الثورة السودانية و جدلية الحلم و الواقع في السودان

يوسف عبدالله عبيد

لاشك ان الثورة في السودان تمر بمنعطف تاريخي مهم قد يحدد مدي نجاحها او فشلها في احداث التغيير المرتقب في السودان في المرحلة المقبلة. و لكن اذا اردنا ان نعبُر بالثورة لبر الأمان فينبغي علينا الاسترشاد بتجارب الثورات في العالم و استخلاص الدروس المفيده من نجاحاتها و إخفاقاتها. اهم هذه الدروس هو  ضرورة التمسك التام بكل الأهداف التي قامت من اجلها الثورة لضمان نجاحها. ومن ضمن تلك الأهداف ما جاء فى ميثاق الحرية والتغيير : تنحي نظام البشير الفاسد بكل اشكاله و هياكله التنظيمية من حكم البلاد دون قيد او شرط، و تشكيل حكومة انتقالية قومية من كفاءات وطنيه، يتوافق عليها جميع اطياف الشعب السوداني، تحكم لأربع سنوات.

الثوره في جوهرها هي اعلي درجات صناعة الأمل في المجتمع. الثورة عباره عن حلم جميل و مشروع يصنع ما يبدوا مستحيلاً أمام تعقيدات الواقع، و لكن ما يجعله ممكناً هو الإيمان العميق بحتمية الانتصار علي قوي الظلام و الاستبداد و الثقة القوية بمقدرة الجماهير علي إنجاز التحول المنشود في المجتمع.
ان مقومات اي ثوره هي وجود فكرة ملهمة للجماهير يمكنهم الالتفاف حولها مثل فكرة بناء سودان جديد. مهمة العملية الثوريه هي تحويل هذا الحلم الي واقع بازالة العقبات مستعينة بكل أدوات العمل النضالي المتاحه و لكن يظل الأمل هو وقود الثوره الأساسي.
يظن كثيرون ان المرحله الحاليّه تتطلب حنكة سياسيه تطبّق الأحلام الثوريه وتنزلها الى أرض الواقع للوصول الي حل عملي و مرضي للثوار و المجلس العسكري يمكن تجسيده سياسياً. ولكن اثبتت التجربة العمليه ان هذا ليس بالضرورة هو الطريق الذي يؤدي الي نجاح الثورة. فمن المعروف ان في كل ثوره ينشأ تياران من داخلها. التيار الأول يمكن تسميته بالتيار الإصلاحي و هو عادة ما يسعي لتقديم تنازلات والقبول بما تيسر للثورة من نجاح جزئي. و يستند هذا التيار في حججه علي  أسباب مثل الخوف من ضياع مكاسب الثورة و تجنب الفوضى والانفلات الأمني. التيار الآخر يمكن تسميته بتيار التغيير الجذري و هو عادة ما ينادي باقتلاع النظام الديكتاتوري من جذوره و عدم القبول باي حلول جزئية.
انتصار احد التيارين يحدد مدي فشل او نجاح الثوره. فعلي عكس ما يعتقد الكثيرون، قد اثبتت باحثة العلوم السياسيه بجامعة كوبنهاجن الدانماركية ،إيزابيل برامس، ان نجاح او فشل الثورات لا يعتمد فقط علي المحافظة و الالتزام التام بسلمية حركة المقاومه، او المقدرة علي التنظيم و تعبئة الشارع، او انحياز الجيش للشعب. كل هذه العوامل مهمة و لكن غير كافية لوحدها. اوردت إيزابيل برامس الكثير من البراهين العلميه و الأدلة العمليه التي توكد ان نجاح الثورات يعتمد علي مواصلة الضغط الشعبي و استخدام هذا الضغط في محاورة النظام الديكتاتوري لتقديم التنازلات و تنفيذ مطالب الشعب من غير مساومات. و لكن اختيار الوقت المناسب لعمليات التصعيد ظل يشكل عامل أساسي لضمان نجاحها.
فعلي سبيل المثال اعتمد نجاح الثوره التونسيه علي مقدرة الاتحاد العام للعمال التونسي علي التنظيم و توحيد كل فصائل الثوره بمختلف اتجاهاتها و خلق بلبله و تخبط في نظام بن علي من خلال تكثيف الضغط الجماهيري الذي تمكن من خلق تصدع في اجهزة النظام المختلفه مما أدي الي سقوطها.
ان حزب المؤتمر الوطني و حركة الكيزان و لأول مره في تاريخها الذي يمتد علي ما يقارب السبعين عاماً تجد نفسها في مواجهة خطر الزوال التام بشكل حقيقي من خارطة الحياة السياسية السودانية. و برغم تغلغل المؤتمر الوطني العميق في كل مناحي الحياة الاقتصادية و السياسية في السودان ، لكنه يعيش اكثر حالاته ضعفاً و تشرذماً أمام المد الثوري السوداني الجارف.
هذا بالإضافة الي ان المجلس العسكري لا يحاور من موقف قوه حيث ان كل الحسابات الدولية و الاقليميه ليست في صالحه. المجلس العسكري في اشد الحوجه الي التمثيل المدني لمنحه شرعيه دوليه، و قد عبّر المجتمع الدولي بصوره قاطعه عن رفضه للانقلابات العسكرية كآلية للتغيير السياسي ولحل النزاعات.
علينا المواصلة في المزيد من عمليات التصعيد الثوري و المحافظة عل سقف المطالب الثوريه كما ورد في اعلان الحرية و التغيير من غير مساومات تصب في اعادة فتح الطريق أمام فلول النظام البائد لمحاولة الالتفاف علي الثوره.
ان الموقف الثوري و السياسي السليم الان هو ضرورة التمسك بمحدودية التمثيل العسكري في مجلس سياده مدني تكون الغالبية فيه لقوي المدنيين وتعريف صلاحيات محددة وصارمة لمجلس السيادة لايتجاوزها تتصل مباشرة بأهداف ميثاق الحرية والتغيير كما وضحناها أعلاه ؛ و الاستفادة من المد الثوري و الضغط الشعبي الحالي لإرغام المجلس العسكري بقبول هذا الصيغه لحل الازمه الحاليه. علي المجلس العسكري إثبات جديته و تحويل تصريحاته بالانحياز للشارع الي بيان بالعمل بقبول هذا التنازل من قوي الثورة ، فعلينا ان لا ننسي ان نقطة بدايتنا كانت عدم الحوار مع المؤتمر الوطني ممثلا في مجلسه العسكري و لجنته السياسية و المطالبة بمجلس سياده مدني كامل. الثورة قد اثبتت جديتها في حل أزمة  التحول السلمي الديمقراطي بتقديم تنازلات، واضعةً في عين الاعتبار خصوصية الوضع الشائك و المعقّد في السودان وعلي المجلس العسكري ان يظهر المثل وينحاز الى قوي الثورة وليس الى شبكة النادي الحاكم الظالم  الذى سقط. 

ابريل ٢٨، ٢٠١٩

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).