عيد العمال/أول مايو وواقع الحركة النقابية العمالية (1/3)

بقلم :محمد سيف

 (أ)

في يوم ١ مايو ١٨٨٦م نظَّم عمال شيكاغو بتورنتو إضراباً عن العمل شارك فيه ٣٥٠ ألف لـ ٤٠٠ ألف عامل مطالبين بتحديد ساعات العمل ولقد كان شعار الإضراب كالآتي :-

٨ ساعات للعمل

٨ ساعات للنومِ

و ٨ ساعات للفراغ والراحة والترفيه

لم يعجب الإضراب أصحاب الأموال لنجاحِه في تعطيل حركة المدينة الإقتصادية فأُلقيت قنبلة وسط الحشود قتلت عدد من المتظاهرين ورجال الشرطة فتَّم إعتقال قادة الإضراب حيث حُكم بالإعدام على أربعة منهم وبينما كان الجلاد ينفذ حكم الإعدام على العمال الأربعة كانت زوجة "أوغست إسبايز" أحد العمال المحكوم عليهم بالإعدام تقرأ خطاباً كتبهُ زوجها لأبنه الصغير (جيم )

" ولدي الصغيرعندما تكبر وتصبح شاباً وتحقق أمنية عمري ستعرف لماذا أموت، ليس عندي ما أقوله لك أكثر من أننى بريء وأموت من أجل قضية شريفة ولهذا لا أخاف الموت وعندما تكبر ستفتخر بأبيك وتحكى قصته لأصدقائك".

(ب)

السؤال الحارق هو هل تغير واقع الطبقة العاملة الذي أستشهد من أجلها قبل أكثر من مائة وثلاثين عام أوغست إسبايز ثمَّ تبعه المئات ألاف من النقابيات والنقابيين والقادة العماليين مع توالي التضحيات على مرِّ السنوات في كل بقاع الأرض ؟! وحتى نكون أكثر تحديداً ماهو واقع حال الطبقة العاملة السودانية وحركتها النقابية ونحن يمر عيد العمال بين يديَّ ثورة ديسمبر ٢٠١٨م المجيدة ؟! .

ربما يكون هذا مدخلاً لسؤال أخر متفرع وأن كان أساسياً جداً وهو لماذا لم تُشكل الحركة النقابية العمالية وجوداً منظماً في هذه الثورة ؟! .

لكنني سألتزم بالنظر لواقع الطبقة العاملة السودانية وحركتها النقابية بين يدي عيد العمال (أول مايو)، الشاهد أنَّ نظام الأنقاذ الشمولي أستهدف الحركة النقابية العمالية منذ بواكير صعوده للسلطة في ٣٠ يونيو ١٩٨٩م كما ساهمت سياساته الأقتصادية الشائهة في تصفية كل الأنشطةالأقتصادية،الزراعية(مشاريع الري الحديث كالجزيرة/الرهد/النيلين الأزرق والأبيض ..الخ)، الصناعية(المحالج/النسيج/الغذائية والمطاحن..الخ) ومؤسسات للبنى التحتية (الري/ الحفريات/ النقل النهري والجوي والبحري والميكانيكي) وغيرها والتي كانت تشكل مراكز ثقل لوجود العمال والعاملات والحرفيين بل أن الطابع الأقتصادي الطُفيلي للأنقاذ كاد أن ينتهي بأنهيار السودان نفسِهُِ بما فيه ما لمسناه من مؤشرات لأنهيار فكرة الدولة نفسها وتمزق نسيجنا الوطني أضف لذلك كلهُ الأثار السالبة والمُدمرة لطابعِ الأقتصاد الريعي الذي تبنتهُ الأنقاذ حيث أُستخدم فيه جهاز الدولة لتحقيق الثراء والنفوذ للطغمة الحاكمة ومشايعيها بجانب أعتصار المصادر الطبيعية مما أدى ليس لتهديد السيادة الوطنية بل للتنازل عنها في حالات عديدة والأمثلة كثيرة نُذكر منها عقود بيع مؤاني سواكن/بورتسودان/مصانع الأسمنت/أراضي زراعية .... الخ كل ذلك مربوط بشكل رئيسي مع الطابع الهزيل لقوانين الأستئثمار واللوائح الوزارية والمراسيم الجمهورية للعمالة الأجنبية وشركات التوظيف والأستثناءات والتراخيص والأعفاءات الضريبية والجمركية ..الخ لأجانب كثيرين عرب/صينين/سماسرة دوليين/دعاة أسلام سياسي وسواهم بدعاوي المصير المشترك والمصالح الأقتصادية والمشروع الأسلامي وغيرها .

السؤال ما علاقة كل ما ذُكر بواقع الطبقة العاملة السودانية وحركتها النقابية ؟! .

الأجابة ذات شقين :-

الأول :- وجودها ومراكز ثقلها ، الشاهد أن سياسة النظام الأقتصادية صفَّت مراكز وجودها الكبير زد على ذلك حالة الأفقار الشديد والحروبات والحصار الأقتصادي الذي تسببت فيه سياسة النظام الخارجية أو أنعكاسه بشكلٍ واضح في إضعاف قدرة العمال والعاملات على أن يتحولوا لقوة ضغط إجتماعية تتناسب مع حجمهم .

٢/ شمولية النظام الشديدة وترسانة قوانينه المقيدة للحريات وأستهدافه العنيف للقيمِ الديمقراطية ورفضهُ للتنوع والتعدد الذي تذخر بهِ بلادنا مع سحقِهِ لأي بادرة تنشأ أو تنطلق من المنظمات الأهلية كالنقابات وأختراقه لها وتدجينها وتغيير القوانين التي تحكم حراكها وبنيانها حتى يسهل السيطرة عليها والمعروف أن النقابة هي أهم حلقة في حلقات الحراك الإيجابي والدليل على ذلك تغييب وأضعاف الحركة النقابية العمالية يظهر في أن لائحة البنيان النقابي وقوانين ولوائح الأستئثمار وشركات توظيف العمالة أضافة للأستثناءات حرمت ما يزيد عن 60% من العمال والعاملات من حق تكوين نقابة وأفقادهم الوعي بأهميتها .

بأختصار غير مخل كانت الـ ٣٠ عام من عمر النظام وبالاً على الحقوق عموما بما فيها الحق في الحياة مما ترك أثراً مأساوياً في كل مناحى الحياة بالسودان أما أثرها على الحركة النقابية يد العمال والعاملات والحرفيين وأداتهم لحماية حقوقهم وتحقيق حياة كريمة لهم فلقد كان ومازال مدمراً ذلك لأن الحركة النقابية الحقيقية تقوم على مبدأين أساسيين هما :-

١/ الأستقلالية

٢/ الديمقراطية

ولقد أستهدف النظام بشكل أساسي هذين المبدأين والأمر الآن سيان كأنما أنقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩م يُجدد وجهه القبيح لأن التجميد والحل وجهان لعملة واحدة ذلك لأن أصل الموقف منهما واحد فصراع قوى العاملين الثورية أنما يدور حول القوانين التي صادرت حق مكتسب وطبيعي وقانوني ودولي هو ديمقراطية وأستقلالية العمل النقابي وخطورة قبولنا بقرار تجميد النقابات ووضع السلطة في يد المسجل العام تكمن في الأتي :-

١/ أنصرافنا للصراع مع المسجل العام للنقابات الغارق ومكاتبه إلى أُذنيه في الشمولية ومع من يقفون من ورائِه من عناصر نظام الفساد لأيجاد تمثيل لنا في لجان التسيير التي سيُكونها بناءاً على قرار المجلس العسكري .

٢/ خطورة النقطة الأولى تكمن في أننا بذلك سنُسقط حق الجمعيات العمومية الجهة الأصيلة الوحيدة صاحبة حق أختيار من تشاء ليكون في اللجان التمهيدية .

٣/ وحتى أذا كانت لجان التسيير التي تم أختيارها مبرأة من كل عيب سنكون قد خُضنا معركة العاملين بالوكالة والصحيح أن قضايا الجمعيات العمومية لا تتصدى لها سواها وهكذا هي بالضبط الديمقراطية التي ناضلنا من أجلها .

٤/ ثُمَّ أننا بذات الوقت نفتح للصراع السياسي باباً واسعاً  كي يطل بوجهه القبيح داخل مجالات العمل وهذا بالضبط ما يريده المجلس العسكري والقوى التي تقف من ورائه .

٥/ ظللنا طوال الثلاثين سنة المنصرمة نُصارع  ضد تهجين النقابات وتحويلها لصنيعة للنظام والآن بقبولنا للتجميد نُمارس ذات الوصاية عليها .

٦/ أنهُ لمن الصحيح أن نُعلي في موقفنا من التجميد الأستراتيجي على المرحلي وأستراتيجية الثورة تكمن في التمسك بالديمقراطية كهدف وقيمة وهذا ينسجم مع أنّّ أستقلالية الحركة النقابية وديمقراطيتها تقوم على أساسِ أن القواعد (الجمعيات العمومية) هي من بيدها سلطة الأنتخاب والحل والتجميد وعليهُ فلابد أن نُحول

موقفنا الرافض للتجميد لبرنامج عمل نُجابه بهِ الواقع الذي سيُفرزه التجميد مما سيُكسب نشاطنا حيوية عالية جداً لأنه سيستند على مصداقية وقراءة صحيحة للواقع بأختصار دعونا نقود معاركنا ضد التجميد داخل مجالات العمل تحت شعار وليكن ذلك هشتاق بناء النقابات :-

#لا للجنة تسيير المجلس العسكري

#نعم للجان الجمعية العمومية_التمهيدية.

في تقديري أن المطلوب اليوم من كل العمال والعاملات والحرفيين إضافةً لكل فصائل الشعب بما فيهم شبابه الثائر وقوى إعلان الحرية والتغيير أن يرفضوا بكل الوسائل قرار المجلس العسكري القاضي بتجميد النقابات وأن يستندوا في حراكهم لبنيانِ العمل النقابي الصحيح على قانون النقابات لعام 1987 إلى حين أن يتيسر للعمال والعاملات وبقية فئات العاملين المساهمة عبر ممثليهم المنتخبين في مناقشة وصياغة قوانين النقابات والعمل وأي قوانين ذات صلة بطبيعة دفاعهم عن مصالح وحقوق عضويتهم وأُشدد أيضاً على ضرورة التمسك بأن الجمعيات العمومية للعمال وللعاملين عموماً في كل مواقع العمل كفيلة بإسقاط القيادات الإنتهازيه ذلك لأن مطالبة بعضنا للمجلس العسكري أو سواه بحل النقابات تحت دعاوي الشرعية الثورية أو غيرها غير صحيحه قانونياً ولا تنسجم مع التوهج الثوري التي تعيشه بلادنا ذلك لأن شرعية النقابات الثورية هي عقد الجمعيات العمومية جهاراً نهاراً وفِي مواقع العمل ودور النقابات ثم إصدار قرار إسقاط القيادة الإنتهازية من داخلها على رؤوس الأشهاد وبذلك نستعيد الدور ونوادي العمال ومؤسسة الثقافة العمالية والجمعيات التعاونية وصناديق الزمالة وغيرها من مؤسسات العاملين في تقديري أن هذا هو واجب المرحلة الأساسية التي هي الآن بين يدي الأول من مايو .

سنواصل في الكتابة فيما يربط اليوم بماضي الحركة العمالية السودانية المشرق مع مستقبلها الذي لا يحتمل غير الفوز .

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )