المسعور المتواصل على الصحافة السودانية وفرض عليها الرقابة القبلية والبعدية والخطوط الحمراء والمصادرة المتعمدة لايقافها وتعجيزها، واعتقال الصحفيين ومنع الكثيرين منهم من الكتابة.

كذلك اقدم النظام على محاربة وتدمير الآثار العظيمة التي تمثل كنزا عزيزا وغاليا من تراث شعبنا واطاح بعدد من تماثيل عظماء شعبنا مثل تمثال الشيخ بابكر بدري باعتبارها اصناما مثل تلك التي في الجاهلية!!

الايديولوجية الطفيلية ومناهج التعليم:

طغى على هذه المناهج التوجه الاسلامي الكامل بالشكل الذي اخل بالتوازن الموضوعي بينه وبين المكونات الاخرى للمنهج الدراسي للدرجة التي يختلط فيها على القارئ او الدارس ما اذا كان هذا المقرر منهج للتربية الاسلامية ام اللغة العربية. واشتملت الكتب المقررة على الكثير من الآيات القرآنية والاحاديث والدروس التي بها عبادات وقصص ومآثر اسلامية. وكان المقرر في مجمله استعدائي ومنقصا لحقوق غير المسلمين من الطلاب، وبه العديد من الامثلة التي تدل على ذلك. ان تصميم ذلك المحتوى على النحو الذي عليه يضطهد حقوق المواطنة لغير المسلمين بالبلاد، كما يخرق المواثيق والاتفاقات الدولية كميثاق حقوق الانسان ويؤدي الى تهميش من هم غير مسلمين ومساومتهم ان يكونوا مسلمين او يتم اقصاؤهم واعتبارهم مواطين من الدرجة الثانية.

وحتى بالنسبة للمسلمين فان الجرعات الدينية الاسلامية بهذا القدر المكثف قد يؤدي الى نفور المسلمين من الدين، خاصة اذا وضعنا في الاعتبار الكم الهائل من السور والتي تبلغ للمثال فقط ، المقررة لتلاميذ (1-2-3) اساس هي 57 سورة وبها من السور من هي فوق قدرات الطفل في تلك المرحلة العمرية على الحفظ والاستيعاب.

اما منهج اللغة العربية فينحاز كله للعنصر والعرق والثقافة العربية فقط في بلد متنوع الاعراق والثقافات، بل ولديه مكوناته الثقافية الخاصة به والتي تميزه عن غيره من المجتمعات. وهناك غلبة الموضوعات التي تتحدث عن البيئة العربية او كتبها كتاب عرب، اضافة الى ذلك فان القصائد والمقالات والصور والرسومات والاشخاص وسحناتهم والامثلة والشواهد تدل في غالبيتها العظمى على سيادة العنصر العربي وتعرف اللغة كلغة وثقافة.

نجد ان المناهج موضوع الدراسة اهتمت بالبعدين الاسلامي والعربي اكثر من البعد السوداني لدرجة انه يمكن اذا تم سحب الدروس والشواهد التي تشير بصورة او باخرى للسودان، فانه يمكن تطبيق هذا المنهج باي بلد عربي اسلامي اخر.

وعلى ما للبعد السوداني من اهمية في التنشئة الاجتماعية السوية للمعلم وربطه بمجتمعه وبيئته. الا ان الكتب المقررة وخاصة في مستوياتها العليا لم تضع في اهتمامها اهمية تعريف المتعلمين ببلدهم والانتماء له ، وعكس الجوانب المشرقة فيه وحتى الشواهد التي اختيرت كانت قليلة ومتباعدة وباهته وسط طغيان الجانب الاسلامي والعروبي بالمنهج مما اضعف الاستفادة منها وقلل من امكانية المنهج في صياغة الشخصية السودانية المتكاملة التي تنتمي للوطن)

(راجع كتاب : التعليم والايديولوجية – التعليم في السودان بقلم د.احمد عوض احمد البشير)

ما أورده السفر القيم للمناهج التعليمية في السودان الباحث المتخصص د. احمد هو امر متعمد ومقصود لتطبيقه ايديولوجية شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة على السودانيين لجعلهم اكثر انصياعا ورضوخا لبرامجها ومشروعها الحضاري، وخاضعة خضوعا اعمى لكل ما تتخذه وتفرضه من قرارات. وهي تدعي ان افكارها هي الكمال والخاتمة، ومن يقف ضدها كافر وملحد وزنديق وغيرها من النعوت التي تنطبق على مطلقيها. فكل اناء بالذي فيه ينضح.

انها تستهدف ايضا انتاج اجيال مسطحة خاوية معرفيا وقيميا ووطنيا، اجيال اذعانية مغتربة تفتقر للحس النقدي المصادم ومشاعر الرفض والاعتداد بالانسانية وقيمها النبيلة، ليسهل استلابها وتزييف ارادتها والتحكم في مصيرها بكل يسر.

وكما أورد د. احمد عوض في سفره الذي اشرنا اليه، فان ضمن اساليب ايديولوجية الطفيلية الممعنة في الافساد والاغواء هو تقديم الهدايا والمزايا للفاعلين والنابهين فيهم وتصعيدهم سياسيا على نحو ما يحدث للقادة السياسيين والانتهازيين والخونة من ابناء الايديولوجيات الاخرى والطامحين من التكنوقراط، او اقتصاديا اغراؤهم بالحوافز والمناصب والامتيازات التي تجعل الفرد ينسلخ من طبقته كليا ويصعد للطبقة العليا صاحبة السلطة والسيطرة. او اجتماعيا نقله من بيئته الاجتماعية الفقيرة الى بيئة اغنى وتهيئة المناخ له لخلق علاقات اجتماعية(راقية) تمتد بالمعارف والصداقات والمصاهرة. او ثقافيا بتغيير الوعي الاجتماعي للفرد وعاداته وتقاليده وقيمه. او نفسيا بتغيير انماط سلوكه ومكونات شخصيته وقدراته الادراكية وانفعالاته وحتى انتماءاته وردود افعاله تجاه المواقف اليومية التي تمر به.

مع ذلك وبالرغم من المخاطر الرهيبة التي عملت وتعمل ايديولوجية شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة على تطبيقها في السودان واعادة صياغته وفقا لهذه الايديولوجية طوال ثلاثين عاما من حكمها، الا انها فشلت فشلا ذريعا، لانهم امسكوا بجانبين فقط من هذه الايديولوجية الاخطبوط، هما (1) كنز المال بكل انواع الفساد والنهب والفسوق والعيش في النعيم على حساب الشعب وافقاره وتجويعه. و(2) قهر الشعب بكل ما اوتوه من قوة لا ترحم، حتى الموت، وممارسة كل انواع التعذيب والبطش عبر اجهزة امنها المتعاظمة والتي تصرف عليها- لحمايتها- اكثر مما تنفق على احتياجات الشعب الضرورية.

يؤكد هذا الفشل المريع ان اجيال الشباب التي كرس لها النظام كل قدراته في وضع مناهج تعيد صياغته وتخلق منه اجيالا ذاعنة مطواعة رهن اشارة الرأسمالية الطفيلية وبكل انواع الاغراء والاغواء، هاهي تقف اليوم بالملايين شامخة مثقلة بكل الوعي والشجاعة والجسارة والاصرار والحزم امام قيادة القوات المسلحة فاتحة صدرها للرصاص الحي، هاتفه باسقاط النظام وكل ركائزه ودولته المسطحة والعميقة ومصرة على الحفاظ على اعتصامها ومظاهراتها الاحتجاجية، مهما عزت التضحيات حتى تنفذ كل مطالبها لتصفية النظام الطفيلي الفاسد وتقديم سدنته للمحاكم العادلة التي تقتص للشعب وشهدائه وسيواصلون نضالهم حتى اقامة الحكم المدني الوطني الديمقراطي ودولة المواطنة.

والنصر لشابات وشباب السودان الجسور

والعزة والمنعة لشعب السودان الذي انجبهم وعبد لهم الطريق.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).