مفهوم المواطنة وإلتفاف القوى المضادة

بقلم/أحمد الفاضل هلال

إن أزمة الدولة التقليدية ليست جديدة، هي معقدة وشائكة وموغلة في تاريخ من الإقصاء وعدم الاعتراف بالتنوع واحترام حق الاختلاف. وبعد وفاة الرسول مباشرة وفي سقيفة بن ساعدة برزت أسئلة حول صيغة الحكم في اختيار الحاكم: هل بالتوصية أم الانتخاب، ومن هم أولى بالتسييد والإدارة؟ ولعل قضية المواطنة كمفهوم جنيني كانت حاضرة بين من لهم الحق بالأقدمية وبين اللاحقين بالدعوة والذين كانوا يأملون في تداول السلطة بالمفهوم الحديث. إن الرسالة والنبوءة هي مواضيع إلهية ويختص بها الله بمن يصطفيه،إلا أن الدرس الاهم الذي لم يتم استيعابه بعد هو ان الرسول لم يختار أو يوصي بتولية أي شخص مما يعني بكل البساطة أن إدارة شئون الدولة ليست مسألة إلهية، وإنما هي مسألة متروكة وتخص البشر وعلى الطرف التاريخي وتوازن القوى الاجتماعية، "إن المؤمنين اخوة" ولا فرق بين اعرابي واعجمي.

 إن المؤمنين هنا مفهوم شامل ولا تعني غير المواطنة المتساوية بغض النظر عن الانتماءات والانتساب لعموم الفرعيات.

إلا أن انتصار التيار السلطوي وبمشاركة بعض رجال الدين بإضفاء تفسيرات قاصرة على الفهم السليم لحقيقة الحكم قد الحق تشوهات بالدين الذي يدعو للمحبة والعدالة والمساواة. ان انتصار التيار السلطوي منذ استيلاء بنو امية على السلطة وحتى اليوم أغرق حياة المسلمين في أنهار من الدماء والمرارت بسبب العجز في فهم ان اساس الحكم هو مدنية الدولة التي تقوم على المواطنة المتساوية، والتي تعني اختصارا احترام التنوع والاختلاف في ظل وجود منظومات متعددة.

ولو استعدنا تاريخ وخارطة الأحداث لوجدنا لوحة سريالية شديدة التشكل والتنوع للمنطقة، من حيث الإثنيات من العرب وهم قبائل شتى كل منها له حدوده الجغرافي وعصبيته من حيث الجغرافيا هنالك أهل المشرق والمغرب ومن حيث المذهب هنالك أهل السنة، وما بينهم من تشكيلات وكذلك الشيعة، هنالك من يختصر مالكي/ حنبلي/ وشافعي/.

 ومن حيث التشكيلي البيئي والمناخ هنالك بدو الصحاري واهل الحضر ومن حيث الانتساب للحضارة والثقافة هنالك اهل الحضارات القديمة وحضور ثقافة المجتمعات الرعوية.

 هذا التنوع الواسع والهائل فلقد اثبتت التجربة والتاريخ استحالة اختزاله في تيار واحد او استيعابه في وعاء ضيق واحد، هذا ثراء شديد التباين والحساسية، ويستلزم الاعتراف بوجوده كحقيقة ملموسة وان له ايضا خصوصية يجب اعتبارها فالوحدة تقوم على اساس التنوع، وليس القهر او التجاهل كما تقوم به الدولة التقليدية.

على العموم ان فكرة ما يسمى بالدولة الدينية تقوم على أساس التمييز والإقصاء والنفي وعدم المساواة في الحقوق كموقف سياسي، وهذا وفق تفسيرات وتصورات سياسية جاهزة كالأرض الإسلام وأرض الحرب أو ديار المسلمين وديار الكفر كل هذه الاكلشيهات لا يمكن ان تلتقي مع مفهوم المواطنة المتساوية والدولة المدنية الديمقراطية، ومفهوم الحقوق والحريات الذي يفترضه التطور الإنساني. وحقيقة أن مفهوم الدولة الدينية يجد نفسه اليوم في مأزق كبير بإعلان اسرائيل قانون القومية الذي يعرض المواطنة وفق الإنتماء الديني، فكيف لدعاة الدولة الدينية مواجهة اسرائيل التي تصرفت وفق منطلقاتهم الإقصائية نعم أنهم أمام تحدي كبير يصيب إدعاءاتهم في المقتل.

إن من أخطر المهددات التي واجهت ولازالت تواجه المجتمعات الإسلامية هو عدم الاعتراف بالتنوع، لأنها لها التزامات بالحقوق وعدم الاعتراف هذا يعني آليا عدم الاعتراف بالمواطنة كقضية تطور تاريخي، ولكنها قضية بإبعاد إنسانية عميقة.

إن المواطنة هي أساس تقوم عليه الدولة المدنية الديمقراطية وأن المواطنة في جوهرها هي الحاضنة للتنوع. ولا يمكن تقسيم البشر على أساس المعتقد أو الفكر، لكن الانتماء للإنسانية.

إن صعوبة التعايش بين المكونات المختلفة في الدولة الأحادية القائمة على الخيارات الدينية هي صعوبات ناتجة عن غياب مبدأ أساسي هو الإقرار بالمواطنة المتساوية، والتي تلغي كافة الامتيازات الممنوحة لفئة محدودة على اساس انتمائها لدين او طائفة محددة. وان الدفاع عن الدولة الدينية هو موقف سياسي وايديولوجي في الاساس ولا يستند على الدين في شيئ.

إن المواطنة المتساوية تعني ليس تلميحا، ولكن حقيقة المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات فالدولة وقوانينها هنا لا تفرق بين المواطنين باعتبار ان هنالك جماعة عليها يقع ثقل الواجبات واخرى تتمتع بالحقوق وتتلذذ بمظالم الاخرين ليس لسبب سواء لانتمائها للطبقة المهيمنة على السلطة.

واليوم وعلى المسرح السياسي المفتوح نشاهد استحالة العيش بين اصحاب الديانة الواحدة الذين فارقوا الخيار الأرحب لدولة المواطنة والذين اختاروا وانحازوا للفرعيات والمغانم المؤقتة والعوالم الصغيرة، يكفي ما نعيشه من صراع دامٍ بين الشيعة والسنة اهل الدين الواحد، وايضا على مستوى الاديان مسيحي مسلم يهودي وبوذي، هذا الاحتقان يشير بوضوح ان الاختيار الوحيد الممكن للخروج من هذه الورطة وهذا المأزق السياسي هو اعتماد نظام سياسي جديد عنوانه الدولة المدنية الديمقراطي أي دولة المواطنة ولا يمكن لأي توليفة من حطام ممارسة الدولة التقليدية المنتهية الصلاحية أن تكون جزءا من حل هذه الأزمة التي تأسست على الإقصاء، وهذا لا يتحقق إلا بقيام دولة مدنية ديمقراطية مع القطيعة مع الماضي المستبد.واستدراك ان سمة العصر هو الانتصار للحقوق على الرغم من الانتكاسات ومقاومة القوة المضادة في نسختها الجديدة الشعبوية، التي تتجرأ بين العرق والدين. ان هذا العهد ليس هو عهد قادة يتفضلون على شعوبهم بالحقوق، انه ليس التسامح الذي يعني الامتنان والتصدق للآخر من حقك الشخصي وليس حقوقه التي اغتصبت لقرون باسباب مختلفة منها الديني او مفاهيم خاطئة عن الاغلبية والاقلية في الحقوق او السمو العرقي والنقاء.

إن الحياة في تنوعها الواسع تقوم على حرية الاختيار وعلى الكرامة الانسانية ولا معنى او طعم للحياة بدون احترام خيارات الإنسان. فالحياة تقوم على الانفتاح وليس الانغلاق وعلى سماع الآخر وليس على الفكر كنوع للتصنيف.

فالدولة الدينية تقوم على الاستعلاء والإزدراء والحط من قيمة الآخر. وهي ليس في مقدورها ان تغير طبيعتها لانها ضد الديمقراطية والاختيار الصحي والسليم وهي عكس المواطنة التي تستند على ركائز دستورية وقانونية وحقوقية واخلاقية، وبالتالي ليست هي مفهوما مجردا او منحة بل هي قضية نضال شاق لانها ضد الامتيازات واوهام التفوق التاريخية لا يمكن لاي جهة تسلخ الانسان من انتمائه الوطني والسياسي والديني والعرقي وعلى رغم من انها فرعيات كتجليات فرعية؛ ولكنها حقوق.

وكذلك على رغم من انها حقوق شخصية ولكنها يجب الا تتحول الى أداة لهدم المجتمع والاعتداء على حقوق الآخرين.

يجب ان يتواصل النضال في ظل الهجمة الجديدة على الحقوق من الجماعات الشعبوية والفاشية والمتطرفة لتعزيز مفهوم المواطنة كحق إنساني اصيل والعمل على جعل المواطنة المرآة التي تعكس حقيقة المساواة بين جميع مكوناته اولا وكسلوك مجتمعي وحقوقي ليس بقوة القانون فقط ،ولكن بسلاح الوعي ومن منظور إنساني نبيل.

واحترام كل ما هو شخصي طالما هو اختيار وطالما لا يتأذى منه المجتمع. والنضال ضد الادب والفقه السلطوي المستبد ومع العمل على جعل المواطنة والحقوق متجذَّرة في الواقع كثقافة وأدب يومي.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).