عفواً العيب هو: أن تعف عند الوغى وتحف عند المغنم

بقلم/ أمين محمد إبراهيم.

العبسي عنترة بن شداد، هو أحد أسلافنا العظماء، و أحد أعظم فرسان و شعراء عصره، وقد بذ أقرانه ومجايليه في ذلك العهد البعيد في الفروسية و الشعر،َ كما أعطى علاوةً على ذلك، درسا بليغاً من دروس، مكارم الأخلاق عامة، والترفع عن الصغائر و الوضاعة خاصة، و ذلك بما قدَمه لقومه أو بالأحرى (لسادته المزيفين) و هو لا يزال وقتها يرسف في قيود العبودية (المذلة) فحرر ضميره و نفسه وروحه الأبية من ذل الرق و حلق بها في فضاء الحرية والانعتاق التام، بينما رمى من (رام إذلاله بالاستعباد) في حضيض عبودية الضمير والروح و ذلك في مأثرة قال فيها:

(يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم).

ولم يكن في تقديري من قبيل الصدفة أن استعار يوماً في ستينات القرن الماضي المفكر الفذ والقائد المناضل المرموق الشهيد خالد الذكر عبد الخالق محجوب مأثرة عنترة العبسي تلك وهو يلقى على مسامع رفاقه وتلاميذه في الحزب الشيوعي السوداني نصائحه الثورية الخالصة، بعيد انتصار الشعب في ثورة أكتوبر 1964م الشعبية المجيدة وهو يحثهم ويحضهم على البذل والعطاء، دون الالتفات للمقابل أو الغنم، وذلك في كلمات تلخَصت في:

(الثوري الحقيقي هو آخر من يأكل أو ينام أو هو بالأحرى من يحف عند الوغى ويعف عند المغنم).

في فضائية العربية الحدث و عقب إذاعة نتائج اللقاء الذي تم ليلة أمس 24/4/2019م بين ممثلين لقوى إعلان التغيير والحرية والمجلس العسكري الانتقالي، ظهر مَنْ عُرِفَ بالسيِد/ صديق يوسف ووُصِف أيضاً بأنه قيادي في الجبهة الوطنية للتغيير. فقال ما معناه أنه من العيب تجيير مثل هذا الحدث الوطني الكبير لصالح مجموعة دون الأخرى.

و شهد شعب السودان في الأيام الفائتة أنه و بإغفال تام لمأثرة سلفنا العظيم عنترة العبسي عن مكارم الأخلاق والترفع عن الصغائر والوضاعة التي اقتبسها الشهيد عبد الخالق في حديثه المار ذكره آنفاً، تحرك الإسلامويون ـ بعد سقوط نظام البشير الفاسد السفاح ـ ممثلين في أحزابهم التي تناسلت من جثة المؤتمر الوطني المقبور كتناسل الفطر بعد سقوط المطر، من جهة، وما عرف بهيئة علماء السودان و ما عرف بالائمة والدعاة، من جهة أخرى، ليحجزوا مقاعد لهم في قيادة الفترة الانتقالية المقبلة.

وفي هذا السياق كان حديث السيِد/ صديق يوسف المذكور أعلاه والذي لم أتعرف على شخصه في الواقع لأني لم أره من قبل، ولكني أرجح أنه من قادة أحزاب بقايا الاسلامويين أعلاه، كما أرجِحُ أيضا أن يكون ما قصده بالتجيير هو ما أقره المجلس العسكري بالدور الريادى والقيادي لقوى إعلان التغيير والحرية في قيادة شعب السودان لإسقاط حكم البشير الفاسد السفاح وما يتوقع أن يعقب ذلك من تشكيل أجهزة الحكم البديلة بالمشاركة مع قوى التغيير والحرية (وحدها) كممثل فرد و دون منازع للجماهير الثائرة التي هزمت نظام الطاغية، وألقت به في مكانه اللائق بمكب نفايات التاريخ.

و في ذات السياق أيضاً كان الفريق زين العابدين (العضو المستقيل من المجلس العسكري) قد اجتمع بما عرف بهيئة علماء السودان و الآئمة والدعاة الذين تحدثوا إليه (بلغة غاية في الاسفاف والتسفل) عن عدم السماح (لصعاليك) قوى التغيير والحرية باستلام الحكم، كما اجتمع الفريق طيار عبد الخالق سعيد مسؤول اللجنة الاجتماعية بالمجلس العسكري الموقر بما سمتهم بالدعاة والائمة فأوغلوا ـ باستثناء شاب واحد من المتحدثين قال كلاماً طيباً ـ في الاسفاف و التسفل لإبداء عدائهم للثوار وقيادتهم. فأفرغوا ما بجوفهم من قيئ شتيت حشدهم هذا الذي جمع فلول المؤتمر الوطني ورادفته من أحزاب (الشقق المفروشة) التي كانت مستأجرة للبشير من الباطن وما زالت مستأجرة لورثته الشرعيين وهي الجماعات التي شاركته الحكم في ما عرف بحكومة (الوفاق ومهزلة حوار الوثبة) المستمرة حتى 11/4/2019م، حيث هوى الصنم. وعليه فلا غرابة أن يهب عبدة ذلك الصنم لنصرته بالوقوف ضد الثوار صانعي ثورة التغيير الحقيقيين بقيادة قوى ميثاق التغيير والحرية.

وفي ذات السياق أيضاً نشرت صحيفة الراكوبة الالكترونية بتاريخ 23/4/2019: عن مصدرها ما يلي:

اجتمع ممثلون لما يعرف بهيئة علماء السودان وقادة أحزاب (التوالي وحوار الوثبة وحكومة الوفاق مع السفاح الساقط البشير حتى لحظة سقوطه) وهم:

عبد الحي يوسف عما يعرف بهيئة علماء السودان.

سمية أبو كشوة عن المؤتمر الوطني.

علي الحاج عن المؤتمر الشعبي.

حسن إسماعيل عن الأمة القيادة الجماعية.

تابيتا بطرس عن الحركة الشعبية السلام.

بحر إدريس أبو قردة عن التحرير والعدالة.

أحمد بلال عن الاتحادي.

الحسن الميرغني عن الاتحادي الديمقراطي.

اجتمع المذكورون أعلاه مع الفريق عمر زين العابدين ( عضو المجلس المستقيل) وفوضوه باسم هيئاتهم وأحزابهم بعدم تسليم السلطة لليسار والشيوعيين فيما يسمى بقوى التغيير (مهما حصل) وطالبوا (أخيهم في التنظيم وأميره في الجيش) الفريق زين العابدين بتكوين حكومة من التكنوقراط تقود البلاد بحماية الجيش.

ومن هؤلاء من وصف المحتجين والمعتصمين (في فيديوهات محفوظة وموثقة) بأنهم من العلمانيين والشيوعيين دعاة شرب الخمر والرذيلة. و نحن نؤكد أن المحتجين والمعتصمين هم غالبية الشعب بمختلف مكوناته الفكرية والسياسية والاجتماعية وفيهم العلمانيين والشيوعيين والاسلاميين والليبراليين وغيرهم وليس فيهم دعاة شرب الخمر والرزيلة. ونؤكد أن علماء سلطان السوء المجتمعين يومها قد سكتوا كالشياطين الخرس و أغمضوا عينهم عن ممارسي الرزيلة الحقيقيين وعن الفساد المالي والاداري لمسئولي وقادة نظام السفاح الفاسد وحزبه الساقط كما سكتوا عن فضائح و رزائل مورس بعضها (والعياذ بالله) في بيوت الله و بعضها في نهار رمضان وبعضها في مكاتب الحكومة وفي مركباتها أو باستخدامها بواسطة متنفذين في القصر في قضاء أوطارهم الساقطة و صمت هؤلاء الكاذبون صمت القبور، كما صمتوا حينما أعفى رئيسهم أحد قادة حزبه وقد اغتصب فتاةً بعد أن حكمت المحكمة بسجنه.

يقر الثوار والمعتصمين (من الجنسين) بمختلف انتماءاتهم في مكونات قوى التغيير والحرية و يعترفون بأنهم ليسوا وحدهم في التغيير و إنما كان وما زال معهم في كل معاركهم شباب ثوار كثر من الاسلاميين والاتحاديين  وغير المنتمين لأحزاب و من مختلف مكونات شعب السودان السياسية والاجتماعية والنقابية و قد شاركوا معهم يدا بيد في ملحمة إسقاط حكم البشير الفاسد ودفعوا ضريبة ذلك أرواحا طاهرة ودماء زكية وصمدوا معهم كتفاً بكتف في إخوة وطنية صادقة في وجه بروج الردى التي شيدتها مليشيات وكتائب ظل النظام وآلات ضربه الوحشي وتعذيبه وتنكيله في الخرطوم والمدن الأخرى. ولذا فإن قوى التغيير والحرية لم تطالب ( ولا يحق لها ابتداءً أن تطالب) بعزل أحد من هؤلاء المشاركين و المساهمين في التغيير أو إقصائه.

بيد أن ذلك لا يعني مطلقاً أن يشارك قوى ميثاق التغيير والحرية في بناء وتكوين النظام البديل لنظام السفاح الفاسد الساقط من كانوا حتى صبيحة 11/4/2019م يقفون خلف مدافع مليشيات النظام وكتائب ظله في مواجهة المحتجين والمتظاهرين في شوارع الخرطوم ومدن السودان المختلفة. أن يشارك من كانوا و ما زالوا معتصمين أمام القيادة العامة، من شاركوا أو ناصروا أو ظاهروا المتلثمين الذين كانوا يستهدفون أرواح شهدائهم و دماء جرحاهم، باستهانة (لا مثيل لها) واستسهال (لا نظير له) لمحق حياتهم وإهدار دمائهم وهي مشاهد مدونة ومحفوظة وموثقة. و إذا كان ثمة غافل ممن يراهنون على وهن ذاكراتنا فإننا نذكرهم بحكمة العارفين ببواطن الأمور بوصفهم الخرطوم بأنها مدينة لا تعرف الأسرار. فأقوال المسئولين التي يتداولونها سراً وراء الجدران السميكة في الغرف المغلقة، سرعان ما تغدو مع شروق شمس اليوم التالي في الخرطوم وغيرها في ألسنة السابلة في الشوارع وأحاديث الباعة المتجولين وبائعات الشاي والكسرة.... إلخ لذا عرف الناس كل من قال اضرب لتقتل (SHOOT TO KILL) و سمعوا بآذانهم ورأوا بأعينهم من قال القصاص هو الاعدام والقتل. و عرفوا من أفتى برأي مالك في حق الحاكم في قتل ثلث الشعب ليحكم (ثلثي الشعب الفضل) هؤلاء كلهم معروفون بأسمائهم). كما عرف الناس من قال من قبل في آخر أيام نظام نميري : (SHOOT TO KILL). و عرفوا في ذات الوقت من تصدوا له بالقول: (شرطة وجيش السودان مهمته الحفاظ على حياة شعبه لا إطلاق النار عليه وقتله) وهم أبناء الشعب الأوفياء الضباط العظماء الفريق عباس مدني و الفريق أحمد وادي حسن و الفريق إبراهيم أحمد عبد الكريم عليهم رحمة الله تعالى ورضوانه. وزمان هؤلاء القادة العظماء عهد يحلم شبابنا و كنداكاته أن يستعيدوا تاريخه الناصع المجيد للمؤسسة العسكرية الوطنية القومية المحايدة و هو تاريخ فقدته منذ انقلاب 30 يونيو 1989م المشؤوم الذي حول المؤسسة العسكرية والخدمة المدنية بقياداتها واداراتها وبرنامجها إلي مؤسسات حزبية خاصة بالإسلامويين.

وفي تقديري أنه يخطئ التقدير تماماً من يعتقد أن شباب الثوار والكنداكات وقادتهم كانوا يخوضون النار طوال ما يقارب الخمس أشهر ويقدمون الشهيد تلو الشهيد و يروون تربة الوطن الطاهرة بدمائهم العزيز ويصمدون في وجه الاعتقال والضرب والتعذيب الوحشي لأجل أن يأتي و يشاركهم في قطف ثمار ثورتهم من كانوا يشاركون القتلة في حصد أرواحهم وسفك دمائهم وهم يراهنون على انكسار الثوار أمام آلة القتل والقمع والتنكيل أو من كانوا على الرصيف لا يستنكرون هذا القتل المجاني أو كانوا (في أحسن الفروض) فوق مقاعد (المتفرجين) وكأن الأمر لا يهمهم وكأن أرواح السودانيين لا قيمة لها و دماء السودانيين مياه . و من باب إحقاق الحق نذكر أنه قبل الاعتصام أمام القيادة العامة في 6 إبريل 2019م أن هناك حالات فردية في المؤسسة العسكرية رفضت الاستجابة لأوامر لجنة الأمن والدفاع قتل المتظاهرين أما بعد ذلك الاعتصام فقد رفضت مجموعة من شرفاء القوات المسلحة الانصياع إلي أوامر فك الاعتصام بإطلاق النار على المعتصمين ثم ما لبث أن تحول هذا الموقف الوطني البطولي إلي صد كتائب ظل ومليشيات البشير           و قناصة أمنه والرد على الرصاص الحي بالرصاص الحي فسقط من القوات المسلحة الشهداء الأبرار واختلطت دماؤهم الطاهرة الزكية بدماء إخوتهم وأخواتهم المحتجين المعتصمين (رمز إيمان جديدٍ بالفداء ولإيمانٍ جديدٍ بالوطن).

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).