الوديعة الاماراتية واخواتهاً

د.صلاح مهدي

خلال السنوات الاخيرة  من عمر نظام الجبهة الاسلامية ، كثر الحديث عن استقبال السودان لوديعة مصرفية من دول او دولة بعينها ، وكان القصد من وراء ذلك امتصاص غضب الشارع، وتغبيش وعيه بحقيقة الازمة التي تلف عنق النظام، الى جانب استهداف ايصال رسالة بان هناك من يقف مع النظام ويدعمه اقتصادياً، وهو يعاني العزلة عالمياً، وان من يقف معه انما يفعل ذلك طمعاً في اقتطاع جزء من البلاد ، بعد ان اصبح نظام الاسلاميين اكبر بائع للأراضي ولمختلف الاستخدامات، بما يجعل فريق من الطامعين اقامة مشاريعهم في السودان لشتى الاغراض بما فيه القواعد العسكرية. امام هذا الحال اتجه نظام الجبهة الاسلامية للاستعانة بأسواء اشكال تمويل احتياطي النقد الاجنبي. فبئس الطريق الذي اختاره النظام، والنابع من فقر الجراب لعلاقات دولية تقوم على المصلحة المتبادلة، غير الاستعداد للركوع حتى لو كان ذلك عن طريق الحصول على وديعة مصرفية، والتي تعتبر من اسواء وسائل تمويل ودعم الاقتصاد.

فشتان ما بين الدعم الاقتصادي القائم على اساس تقوية دعائم الاقتصاد دون استغلاله او استنزافه، فمن بين الدول العربية هناك مالكين لحصص كبيرة في صندوق النقد الدولي اكبر دائني السودان، ومن ثم يمكنهم التأثير في تصحيح مسار علاقة ديون السودان لدى الصندوق وغيره دول المنطقة، وذلك بعيداً عن البرامج التقشفية القاصمة للظهر التي يفرضها الصندوق من خلال مشروع مبادرة ( الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC ولكن في ظل العلاقات الدولية الاقتصادية القائمة اليوم فان المصالح الوطنية للدول تأتي في المقدمة، وهذا امر لا يمكن ان تقدمه دولة لأخرى، وان تم مثل هذا الامر فإنما يعني التبعية الاقتصادية والاملاءات السياسية. فالاقتصاد الوطني يدعمه الانتاج المحلي، والسياسات النقدية القادرة على تحقيق الاستقرار النقدي للاقتصاد القومي، وانخفاض معدلات البطالة، وانحسار مستوى التضخم، ومستوى سعر الفائدة. وذلك من اجل تحقيق تراكمات لاحتياطيات البلاد من النقد الاجنبي، وتفادي الوصول بميزان المدفوعات الى دائرة العجز، والتخفيف من حدة الديون المحلية والخارجية. وهذه قضايا لاشك انها تمثل تحديات امام الاقتصاد السوداني.

ولما كان المطلوب دائما من سياسة النقد الاجنبي ان تعمل على تحقيق وفورات احتياطية من العملات الاجنبية، فهذا الاحتياطي لا يتم بمعزل عن المصادر تكوينه ،ففي حالة السودان، فان هذا الاحتياطي يعتمد على تدفقات تحويلات المغتربين ( والتي يبتلعها السوق الموازي حتى في دول المهجر نفسها)، عائد الصادرات ( البترول، الذهب، والمحاصيل الزراعية) وهي متذبذبة حيث ان معظمها يقع في مناطق الحرب والنزاعات، فبدون تحقيق الاستقرار والسلام الدائم لن نتمكن من استغلال الموارد الكامنة لصالح التصنيع والتصدير، والتي من اقلها المحاصيل الزراعية( مثل: السمسم، والكركدي، والصمغ العربي، والثروة الحيوانية)، ومن تلك المصادر ايضاً تدفقات الاستثمار الاجنبي التي يستقبلها السودان، والتي بلغت مساهمتها في تحقيق احتياطي العملات الاجنبية نحو 671 مليون دولار عام 2016م( وفقاً لمصادر وزارة الاستثمار). هذه المصادر الثلاث الرئيسية لتكوين احتياطي البلاد من النقد الاجنبي، والذي يتطلب ان يكون حاضراً، وموجوداً تحت سيطرة السلطة النقدية( بنك السودان) لاستخدامه لمواجهة العجز في ميزان المدفوعات او أي متطلبات اخرى لأغراض هذا الميزان، الا ان البنك لم يتمكن من تحقيق أي وفورات اقتصادية من النقد الاجنبي في ظل ازمات نظام الجبهة الاسلامية وفسادها الذي ساهم في تعميق ازمات الاقتصاد السوداني.

ومن هنا لم يجد ذاك النظام من مخرج لدعم احتياطي البلاد من النقد الاجنبي سوى اللجوء الى اسواء اشكال التمويل بالحصول على ودائع مصرفية، والتي تعتبر من اكبر الوسائل التي يمكن ان تكبل القرار السياسي والاقتصادي للدولة المُستَقبِلَةَ The Recipient Country لهذا النوع من التمويل، فالودائع المصرفية تعد اكثر خطورة من القروض المصرفية، باعتبار ان الوديعة تكون ملزمة ومقيدة للمستفيد منها. وهي دائماً ما تكون ذات سعر فائدة مرتفع ( فمثلاً: الوديعة التي عرضتها قطر على مصر ابان حكم الاخوان والتي بلغت نحو 2 مليار دولار، كان سعر فائدتها4,5%، بينما كان سعر فائدة قرض الصندوق المعروض على مصر في تلك الفترة 1,1%( انظر ماجد عطية: الدستور الالكترونية 1/5/2013م)). بينما القرض  يتم الحصول عليه بشروط محددة، ويستحق سداده خلال مدة زمنية معلومة، وبفوائد اقل، وحتى ان لم يتم السداد ( كما هو في حالة ديون السودان الراهنة) يصبح الدين قائماً، بخلاف الوديعة التي تظل ملكاً لصاحبها( الدولة المودعة)، والذي له حق التصرف في وديعته كيفما شاء ومتى اراد. فقد سبق ان حصل السودان إبان الحكم المايوي على منحة من النظام الليبي، والذي سرعان ما طالب بردها على اثر تدهور العلاقات السياسية بين البلدين، فتم ردها من مال الشعب السوداني ، ومن خلال ما عرف " بمال الكرامة"، ثم القى القذافي مرة اخرى بشباكه لنظام الاسلاميين، وقدم لهم منحة اخرى، وارتد للمطالبة بها فتم منحة قطع ارض اقتطعت من مساحة ارض الوطن لتصبح ملكية اجنبية( وليس قطعة مستأجرة)  تقف في قلب الخرطوم، وهي ما يعرف ببرج الفاتح، يحق لليبيا التصرف فيها وفق اسس واتفاق بيع هذه القطعة  والتي لم يعلن عنها( جريدة الشرق الاوسط العدد 12110 بتاريخ 24/01/2012م).

وكما اشرنا في البدء، ففي ابريل 2014م أبان حكم نظام الجبهة الاسلامية  حصل السودان على وديعة مصرفية بمبلغ مليار دولار من قطر، ثم في يناير 2017م ، حصل على وديعة اخرى من صندوق ابوظبي للتنمية بمبلغ 400 مليون دولار. وتحت ظل الثورة الوطنية السودانية وفي خطوة جديدة، ولكنها هذه المرة جاءت بمبادرة من دولة الامارات، اذ قام صندوق ابو ظبي للتنمية بتقديم وديعة مصرفية بمبلغ 250 مليون دولار، وهي الثالثة المعلن عنها بشكل رسمي، وان كان بنك السودان لم يوضح في تقاريره ومنشوراته كم من الودائع الاجنبية المودعة لديه. أي كان الحال فالودائع الثلاث وجهت لدعم احتياطي البلاد من النقد الاجنبي، وما يدعو للقلق بشأن الوديعة الاخيرة انها قد سارت في إجراءاتها الإدارية بذات المنحى الذي درج عليه نظام الجبهة الاسلامية، فتناسى البنك المركزي (بحكم سياسة نظام الحكم العميق) اننا نعيش فجر جديد أقل ما فيه ان يكون على قدر من الشفافية ( ومندوبته الفضلى توقع على اتفاقية الوديعة) ان يوضح شروط تلك الوديعة، والفوائد المترتبة عليها، وهل هي وديعة قابلة للبيع، او التحويل أو السحب او التنازل للغير وغير ذلك من شروط، وبالطبع هي ذات التساؤلات التي تطرح بشان الودائع السابقة، والتي تستوجب السؤال ما هو مفعولها ان كانت قد تمت خلال 5سنوات( 2014-2019)، ولم تقنع مخططي السياسات النقدية في بنك السودان من الفطام لقبول هكذا نوع من التمويل، يكون فيه صاحب الوديعة ( صندوق ابو ظبي/دولة قطر) على حق للمطالبة بوديعته او أي جزء منها في أي وقت يريد.

وفي الامثلة التي سقناها سابقاً عن حالة المنح الليبية ، ما يجعل القوم يتذكرون، بل نشير الى المخاوف التي اصابت بنك لبنان المركزي الذي ظل يتلقى الودائع المصرفية من السعودية، من ان يؤدي سحب تلك الودائع الى اثار سالبة على القطاع المالي اللبناني( جريدة الشرق الاوسط 23 فبراير2016) ، بل ان السعودية نفسها قد ارسلت تهديداتها للحكومة الامريكية ببيع اصولها لدى الاحتياطي الفيدرالي ، والتي تقدر بأكثر من 750 مليار دولار، وذلك اذا ما تم اجازة قانون "جاستا" المتعلق بالقضايا التي يوجهها المواطنون الامريكيون ضد الدول والتي مثارها ارتباطات بالإرهاب (هسبريس- المغربية 17/4/2016م (https://www.hespress.com/economie/302861.html  

وحين ساءت العلاقات السياسية بين مصر وقطر طلبت الاخيرة( في عام 2014) رد وديعتها والبالغة 7 مليار دولار ورفضت تمديد مدتها الزمنية ( فكما يبدو انها وديعة لأجل) وتمكن المركزي المصري من سداد اقساط الوديعة كاملة حتي يونيو 2016م(الدستور الالكترونية 2018/6/5  https://www.dostor.org/2199668 )

ومن هنا تتضح ابعاد التأثيرات التي يمكن ان تنجم عن مثل هذه التدفقات للأموال الاجنبية، خاصة الودائع التي توضع كأمانة  لدي البنوك المركزية، والتي بلا شك تؤدي الى كثير من القيود السياسية والاقتصادية، و ترهن القرار السياسي الوطني للدوران في فلك الاخرين. فليس من داعم للاحتياطي النقدي، وليس من معزز للقوى الشرائية للجنية السوداني سوى الانتاج الصناعي، والزراعي الذي تتظافر فيه جهود القطاع الحكومي والخاص، لخلق اقتصاد قادر على تلبية الاحتياجات المحلية وتخفيف الضغط على ميزان المدفوعات، وذلك الى جانب خفض معدلات البطالة، وهذا امر يتم في اطار مراجعة شركات واستثمارات اجهزة الدولة جمعياً، وتفكيكها من قبضت المتمكنين ،ودفع المجدي منها الى جانب استثمارات القطاع الخاص الوطني للمساهمة في تحقيق تدفقات مالية سواء بالعملات المحلية او الاجنبية، اضافة الى تحسين القدرات التنافسية للصادرات، واستعادة الجهاز المصرفي لما فقده من مراسلين اجانب، فهناك نحو 248 بنك مراسل قد اوقفوا تعاملهم تماما مع السودان، وان حوالي 168 مراسل قد اقتصروا تعاملاتهم في حدود معينة، وذلك خلال الفترة 2012-2015م (IMF, Sudan, Selected Issues 2017 ) فاستعادة المكانة المصرفية للسودان، ورفع اسمه نهائياً من أي نوع من الحظر لدى أي من الدول، انما هو امر يتم في اطار ما دفع به اعلان الحرية من" تحسين علاقات السودان الخارجية وبناؤها على أسس الاستقلالية والمصالح المشتركة والبعد عن المحاور مع إيلاء أهمية خاصة للعلاقة مع أشقائنا في دولة جنوب السودان" الى جانب الاستفادة من التجمعات الاقليمية في التمويل والتجارة، وحسم علاقتنا مع مؤسسات التمويل الدولي ، في اطار قدراتنا واستقلالية قرارنا الاقتصادي.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )