انحياز للثورة أم انقلاب؟!

خيارات المجلس العسكري الانتقالي

بقلم/ محمد الصادق العوض

ما يحدث في السودان ثورة شعبية مكتملة الأركان ، فلقد انتفض الشعب السوداني بجميع مكوناته ومناطقه تحت قيادة موحدة (قوي الحرية والتغيير) التي تكونت من تحالفات نقابية وتحالفات سياسية وكيانات وأحزاب سياسية (تجمع المهنيين ، قوي الإجماع الوطني ، قوي نداء السودان ، تجمع الاتحاديين المعارض ، الحزب الجمهوري)  وارتضت هذه القوي التوقيع علي إعلان الحرية والتغيير ، الذي أعلن عن أهدافه بكل وضوح ، وقادت الشعب السوداني (الذي استجاب بكل رضا ورغبة لقيادتها)  مستخدمة كل أشكال المقاومة السلمية من إحتجاجات ، ووقفات إحتجاجية ، وإضرابات ، واعتصامات ، إلي أن توجته بموكب 6 أبريل الحاشد ، والذي وصل لقيادة القوات المسلحة منفذاً إعتصامه أمامها ، طالباً إنحياز الجيش للثورة ، وفعلاً استجابت القوات المسلحة ، وأجبرت عمر البشير على التنحي، بذلك حققت ثلث الهدف الأول من إعلان الحرية والتغيير الذي نص علي الاتي : (أولاً : "التنحي الفوري للبشير ونظامه من حكم البلاد دون قيد أو شرط" ) تنحي البشير ، وتبقي نظامه ، وتلكأ المجلس العسكري الانتقالي في تسليم السلطة لقيادة الجماهير المنتفضة المتمثلة في قوي الحرية والتغيير . رغماً عن تأكيده المتكرر برغبته بتسليم السلطة ، برهان لـ"جوبا" : السلطة ستنقل إلي الشعب في أقرب فرصة ، قوي الحرية والتغيير تسلم المجلس العسكري مقترحاتها بشأن تشكيل الحكومة ، البرهان : سننقل السلطة للشعب في أقرب وقت .

  • هل القوات المسلحة انحازت أم أحدثت انقلاباً

كل المؤشرات الظاهرية تدل علي أن القوات المسلحة إنحازت للثورة الشعبية بقيادة قوي الحرية والتغيير ، وحتي تصريحات البرهان رئيس المجلس العسكري الانتقالي تؤكد علي ذلك فلقد قال : (نحن مكملون للانتفاضة والثورة في السودان ، وأن ما حدث ليس انقلاباً ، ولسنا في خصومة مع أي جهة) . الجزء الأخير من تصريحه (ولسنا في خصومة مع أي جهة) يربك حديثه في الاول (إكماله للثورة والانتفاضة في السودان) ، فما دام تم الاعتراف من جانبه بأن ما يحدث في السودان ثورة وانتفاضة ، فمن البديهي أن الثورة والانتفاضة تكون من الشعب وقيادته ضد القوي الممسكة بمقاليد السلطة، وبالتالي ما دمت مع الثورة فلابد أن تقف معها ضد القوي المنتفض، والتي ثار الشعب عليها ، وبالتالي فلابد أن تكون في خصومة سياسية معهم ومع برنامجهم الذي قاد الشعب للثورة والانتفاضة عليه ، ولا تعرف الثورات حياد (فلست حكماً في مباراة كرة قدم) خصوصاً إذا كنت علي رأس السلطة العسكرية التي جاءت بأمر الجماهير .   

  • الفترة الانتقالية

  إذا سلمنا جدلاً بأن المجلس العسكري انحاز لثورة الشعب ، فكان من الضروري أن يطلع علي نداء الحرية والتغيير الذي وقعته وارتضت بالعمل به القوي التي قادت الجماهير وما زالت في قيادتها للثورة ، والتي اتفقت علي أن تكون الفترة الانتقالية (4) سنوات ، خلالها وضعت برنامجاً طموحاً يخرج الوطن من وهدته ، ولكن المجلس العسكري الانتقالي ضرب بعرض الحائط  بمدتها ، وحدد (2) سنة كفترة انتقالية ، وبالتالي أختلفت مدة الفترة الانتقالية للقوي التي قادت الثورة عن القوة التي انحازت لها .

  • فترة إنتقالية 4 سنوات لماذا ؟

عندما حددت قوي الحرية والتغيير الفترة الانتقالية ب(4) سنوات ركزت في  إخراج الوطن  من الدائرة الشريرة (انقلاب – ثورة شعبية – فترة انتقالية غير كافية –انقلاب-ثورة) ووضعت برنامجاً طموحاً في الفترة الانتقالية يضع الوطن في "التراك" السليم . ودعونا نلقي الضوء علي هذا البرنامج الطموح أولاً : "وقف الحرب بمخاطبة جذور المشكلة السودانية ومعالجة أثارها بما في ذلك إعادة النازحين واللاجئين طوعاً إلي موطنهم الأصلية وتعويض المتضررين تعويضاً عادلاً وناجزاً ومعالجة مشكلة الأراضي مع المحافظة علي الحواكير التاريخية" . فإذا قادت المساومة التي تمت في نيفاشا إلي انفصال الجنوب ، فإنها تعتبر سابقة خطيرة ، لا نريد لها التكرار في أي جزء من أجزاء وطننا الحبيب ،وبالتالي لابد من إجراءات حاسمة تمنع الوطن من السير في هذا الاتجاه ( التفتت ) بإيقاف الحروب ،  ولا يوجد أنجع من الطريق الديمقراطي الحقيقي الذي يتيح للتنوع الذي يذخر به السودان للتعبير عن نفسه ورغباته وتطلعاته و أن يجد ذاته في السلطة التي تحكمه من أعلي مستوى إلى أدناه ، ويشعر بأنه جزء فعال في إصدار القرارات والتشريعات التي تحكمه . وحتى نتفادى كارثة التشظي لابد من حكومة قومية انتقالية  تكون مهامها : الحل العادل لأزمة دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ، و"عمل ترتيبات أمنية نهائية مكملة لإتفاق سلام عادل وشامل" .

  • العمل علي تحسين معاش المواطنين

ثانياً : "وقف التدهور الأقتصادي وتحسين حياة المواطنين في كل المجالات المعيشية" . لا يخفي علي الجميع المعاناة الكبيرة التي يتكبدها معظم المواطنين في الحصول علي الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب وعلاج ، وخدمات متدنية فأزمات الإمداد بمياه الشرب والكهرباء ظلت حاضرة في معظم مناطق السودان ، وحتي العاصمة المركز ما عادت إستثناء ، والمواطنين ملوا الوعود المتكررة من النظام البائد . والسودان يتمتع بإمكانيات وموارد طبيعية كبيرة تحتاج لإدارة فعالة ونزيهة تضعها في خدمة المواطنين ، وليس في خدمة الفساد والمفسدين . فمن أولوية الحكومة الانتقالية إيقاف التدهور الاقتصادي وتحسين مداخل العاملين والمواطنين والاجهزة النظامية ، والقضائية ، وإيقاف مظاهر التدهور الاقتصادي ، للإنتقال بالمجتمع السوداني من الاستهلاك لمرحلة الاهتمام الكبير بالانتاج والمنتجين . "مع التزام الدولة بدورها في الدعم الاجتماعي وتحقيق التنمية الاجتماعية من خلال سياسات دعم الصحة والتعليم والإسكان مع ضمان حماية البيئة ومستقبل الآجيال".

  • العمل علي سيادة حكم القانون :-

ثالثاً :- "إعادة بناء وتطوير المنظومة الحقوقية والعدلية ، وضمان استقلال القضاء وسيادة القانون" .

رابعاً : "الإشراف علي تدابير الفترة الانتقالية وعملية الانتقال من نظام شمولي يتحكم فيه حزب وأحد إلي نظام تعددي يختار فيه الشعب ممثليه ، مع إعادة هيكلة الخدمة المدنية والعسكرية (النظامية) بصورة تعكس استقلاليتها وقوميتها وعدالة توزيع الفرص فيها دون المساس بشروط الأهلية والكفاءة ". تشيد دولة القانون شرط لازم لإدارة التنوع الذي يذخر به السودان ، وخطوة ذات أهمية بالغة في تحقيق السلام الحقيقي (رضاء الجميع وقبولهم بالاحتكام لمؤسسات الدولة السودانية التي يشاهدون أنفسهم فيها والتي تعبر عن تطلعاتهم).

  • عناية خاصة بالمرأة

خامساً : "العمل علي تمكين المرأة السودانية ومحاربة كافة أشكال التمييز والاضطهاد التي تتعرض لها" . عانت المرأة السودانية أشد المعاناة في ظل حكم النظام البائد ، فلقد تعرضت لإطهاد مزدوج بوصفها مواطن سوداني تعرض وعاني من سياسات اقتصادية فاشلة ، وبوصفها النوعي أنثي تعرضت لقوانين مذلة لكرامتها الانسانية كقانون النظام العام الذي وجه لإذلال المرأة السودانية ، رغماً عن الأدوار الكبيرة التي لعبتها في الحفاظ علي تماسك الأسر والعائلات ، وكان لها الدور المعلا في أزمة دارفور عندما ظلت موجودة بجانب الابناء والبنات في المعسكرات وجمعت شملهم ، وبحثت عن فرص العمل الهامشية حتى تبقيهم على قيد الحياة ، وتبحث لهم عن مدارس ليلتحقوا بها وتحافظ علي مستقبلهم .

  • إدارة العلاقات الخارجية

سادساً : " تحسين علاقات السودان الخارجية وبناؤها علي أسس الاستقلالية والمصالح المشتركة والبعد عن المحاور مع إيلاء أهمية خاصة للعلاقة مع أشقائنا في دولة جنوب السودان" . إصرار قوي الحرية والتغيير للإمساك بالسلطة السيادية لأهمية إدارة العلاقات الخارجية بصورة تحفظ للسودان استقلاله ، وكرامته وتحدث تغيرات جوهرية تبعد السودان نهائياً من المحاور في الفترة الانتقالية  . من أهم الاسباب التي جعلت الشعب السوداني يثور علي النظام البائد تجاهله وعرضه للسيادة الوطنية في سوق الله أكبر لمن يدفع من الدول ، وجعل لمواقفه ثمناً ، وأصبح الجنود السودانيين والمواطنيين عرضة للبيع للقتال في معارك الغير مقابل حفنة من الدولارات ، وقام بإيجار موانئ السودان واراضيه لفترات طويلة للدول الاجنبية ، مما جعل مطامع دول الجوار في موارد السودان تتزايد ، فلذلك لابد لحكومة الثورة المدنية أن تمسك بهذا الملف الحساس والقابل للشراء والمساومة ووضعه في "التراك" السليم الذي يحفظ للسودان استقلالته وسيادته الوطنية . ونضع في بالنا أن الاختلاف في إدارة هذا الملف هو الذي يبطيء تكوين الحكومة المدنية الانتقالية، حيث أفصح أخيراً المجلس العسكري الانتقالي برغبته في الحفاظ بالسلطة السيادية . ففي حوار مع فضائية (الحدث) يوم الخميس 25 أبريل الجاري ، اللواء شمس الدين كباشي المتحدث الرسمي بأسم المجلس العسكري الانتقالي قال : (إن المجلس العسكري سيحتفظ لنفسه بالسلطة السيادية خلال الفترة الانتقالية والتي حددها بعامين) والاستفادة من الاموال المسترجعة من الفساد والمفسدين، خصوصاً في مجال البترول ، والأراضي في إدارة الفترة الانتقالية بدلاً عن الهبات وعطايا الدول ذات الأغراض المعروفة، والتي تنتقص من استقلال الوطن ، ويأتي في نهاية الفترة الانتقالية  الخاصة بقوى الحرية والتغيير" إقامة مؤتمر دستوري شامل لحسم كل القضايا القومية وتكوين اللجنة القومية للدستور" . ومن ثم إجراء انتخابات حرة ونزيهة بمشاركة الجميع في السودان ، لنبدأ حقبة جديدة تكون الكلمة فيها للحوار والبرامج ، بديلاً عن العنف والرصاص .  

  • سودان جديد

تبدأ حكومة الثورة عهدها: "بوقف كافة الانتهاكات ضد الحق في الحياة فوراً ، وإلغاء كافة القوانين المقيِّدة للحريات وتقديم الجناة في حق الشعب السوداني لمحاكمة عادلة وفقاً للمواثيق والقوانين الوطنية والدولية" .

 هذا ما توافقت قوي الحرية والتغيير عليه قبل نجاح الثورة ، وهو مفتوح للقوي السياسية والحركات للتوقيع عليه . وتسعي وتصر علي أن يكون برنامج الفترة الانتقالية المحددة من قبلها بأربع سنوات ، حتي تضع الوطن في "التراك السليم" ، وترسي دعائم الاستقرار والحرية والسلام والعدالة ، ليأتي دور جميع القوي السياسية من دون عزل لأي منها للتباري في كسب أصوات المواطنيين في ميدان تم تسويته بقوانيين ديمقراطية تتيح حرية التعبير والتجمع وكل وسائل التعبير الديمقراطي ، وأجهزة نظامية وخدمة مدنية محايدة في خدمة المواطن ورفاهيته وتطلعاته ، بمعنى أن قوي الثورة السودانية تحتاج لاربع سنوات تصحح فيه الاخطاء والفساد الذي خلفه نظام الانقاذ الذي أستمر لما يقارب الـ30 عاماً ، وبالتالي فإن علي المجلس العسكري الانتقالي الاختيار بين دعم الثورة والوقوف إلي جانبها بتسليم السلطة كاملة للقوي التي قادتها (قوي الحرية والتغيير) بما فيها الإشراف علي إدارة السلطة السيادية ، وبين الوقوف في صف الثورة المضادة والاصرار علي دعوة أحزاب الحوار الوطني لتسليم رؤيتها وبرامجها المحفوظة سلفاً التي تعتمد علي المحاصصة ، والتي بالطبع قادت الوطن للحالة المزرية التي يعيشها الآن .

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).